موقع الشيخ دبيان الدبيان

الموقع الرسمي للشيخ دبيان الدبيان يعنى بالبحوث الفقهية المؤصلة، والنوازل المستجدة، وتحريرها وفق الأصول الشرعية المنضبطة، تحريرًا فقهيًا حديثيًا أصوليًا مقاصديًا.

الشرط الجزائي: تعريفه، وأحكامه، والموقف الشرعي من غرامات التأخير

الفرعُ الأولُ: في تعريفِ الشرطِ الجزائيِّ

تعريفُ الشرطِ الجزائيِّ في الاصطلاحِ [1]:
عبارةُ الشرطِ الجزائيِّ غيرُ معروفةٍ في كتبِ الفقهِ القديمةِ بهذا المصطلحِ، ولكنها معروفةٌ في القوانينِ الغربيةِ، كالقانونِ الفرنسيِّ، والإنجليزيِّ وغيرِهما من القوانينِ الغربيةِ، وقد أخذت قوانينُ البلادِ العربيةِ هذا التعبيرَ عن القوانينِ الغربيةِ، وأدخلتْ عليهِ بعضَ التعديلاتِ.
وأولُ قانونٍ عربيٍّ أخذَ بهِ هو القانونُ المصريُّ، أخذَهُ عن القانونِ الفرنسيِّ.
وعَبَّرَ عنهُ الدكتورُ السنهوريُّ بالعبارةِ التاليةِ: التعويضُ الاتفاقيُّ، أو الشرطُ الجزائيُّ.
وتبعتْ أكثرُ قوانينِ البلادِ العربيةِ القانونَ المصريَّ[2].

لذا سيكونُ التعريفُ لـلشرطِ الجزائيِّ منقولاً من كتبِ القوانينِ.

فـقِيلَ في تعريفِهِ:
«اتفاقُ المتعاقدينِ في ذاتِ العقدِ أو في اتفاقٍ لاحقٍ، قبلَ الإخلالِ بالالتزامِ على مقدارِ التعويضِ الذي يستحقُّهُ الدائنُ عند عدمِ قيامِ المدينِ بتنفيذِ التزامِهِ، أو تأخيرِهِ عنهُ فيهِ»[3].

وإذا كان الفقهاءُ المتقدمونَ لم يتوجهوا لبحثِ هذا الشرطِ بهذه الصيغةِ لعدمِ قيامِ الحاجةِ إليهِ في ذلك الوقتِ، فإنهُ في هذا الزمنِ أصبحتِ الحاجةُ إليهِ ملحةً جداً؛ لأنَّ تأخُّرَ أحدِ المتعاقدينِ أو امتناعَهُ عن تنفيذِ التزاماتِهِ في مواعيدِها المشروطةِ مُضِرٌّ بالطرفِ الآخرِ في وقتِهِ ومالِهِ أكثرَ مما كان عليهِ في الزمنِ الماضي. فلو أنَّ بائعَ بضاعةٍ ما تأخرَ في تسليمِها حتى هبطَ سعرُها لتضرَّرَ المشتري بخسارةٍ فادحةٍ[4].

الفرعُ الثاني: شروطُ استحقاقِ الشرطِ الجزائيِّ

يُشْتَرَطُ لاستحقاقِ مقدارِ الشرطِ الجزائيِّ شروطٌ منها:.

الشرطُ الأولُ:

لا بدَّ من الإخلالِ بالشرطِ المتفقِ عليهِ.

وهو ما يُعَبَّرُ عنهُ بوجودِ الخطأِ، لأنَّ الشرطَ الجزائيَّ لا يُسْتَحَقُّ على المدينِ إذا لم يكن هناك إخلالٌ بالشرطِ المتفقِ عليهِ.

الشرطُ الثاني:

ألا يوجدَ هناك عذرٌ معتبرٌ شرعاً من عدمِ الالتزامِ بالوفاءِ في الوقتِ المحددِ.

ولهذا جاءَ في قرارِ المجمعِ الفقهيِّ: «لا يُعْمَلُ بـالشرطِ الجزائيِّ إذا أثبتَ من شُرِطَ عليهِ أنَّ إخلالَهُ بالعقدِ كان بسببٍ خارجٍ عن إرادتِهِ…» [5].

وجاءَ في قرارِ مجلسِ هيئةِ كبارِ العلماءِ الرسميينَ في السعوديةِ: «إنَّ الشرطَ الجزائيَّ الذي يجري اشتراطُهُ في العقودِ شرطٌ صحيحٌ معتبرٌ، يجبُ الأخذُ بهِ، ما لم يكن هناك عذرٌ في الإخلالِ بالالتزامِ الموجبِ لهُ يُعْتَبَرُ شرعاً، فيكونُ العذرُ مسقطاً لـوجوبِهِ حتى يزولَ»[6].

الشرطُ الثالثُ:

هل يُشْتَرَطُ أن يكونَ المبلغُ في الشرطِ الجزائيِّ مساوياً للضررِ الواقعِ من التأخيرِ؟

وللجوابِ على ذلك لا بدَّ من السؤالِ:.

هل الشرطُ الجزائيُّ عقوبةٌ ماليةٌ مقابلَ الإخلالِ بالشرطِ، أو أنهُ تعويضٌ عن الضررِ الحاصلِ من التأخيرِ؟

• فإذا قلنا: إنَّ الشرطَ الجزائيَّ عقوبةٌ ماليةٌ مقابلَ الإخلالِ بالشرطِ المتفقِ عليهِ:.

لم ندخلْ في بحثِ: هل المبلغُ في الشرطِ الجزائيِّ مساوٍ للضررِ الحاصلِ من التأخيرِ، أو أكثرُ منهُ، أو أقلُّ؟

• أما إذا قلنا: إنهُ تعويضٌ عن الضررِ الحاصلِ من التأخيرِ:.

فإنهُ يلزمُ على ذلك لوازمُ كثيرةٌ، منها:.

– أنهُ لا يستحقُّ شيئاً من الشرطِ الجزائيِّ إذا ثبتَ أنَّ التأخيرَ لم يترتبْ عليهِ أيُّ ضررٍ.

– ومنها: الرجوعُ إلى المحاكمِ الشرعيةِ في تقديرِ الضررِ، ومقابلةُ ذلك بالمبلغِ المتفقِ عليهِ.

– ومنها: زيادةُ المبلغِ إذا كان المبلغُ في الشرطِ الجزائيِّ المتفقِ عليهِ أقلَّ من الضررِ الواقعِ، أو النقصُ منهُ إذا كان الشرطُ الجزائيُّ أكثرَ من الضررِ الواقعِ.

وقد اختلفَ العلماءُ في الشرطِ الجزائيِّ:
هل هو عقوبةٌ، أو تعويضٌ عن الضررِ؟
على قولينِ:

القولُ الأولُ:
يرى أنَّ الشرطَ الجزائيَّ تعويضٌ عن الضررِ الحاصلِ، وبالتالي: لا يستحقُّ شيئاً من شُرِطَ لهُ إذا ثبتَ أنَّ التأخيرَ لم يترتبْ عليهِ أيُّ ضررٍ، ولم يتسببْ في فواتِ أيِّ منفعةٍ ماليةٍ.

وهذا ما أخذَ بهِ مجمعُ الفقهِ الإسلاميِّ، وظاهرُ قرارِ هيئةِ كبارِ العلماءِ.

ويرى فضيلةُ الشيخِ الدكتورِ الصديقِ الضريرِ أنَّ جميعَ القوانينِ الغربيةِ والعربيةِ على هذا القولِ[7].

ففي قرارِ المجمعِ ما نصُّهُ:.

«لا يُعْمَلُ بـالشرطِ الجزائيِّ إذا ثبتَ من شُرِطَ عليهِ أنَّ إخلالَهُ بالعقدِ كان بسببٍ خارجٍ عن إرادتِهِ، أو أثبتَ أنَّ من شُرِطَ لهُ لم يلحقْهُ أيُّ ضررٍ من الإخلالِ بالعقدِ»[8].

وجاءَ في قرارِ هيئةِ كبارِ العلماءِ: «إذا كان الشرطُ الجزائيُّ كثيراً عرفاً بحيث يُرَادُ بهِ التهديدُ الماليُّ، ويكونُ بعيداً عن مقتضى القواعدِ الشرعيةِ، فـيجبُ الرجوعُ في ذلك إلى العدلِ والإنصافِ على حسبِ ما فاتَ من منفعةٍ، أو لحقَ من ضررٍ، ويُرْجَعُ في تقديرِ ذلك عند الاختلافِ إلى الحاكمِ الشرعيِّ عن طريقِ أهلِ الخبرةِ والنظرِ» [9].

القولُ الثاني:
ذهبَ بعضُ العلماءِ إلى أنَّ الشرطَ الجزائيَّ هو عقوبةٌ ماليةٌ نظيرَ الإخلالِ بالشرطِ، (غرامةُ تأخيرٍ) وليس تعويضاً عن الضررِ.

وممن ذهبَ إلى هذا فضيلةُ الشيخِ عبدِ اللهِ بنِ منيعٍ، ورفيقُ المصريِّ[10]، والقاضي محمودُ شمامُ رئيسُ محكمةِ التعقيبِ الشرفيِّ في تونسَ[11].

يقولُ الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ منيعٍ وفقهُ اللهُ:
«في الواقعِ أتساءلُ الآنَ: هل الشرطُ الجزائيُّ تعويضٌ عن ضررٍ، أو عقوبةٌ ماليةٌ؟ الذي يظهرُ لي أنَّ الشرطَ الجزائيَّ عقوبةٌ ماليةٌ في مقابلةِ الإخلالِ بالعملِ سواءٌ أكان ذلك يتعلقُ بالعملِ نفسِهِ، أو يتعلقُ بزمانِ أدائِهِ…» [12].

وهذا القولُ هو الذي يتمشى مع غرضِ العاقدِ من الشرطِ الجزائيِّ، وبيانُ ذلك من وجوهٍ:.

الوجهُ الأولُ:

إذا كان التعويضُ بمقدارِ الضررِ، لم يكن هناك فائدةٌ من التنصيصِ على مقدارِ الشرطِ الجزائيِّ؛ لأنَّ التنصيصَ عليهِ سيكونُ تحصيلَ حاصلٍ؛ فإن كان الضررُ أقلَّ من الشرطِ الجزائيِّ، أو كان أكثرَ منهُ كان الرجوعُ إلى مقدارِ الضررِ، وإذا لم يكن هناك ضررٌ من التأخيرِ فللمقاولِ أو الموردِ أو الصانعِ أن يتأخرَ كما يشاءُ، ويكونُ وجودُ الشرطِ الجزائيِّ كعدمِهِ.

ولأننا إذا اعتبرنا أنَّ الشرطَ الجزائيَّ تعويضٌ عن الضررِ، لم يكنِ العاقدانِ بحاجةٍ إلى اشتراطِ مثلِ ذلك أصلاً في صلبِ العقدِ؛ لأنَّ الضررَ مدفوعٌ ولو لم يُشْتَرَطْ؛ لحديثِ: «لا ضررَ، ولا ضرارَ».

الوجهُ الثاني:

ما المانعُ من اعتبارِ الشرطِ الجزائيِّ غرامةً ماليةً يتفقُ عليها العاقدانِ عند عدمِ الالتزامِ بالمدةِ المتفقِ عليها لتنفيذِ العقدِ، فسواءٌ كان هناك ضررٌ، أو لم يكن هناك ضررٌ؟ أليس من حقِّ العاقدِ أن يشترطَ تسليمَ المبيعِ خلالَ مدةٍ معينةٍ يمكنُ للمقاولِ أو الموردِ أو الصانعِ أن ينجزَ العملَ فيها؟ ألم يكن بوسعِ من شُرِطَ عليهِ مثلُ ذلك أن لا يقبلَ هذا الشرطَ، ويدعَ العقدَ لمن يستطيعُ أن يلتزمَهُ؟ فإذا التزمَ بتسليمِ المبيعِ خلالَ هذهِ المدةِ، وأخلَّ بهذا الشرطِ من غيرِ عذرٍ فإخلالُهُ بما التزمَهُ يستحقُّ أن يُوقَعَ عليهِ غرامةٌ ماليةٌ، وهذه الغرامةُ قد تمت برضا الطرفينِ، كالعربونِ تماماً فإنهُ يلتزمُهُ المشتري ولو لم يكن هناك ضررٌ على البائعِ، ولا نشترطُ لقبولِ العربونِ وقوعَ ضررٍ على البائعِ.

الوجهُ الثالثُ:

ولأنَّ الأجلَ لهُ قيمةٌ في الشرعِ خاصةً في البيوعِ، وإن لم يكن لهُ قيمةٌ في القروضِ، فإذا أجلَّهُ تسليمَ المبيعِ هل يكونُ هذا والحالُ قيمتُهما واحدةٌ؟ فإذا كانت قيمةُ الحالِّ أقلَّ من قيمةِ المؤجَّلِ، فلماذا لا يتحملُ العقوبةَ في مقابلِ التأجيلِ؟

الوجهُ الرابعُ:

العاقدُ عندما اشترطَ الشرطَ الجزائيَّ أرادَ بذلك أن يتجنبَ اللجوءَ إلى القضاءِ من أجلِ تقديرِ التعويضِ المترتبِ على الأضرارِ الناشئةِ عن التأخيرِ، وأرادَ أن يوفرَ الجهدَ والمالَ في تجنبِ الإجراءاتِ القضائيةِ الطويلةِ والباهظةِ التكاليفِ، وأرادَ أيضاً أن يتجنبَ عبءَ إثباتِ الضررِ الذي يصيبُهُ عند إخلالِ المدينِ بالتزامِهِ، وإذا كان الأمرُ بمقدارِ الضررِ دخلَ العاقدانِ في نزاعِ ثبوتِ هذهِ الأضرارِ، وفي تقديرِها.

وقد وردَ في البحثِ الْمُعَدِّ للجنةِ الدائمةِ للبحوثِ العلميةِ والإفتاءِ لهيئةِ كبارِ العلماءِ بالمملكةِ العربيةِ السعوديةِ ما يلي:.

«يمكنُ أن يُقَالَ بأنَّ الشرطَ الجزائيَّ يشبهُ بيعَ العربونِ في أنَّ كلاً منهما شرطٌ يوجبُ على من أخلَّ بالشرطِ عقوبةً ماليةً يجري تعيينُها قبلَ حصولِ ذلك».

وهذا نصٌّ على أنَّ الشرطَ الجزائيَّ عقوبةٌ ماليةٌ على من أخلَّ بالشرطِ، واللهُ أعلمُ.

وهذا القولُ هو الذي أميلُ إليهِ؛ بشرطينِ:.

الشرطُ الأولُ:

ألا يكونَ المبلغُ في الشرطِ الجزائيِّ مبالغاً فيهِ.

فلا يجوزُ أن يكونَ الشرطُ الجزائيُّ يأتي على ربحِ المقاولِ كلِّهِ، فضلاً أن يحملَهُ خسائرَ، فهذه العقوبةُ الماليةُ إنما تقللُ من ربحِهِ فقط، بحيثُ لا يتجاوزُ بهِ ثلثَ الربحِ، أو عشرةً بالمائةِ من مقدارِ العقدِ، لأنَّ الشرطَ الجزائيَّ يجبُ أن يكونَ قائماً على العدلِ، بحيثُ لا يأتي على نصيبِ المقاولِ كلِّهِ فيكونُ عملُهُ بلا مقابلٍ، فهذا من الظلمِ الذي لا تقرُّهُ الشريعةُ، بل يجبُ أن يكونَ متوازناً، فإذا كان المبلغُ في الشرطِ الجزائيِّ مبالغاً فيهِ حُمِلَ ذلك على أنَّ مرادَ العاقدِ هو التهديدُ وحملُ المقاولِ على التنفيذِ، ويسقطُ الشرطُ الجزائيُّ إلا أن يكونَ هناك ضررٌ فيُقَدَّرَ بقدرِهِ؛ لأنَّ الضررَ مدفوعٌ.

الشرطُ الثاني:

ألا يكونَ الشرطُ الجزائيُّ قد نَصَّ على أنَّ استحقاقَهُ في مقابلِ التعويضِ عن الأضرارِ.

فإنَّ هذا ظاهرٌ بأنَّ العاقدينِ قد اجتهدا في تقديرِ الضررِ وقتَ العقدِ عندما قدرا الشرطَ الجزائيَّ، وقد يكونُ الضررُ أكثرَ، أو أقلَّ، ولكن لو كان الشرطُ الجزائيُّ لم يَنُصَّ على أنهُ تعويضٌ في مقابلِ الأضرارِ، وإنما كان النصُّ على أنهُ في مقابلِ التأخيرِ.

فالذي أراهُ أنهُ يجبُ الالتزامُ بـالشرطِ الجزائيِّ بغضِّ النظرِ عن قيمةِ الضررِ الواقعِ من التأخيرِ، لاعتباراتٍ كثيرةٍ منها ما تقدمَ، ومنها:.

أنهُ شرطٌ مُعَلَّقٌ على التأخيرِ، وليس مُعَلَّقاً على الضررِ، فإذا عُلِّقَ الشرطُ على التأخيرِ اُسْتُحِقَّ بحصولِ التأخيرِ، ولو لم يكن هناك ضررٌ.

ومنها: أنَّ هذا القولَ هو الذي يتفقُ مع حقِّ العاقدينِ في اشتراطِ الشروطِ، فلا ينبغي تقييدُ حريتِهما والحدُّ منها إلا فيما يخالفُ نصّاً شرعياً كما لو كان يلزمُ من الشرطِ الوقوعُ في الربا أو في الغررِ، أو لزمَ منهُ مخالفةُ مقتضى العقدِ، وهذا ليس منها، كلُّ ما هنالك أنهُ قد يلحقُ المقاولَ من جراءِ الشرطِ بعضُ الغبنِ؛ وهذا ليس كافياً في تعليقِ العقدِ بالضررِ؛ لأنَّ جماهيرَ الفقهاءِ على جوازِ الغبنِ لمن دخلَ على بصيرةٍ.

قال القرطبيُّ:
«الجمهورُ على جوازِ الغبنِ في التجارةِ، مثلَ أن يبيعَ رجلٌ ياقوتةً بدرهمٍ، وهي تساوي مائةً، فذلك جائزٌ، وأنَّ المالكَ الصحيحَ الملكِ، جائزٌ لهُ أن يبيعَ مالَهُ الكثيرَ، بالتافهِ اليسيرِ، وهذا ما لا اختلافَ فيهِ بين العلماءِ إذا عُرِفَ قدرُ ذلك، كما تجوزُ الهبةُ، واختلفوا فيهِ إذا لم يُعْرَفْ قدرُ ذلك…» [13].]

– ومنها: أنَّ المبلغَ المتفقَ عليهِ كشرطٍ جزائيٍّ:.

إما أن يكونَ في مقابلِ التأخيرِ، ولو لم يكن هناك ضررٌ.

وإما أن يكونَ في مقابلِ دفعِ الضررِ:.

فإن كان في مقابلِ التأخيرِ:

فـيجوزُ أن يأخذَ الشرطَ الجزائيَّ ولو ولم يكن هناك ضررٌ: لأنَّ الأجلَ لهُ قيمةٌ في العقدِ، فالسلعةُ قيمتُها مؤجَّلةٌ تختلفُ عن السلعةِ قيمتُها حَالَّةٌ، وهذا أمرٌ معلومٌ فإنَّ قيمةَ العقدِ إذا اُشْتُرِطَ على المقاولِ ونحوِهِ أن يكونَ إنجازُهُ خلالَ عامٍ تختلفُ قيمتُهُ عندما يكونُ العقدُ مدةُ إنجازِهِ خلالَ عامينِ أو ثلاثةٍ، ولو لم يكن في مقابلِ التأخيرِ وقوعُ ضررٍ، أو فواتُ منفعةٍ.

وإن كان الشرطُ الجزائيُّ في مقابلِ الضررِ:

فإما أن يكونَ الشرطُ الجزائيُّ: أكثرَ من الضررِ، أو مساوياً لهُ، أو أقلَّ منهُ.
ففي حالِ كان المبلغُ المتفقُ عليهِ مساوياً للضررِ الواقعِ:

فلا إشكالَ.

وأما في حالِ كان المبلغُ المتفقُ عليهِ أقلَّ من الضررِ الواقعِ:

فإنهُ يدخلُ في جوازِ أن يتنازلَ الإنسانُ عن بعضِ حقِّهِ ابتداءً، فـيجوزُ إذا كان ذلك بشرطٍ من بابِ أَوْلَى.

وإما إذا كان المبلغُ المتفقُ عليهِ أكثرَ من الضررِ الواقعِ، ولم يكن المبلغُ فاحشاً بحيثُ يذهبُ بالربحِ كلِّهِ – بحيثُ لا يجعلُ الشرطُ الجزائيُّ عملَ المقاولِ والموردِ والصانعِ مجاناً بدونِ مقابلٍ – وكان ذلك باتفاقٍ مسبقٍ بين العاقدينِ:

فما الحرجُ في دفعِهِ؟ فإنَّ العربونَ يُدْفَعُ، ولو لم يكن هناك ضررٌ أصلاً، أو كان هناك ضررٌ ولكن ليس بقدرِ العربونِ، ويكونُ هذا من بابِ الغراميةِ الماليةِ بسببِ التأخيرِ.

وهذا ما يجري عليهِ العملُ في العقودِ، فإنكَ تجدُ أنَّ العقودَ تنصُّ على أنَّ التأخيرَ في الشهرِ الأولِ تختلفُ غرامتُهُ عن الشهرِ الثاني، فيجعلونَ الجزاءَ تصاعدياً، فالشهرُ الأولُ أو اليومُ الأولُ: غرامتُهُ مثلاً 1% من قيمةِ العقدِ، واليومُ الثاني أو الشهرُ الثاني غرامتُهُ بقدرِ 1.5%، وفي اليومِ الثالثِ: 2%، وهكذا مما يدلُّ على أنَّ الشرطَ هنا غرامةٌ، وليس تعويضاً عن أضرارٍ، واللهُ أعلمُ.

وهذا القولُ يتفقُ مع ما جاءَ في نظامِ المناقصاتِ والمزايداتِ السعوديةِ، فقد جاءَ فيها ما يلي:.

«إذا تأخرَ المقاولُ عن إتمامِ العملِ وتسليمِهِ كاملاً في المواعيدِ المحددةِ، ولم ترَ اللجنةُ صاحبةُ المقاولةِ داعياً لسحبِ العملِ منهُ تُوقَعُ عليهِ غرامةٌ عن المدةِ التي يتأخرُ فيها إكمالُ العملِ بعدَ الميعادِ المحددِ للتسليمِ إلى أن يتمَّ الاستلامُ المؤقتُ دونَ حاجةٍ إلى تنبيهٍ للمقاولِ، ويكونُ توقيعُ الغرامةِ على المقاولِ كما يلي:.

1% عن الأسبوعِ الأولِ.

1.5 % عن الأسبوعِ الثاني.

2% عن الأسبوعِ الثالثِ.

2.5 % عما زادَ عن ثلاثةِ أسابيعَ.

3% عن أيِّ مدةٍ تزيدُ عن أربعةِ أسابيعَ [14].

الفرعُ الثالثُ: إذا كان الشرطُ الجزائيُّ تعويضاً عن الضررِ، فما نوعُ الضررِ الذي يستحقُّ عليهِ التعويضَ؟

الأضرارُ تنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:.

الأولُ: الضررُ الناتجُ عن تلفِ المالِ، أو نقصِ قيمتِهِ بفعلٍ ضارٍّ.

الثاني: الضررُ الناتجُ عن فواتِ المنافعِ والمكاسبِ المؤكدةِ.

الثالثُ: الضررُ الأدبيُّ والمعنويُّ كالضررِ الذي يلحقُ الإنسانَ بسببِ الاعتداءِ على حريتِهِ، أو في عرضِهِ، أو في سمعتِهِ، أو في مركزِهِ الاجتماعيِّ، أو اعتبارِهِ الماليِّ.

أما الضررُ الذي يكونُ بتلفِ المالِ:.

فلا خلافَ بين الفقهاءِ في وجوبِ التعويضِ عنهُ.

وأما التعويضُ عما فاتَ الإنسانَ من مكاسبَ مؤكدةٍ:.

فاختلفَ العلماءُ المعاصِرونَ في ذلك على قولينِ:.

القولُ الأولُ:
أنَّ ذلك يوجبُ التعويضَ، وبهذا صدرَ قرارُ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ التابعِ لمنظمةِ المؤتمرِ الإسلاميِّ، وقرارُ هيئةِ كبارِ العلماءِ.

يقولُ نصُّ قرارِ المجمعِ الفقهيِّ:
«الضررُ الذي يجوزُ التعويضُ عنهُ يشملُ الضررَ الماليَّ الفعليَّ، وما لحقَ المضرورَ من خسارةٍ حقيقيةٍ، وما فاتَهُ من كسبٍ مؤكدٍ، ولا يشملُ الضررَ الأدبيَّ أو المعنويَّ»[15].

كما نَصَّ قرارُ هيئةِ كبارِ العلماءِ الرسميينَ في المملكةِ العربيةِ السعوديةِ على جوازِ التعويضِ عما فاتَ من منفعةٍ أو لحقَهُ من ضررٍ[16].

القولُ الثاني:
خالفَ الشيخُ عليٌّ الخفيفُ رحمهُ اللهُ فلم يَرَ التعويضَ عما فاتَ الإنسانَ من المكاسبِ، وقَصَرَ التعويضَ في مقابلةِ إتلافِ المالِ خاصةً.

يقولُ الشيخُ عليٌّ الخفيفُ رحمهُ اللهُ:
«إنَّ عدمَ قيامِ الملتزمِ بالتزامِهِ يستلزمُ شرعاً إلزامَهُ وإجبارَهُ عليهِ، فإن امتنعَ كان امتناعُهُ معصيةً يستحقُّ عليها التعزيزَ إلى أن يمتثلَ، أما إلزامُهُ بمالٍ على وجهِ التعويضِ عما أحدثَهُ بامتناعِهِ من ضررٍ، لا يتمثلُ في فقدِ مالٍ، فلا تبيحُهُ القواعدُ الفقهيةُ والأصولُ الشرعيةُ التي تقضي: بأنَّ أخذَ المالِ لا يكونُ إلا تبرعاً، أو في مقابلةِ مالٍ أُخِذَ أو أُتْلِفَ، وإلا كان أكلاً لهُ بالباطلِ، وعلى ذلك يكونُ أخذُهُ تعويضاً عن ضررٍ، ولم يترتبْ عليهِ تلفٌ لمالِ غيرٍ جائزٍ شرعاً؛ لأنَّ أساسَ التعويضِ في نظرِ الفقهاءِ هو مقابلةُ المالِ بالمالِ، فإذا قُوبِلَ المالُ بغيرِ مالٍ كان أكلاً للمالِ بالباطلِ»[17].

ويقولُ أيضاً:
«إنَّ وجوبَ التضمينِ بالمالِ إنما يكونُ في ضررٍ ماليٍّ أصابَ المضرورَ، وذلك بتلفِ بعضِ مالِهِ، أو نقصِ قيمتِهِ بفعلٍ ضارٍّ، أما الضررُ الذي لا يتمثلُ في فقدِ مالٍ كان قائماً، فلا يرى الفقهاءُ فيهِ تعويضاً»[18].

ولعلَّ الشيخَ أخذَ بهذا المذهبِ بناءً على رأيِ الحنفيةِ الذي يذهبُ إلى أنَّ المنافعَ لا تُعَدُّ من الأموالِ، وقد حررتُ مذهبَهم في المجلدِ الأولِ من الموسوعةِ، وذكرتُ أدلتَهم والجوابَ عنها، ورجحتُ في ذلك مذهبَ الجمهورِ الذي يذهبُ إلى اعتبارِ المنافعِ من الأموالِ، وهو المتعينُ.

وأما التعويضُ عن الضررِ الأدبيِّ:
فإنَّ الفقهاءَ المتقدمينَ لم يتكلموا عليهِ بالاسمِ، ولا يرى الفقهاءُ المعاصِرونَ التعويضَ عنهُ بالمالِ، وإنما يُكْتَفَى بالتعزيرِ للمعتدي بما يردعُهُ من الاعتداءِ على الآخرينَ.

يقولُ الشيخُ الزرقاءُ رحمهُ اللهُ:
«الحكمُ بالتعويضِ الماليِّ عن الضررِ الأدبيِّ حكمٌ مستحدثٌ، ليس لهُ نظائرُ في الفقهِ الإسلاميِّ… والأسلوبُ الذي اتبعتْهُ الشريعةُ في معالجةِ الإضرارِ الأدبيِّ إنما هو التعزيرُ الزاجرُ، وليس التعويضَ الماليَّ، إذ لا تُعَدُّ الشريعةُ شرفَ الإنسانِ وسمعتَهُ مالاً متقوَّماً يُعَوَّضُ بمالٍ آخرَ إذا اُعْتُدِيَ عليهِ… وخلاصةُ القولِ إننا لا نرى مبرراً استصلاحياً لمعالجةِ الإضرارِ الأدبيِّ بالتعويضِ الماليِّ ما دامتِ الشريعةُ قد فتحت مجالاً واسعاً لقمعِهِ بالزواجرِ التعزيريةِ»[19].

وأما القوانينُ العربيةُ:
فقد أخذت بمبدأِ التعويضِ عن جميعِ الأضرارِ الثلاثةِ: الضررِ الماليِّ، والأدبيِّ، وما فاتَهُ من كسبٍ.

فقد نَصَّتِ المادةُ (267) مدنيٌّ من القانونِ الأردنيِّ على وجوبِ التعويضِ عن الضررِ الأدبيِّ، تقولُ المادةُ:
«يتناولُ حقُّ الضمانِ الضررَ الأدبيَّ كذلك، فكلُّ تَعدٍّ على الغيرِ في حريتِهِ، أو في عرضِهِ، أو في شرفِهِ، أو في سمعتِهِ، أو في مركزِهِ الاجتماعيِّ، أو في اعتبارِهِ الماليِّ يجعلُ المتعديَ مسئولاً عن الضمانِ»[20].

وهذا النصُّ موافقٌ لقانونِ المعاملاتِ المدنيةِ السودانيةِ لسنةِ 1984 [21].

كما نَصَّ القانونُ المدنيُّ المصريُّ على التعويضِ عن الأضرارِ الأدبيةِ، وما فاتَ الدائنَ من كسبٍ[22].

الراجحُ:

أرى أنَّ ما ذهبَ إليهِ مجمعُ الفقهِ الإسلاميِّ، وهيئةُ كبارِ العلماءِ في السعوديةِ هو الراجحُ ما دامَ أنهُ لم يوجدْ قولٌ في الفقهِ الإسلاميِّ يمكنُ لنا أن نعتمدَهُ في التعويضِ عن الأضرارِ الأدبيةِ، فإن وُجِدَ قولٌ فقهيٌّ باعتبارِهِ فإنَّ القولَ باعتبارِهِ متجهٌ، واللهُ أعلمُ.

الفرعُ الرابعُ: حكمُ العقدِ إذا تضمنَ شرطاً جزائياً

الشرطُ الجزائيُّ بهذا المصطلحِ حديثُ النشأةِ، وإن وُجِدَ كلامٌ لبعضِ الفقهاءِ المتقدمينَ في بعضِ صورِهِ، كما سيأتي نقلُهُ إن شاءَ اللهُ تعالى، وإذا كان الشأنُ كذلك فسوف يكونُ بحثُنا فيهِ من خلالِ كلامِ العلماءِ المعاصرينَ، كالمجامعِ الفقهيةِ، ومراكزِ البحوثِ الفقهيةِ، والنظرِ إلى قواعدِ ومذاهبِ الأئمةِ في الشروطِ، وهل مثلُ هذا الشرطِ يتمشى مع قواعدِ تلك المذاهبِ في الشروطِ الجعليةِ، والقياسِ عليها أو لا.

هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى فإنَّ الشرطَ الجزائيَّ متعددُ الصورِ، منها ما يكونُ ممنوعاً باتفاقٍ، ومنها ما يكونُ جائزاً عند كثيرٍ من العلماءِ المعاصرينَ، لذا سوف نبحثُ هذهِ الصورَ المتعددةَ صورةً صورةً.

المسألةُ الأولى: الشرطُ الجزائيُّ في مقابلِ التأخيرِ عن تنفيذِ الأعمالِ

محلُّ الالتزامِ بين المتعاقدينِ تارةً يكونُ عملاً من الأعمالِ، وتارةً يكونُ دَيْناً من الديونِ بسببِ بيعٍ أو قرضٍ.

وقد يكونُ العقدُ الواحدُ ذا وجهينِ كعقدِ الاستصناعِ، فهو من جهةِ المستصنِعِ يكونُ التزامُهُ ديناً (مبلغاً من النقودِ) ومن جهةِ الصانعِ يكونُ التزامُهُ عملاً، والكلامُ في هذا المبحثِ في حكمِ الشرطِ الجزائيِّ إذا كان محلُّ الالتزامِ عملاً من الأعمالِ.

مثالُهُ: أن يلتزمَ المقاولُ أو الموردُ أو الصانعُ في عقودِ المقاولةِ أو التوريدِ أو الاستصناعِ أن يدفعَ مبلغاً معيناً عن كلِّ يومٍ، أو عن كلِّ أسبوعٍ، أو عن كلِّ مدةٍ أخرى من الزمنِ يتأخرُ فيها المقاولُ أو الموردُ أو الصانعُ عن تسليمِ العملِ المعهودِ إليهِ إنجازُهُ.

مثالٌ آخرُ: أن يشترطَ المؤجرُ للأرضِ الزراعيةِ أن تُسَلَّمَ الأرضُ إليهِ خاليةً من الزراعةِ عند انتهاءِ مدةِ الإجارةِ، فإذا أخلَّ المستأجرُ بهذا الشرطِ فإنهُ يلتزمُ بدفعِ مبلغٍ معينٍ لصاحبِ الأرضِ.

فما حكمُ اشتراطِ مثلِ هذا الشرطِ إذا تضمنَهُ العقدُ؟

نستطيعُ أن نقولَ: إنَّ هذا الشرطَ يرجعُ إلى مسألةٍ متقدمةٍ، وهو هل الأصلُ في الشروطِ المنعُ والبطلانُ، أو الأصلُ الصحةُ والجوازُ.

ففي المسألةِ قولانِ:.

الأولُ:
يرى أنَّ الأصلَ في الشروطِ المنعُ والبطلانُ، حتى يقومَ دليلٌ على جوازِهِ وصحتِهِ، ومثلُ هذا المذهبِ لا يجيزُ مثلَ هذا الشرطِ جزماً، ومن هؤلاءِ ابنُ حزمٍ رحمهُ اللهُ[23].

ويستدلُّ بأدلةٍ كثيرةٍ سبقَ ذكرُها والجوابُ عنها فيما تقدمَ، من أهمِّها:.

ما رواهُ البخاريُّ من طريقِ هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ -رضيَ اللهُ عنها- في قصةِ شراءِ بريرةَ، وفي الحديثِ:.

«قام رسولُ اللهِ ﷺ في الناسِ، فحمدَ اللهَ، وأثنى عليهِ، ثم قال: ما بالُ رجالٍ يشترطونَ شروطاً ليست في كتابِ اللهِ، ما كان من شرطٍ ليس في كتابِ اللهِ فهو باطلٌ، وإن كان مائةَ شرطٍ، قضاءُ اللهِ أحقُّ، وشرطُ اللهِ أوثقُ..» [24].

قال ابنُ حزمٍ:
«فهذهِ الأخبارُ براهينُ قاطعةٌ في إبطالِ كلِّ عهدٍ، وكلِّ عقدٍ، وكلِّ وعدٍ، وكلِّ شرطٍ ليس في كتابِ اللهِ الأمرُ بهِ، أو النصُّ على إباحةِ عقدِهِ؛ لأنَّ العقودَ والعهودَ والأوعادَ شروطٌ، واسمُ الشرطِ يقعُ على جميعِ ذلك [25]

وقِيلَ:
الأصلُ في الشروطِ الصحةُ والجوازُ حتى يقومَ دليلٌ شرعيٌّ على المنعِ والبطلانِ، وهذا يذهبُ إليهِ ابنُ تيميةَ وابنُ القيمِ من الحنابلةِ[26]، ومثلُ هؤلاءِ يمكنُ لهم أن يذهبوا إلى جوازِ الشرطِ الجزائيِّ.

وإذا أردنا أن نعرفَ حكمَ الشرطِ الجزائيِّ بالنظرِ إلى قواعدِ كلِّ مذهبٍ وموقفِهِ من الشروطِ الجعليةِ.

فيمكنُ القولُ بأنَّ مذهبَ الحنفيةِ والشافعيةِ لا يقولونَ بصحةِ الشرطِ الجزائيِّ؛ لأنَّ الأصلَ في مذهبِهم النهيُ عن بيعٍ وشرطٍ، ويروون حديثاً ضعيفاً بهذا اللفظِ، وقد سبقَ تخريجُهُ.

فـالشافعيةُ لا يستثنونَ من هذا إلا الشروطَ التي يقتضيها العقدُ، مثلَ التسليمِ، والانتفاعِ، والشروطَ التي فيها مصلحةٌ للعقدِ كالرهنِ والتأجيلِ والكفيلِ، والخيارِ، ويُلْحَقُ بهِ إذا باعَهُ بشرطِ العتقِ.

وما سوى ذلك من الشروطِ فهي باطلةٌ عندهم. ويدخلُ في ذلك الشرطُ الجزائيُّ، إذا اعتبرنا أنَّ الشرطَ الجزائيَّ لا يقتضيهِ العقدُ، وليس بمنزلةِ الرهنِ والضمانِ، والأجلِ.

يقولُ الغزاليُّ:
«الثامنُ (نهى عن بيعٍ وشرطٍ) فاقتضى مطلقُهُ امتناعَ كلِّ شرطٍ في البيعِ، والمفهومُ من تعليلِهِ أنهُ إذا انضمَّ شرطٌ إلى البيعِ بقيت معهُ علقةٌ بعدَ العقدِ، يُتَصَوَّرُ بسببِها منازعةٌ، ويفوتُ بفواتِها مقصودُ العاقدِ، وينعكسُ على أصلِ العقدِ، فيحسمُ البابُ، ولم يكن محذورُ هذا النهيِ منفصلاً عن العقدِ، فيدلُّ على فسادِهِ أو فسادِ الشرطِ لا محالةَ… ثم ذكرَ ما يُسْتَثْنَى من حديثِ النهيِ عن بيعٍ وشرطٍ»[27].

ويقولُ الشيرازيُّ:
«إذا شرطَ في المبيعِ شرطاً نظرتَ:.

فإن كان شرطاً يقتضيهِ البيعُ، كالتسليمِ، والردِّ بالعيبِ، وما أشبههما لم يبطلِ العقدُ؛ لأنَّ شرطَ ذلك بيانٌ لما يقتضيهِ العقدُ، فلم يبطلْهُ.

فإن شرطَ ما لا يقتضيهِ العقدُ، ولكن فيهِ مصلحةٌ: كالخيارِ، والأجلِ، والرهنِ، والضمينِ، لم يبطلِ العقدُ؛ لأنَّ الشرعَ وردَ بذلك على ما نبيِّنُهُ في مواضعِهِ إن شاءَ اللهُ، ولأنَّ الحاجةَ تدعو إليهِ، فلم يفسدِ العقدُ، فإن شرطَ عتقَ العبدِ المبيعِ، لم يفسدِ العقدُ؛ لأنَّ عائشةَ -رضيَ اللهُ عنها- اشترتْ بريرةَ لتعتقَها…… فإن شرطَ ما سوى ذلك من الشروطِ التي تنافي مقتضى البيعِ، بأن باعَ عبداً بشرطِ ألا يبيعَهُ، أو لا يعتقَهُ، أو باعَ داراً بشرطِ أن يسكنَها مدةً، أو ثوباً بشرطِ أن يخيطَهُ لهُ، أو نعلةً بشرطِ أن يحذوَها لهُ، بطلَ البيعُ، لما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنهُ «نهى عن بيعٍ وشرطٍ»…» [28].

ولا يختلفُ مذهبُ الحنفيةِ عن مذهبِ الشافعيةِ في بطلانِ الشرطِ في البيعِ؛ لأنهم يذهبونَ مع الشافعيةِ إلى اعتمادِ ما يُرْوَى عن النبيِّ ﷺ من «النهيِ عن بيعٍ وشرطٍ»، إلا أنَّ الحنفيةَ يختلفونَ عن الشافعيةِ في تقديمِ الشرطِ الذي جرى بهِ العرفُ، وكان عليهِ عملُ الناسِ، ويقدمونَهُ على القياسِ، فإذا جرى العرفُ على اعتبارِ الشرطِ الجزائيِّ في العقودِ، وجرى التعاملُ بهِ بين الناسِ أمكنَ للمذهبِ الحنفيِّ أن يتسعَ لقبولِ القولِ بـالشرطِ الجزائيِّ استحساناً وإن كان على خلافِ القياسِ عندهم. وهذه مرونةٌ في المذهبِ يختلفُ فيها عن المذهبِ الشافعيِّ.

فقد ذكرَ الكاسانيُّ:
أنَّ الشرطَ الذي لا يقتضيهِ العقدُ، وليس بملائمٍ لهُ، ولكن للناسِ فيهِ تعاملٌ، وفيهِ عرفٌ ظاهرٌ أنَّ هذا الشرطَ فاسدٌ بالقياسِ عندهم، ولكنهم يقولونَ بـجوازِهِ استحساناً؛ لأنَّ العرفَ يقضي على القياسِ، ويسقطُ القياسُ بتعاملِ الناسِ كما سقطَ في الاستصناعِ[29].

ولو أنَّ مذهبَ الحنفيةِ جعلوا عملَ الصحابةِ يُسْقِطُ القياسَ لكان هذا جيداً، أما عملُ الناسِ من غيرِ الصحابةِ فليس بحجةٍ، وقد يتعاملُ الناسُ بما يخالفُ نصّاً شرعياً، أيكونُ ذلك حجةً على أحدٍ؟

وأما مذهبُ المالكيةِ فإنَّ الباحثَ لا يستطيعُ أن يخرجَ بقاعدةٍ من تعاملِهم مع الشروطِ يمكنُهُ أن يتلمسَ صحةَ هذا الشرطِ أو بطلانَهُ عندهم، وهذا ما عَبَّرَ عنهُ ابنُ رشدٍ الحفيدُ، حيثُ يقولُ في «بدايةِ المجتهدِ»:
«وأما مالكٌ فالشروطُ عندهُ تنقسمُ ثلاثةَ أقسامٍ: شروطٌ تبطلُ هي والبيعُ معاً. وشروطٌ تجوزُ هي والبيعُ معاً. وشروطٌ تبطلُ هي، ويثبتُ البيعُ. وقد يُظَنُّ أنَّ عندهُ قسماً رابعاً: وهو أنَّ من الشروطِ ما إن يُمْسِكِ المشترطُ بشرطِهِ بطلَ البيعُ، وإن تركَهُ جازَ البيعُ، وإعطاءُ فروقٍ بَيِّنَةٍ في مذهبِهِ بين هذه الأصنافِ الأربعةِ عسيرٌ، وقد رامَ ذلك كثيرٌ من الفقهاءِ، وإنما هي راجعةٌ إلى كثرةِ ما يتضمنُ الشروطَ من صنفيِّ الفسادِ الذي يخلُّ بصحةِ البيوعِ: وهما الربا والغررُ، وإلى قلتِهِ، وإلى التوسطِ بين ذلك، أو إلى ما يفيدُ نقصاً في الملكِ، فما كان دخولُ هذه الأشياءِ كثيراً من قِبَلِ الشرطِ أبطلَهُ، وأبطلَ الشرطَ، وما كان قليلاً أجازَهُ، وأجازَ الشرطَ فيها، وما كان متوسطاً أبطلَ الشرطَ، وأجازَ البيعَ…» [30].

ويُفْهَمُ من كلامِ ابنِ رشدٍ أنَّ يسيرَ الربا يجوزُ كما يجوزُ يسيرُ الغررِ، والحقُّ أنَّ يسيرَ الربا مُحَرَّمٌ، ويسيرَ الغررِ جائزٌ بالإجماعِ.

وأما مذهبُ الحنابلةِ فهم أوسعُ المذاهبِ في الشروطِ، ويمكنُ تخريجُ صحةِ الشرطِ الجزائيِّ على قواعدِ المذهبِ، واللهُ أعلمُ.

هذا ما ظهرَ لي من خلالِ تقسيمِ الشروطِ في كلِّ مذهبٍ ما يصحُّ منها، وما لا يصحُّ.

وقد خالفني في هذا بعضُ الفضلاءِ، فرأى أنَّ الشرطَ الجزائيَّ مشروعٌ وصحيحٌ عند سائرِ أئمةِ المذاهبِ، يقولُ الشيخُ الدكتورُ ناجي شفيقِ عجمٍ، من جامعةِ الملكِ عبدِ العزيزِ:
«الشرطُ الجزائيُّ شرطٌ جائزٌ، ومشروعٌ حتى إنهُ صحيحٌ عند المذاهبِ؛ لأنهُ شرطٌ مقترنٌ بالعقدِ جرى بهِ العرفُ، وفيهِ مصلحةٌ للعقدِ، وهو شرطٌ ملائمٌ للعقدِ، ولذلك فهو صحيحٌ عند الحنفيةِ لجريانِ العرفِ بهِ، وصحيحٌ عند الشافعيةِ؛ لأنَّ فيهِ مصلحةً للعقدِ، وصحيحٌ عند المالكيةِ لأنَّ فيهِ مصلحةً للعقدِ، ولأنهُ شرطٌ ملائمٌ لم يَرِدْ بـإلغائِهِ وتحريمِهِ أو جوازِهِ نصٌّ خاصٌّ، فهو ملائمٌ مرسلٌ، وهو جائزٌ وصحيحٌ من بابِ أَوْلَى عند الحنابلةِ الذين لا يُحَرِّمُونَ إلا الشروطَ التي وردَ بـتحريمِها نصٌّ، أو التي تنافي مقتضى العقدِ»[31].

وإذا عرفتَ حكمَ الشرطِ الجزائيِّ بالنظرِ إلى قواعدِ كلِّ مذهبٍ وموقفِهِ من الشروطِ الجعليةِ، نأتي إلى خلافِ المعاصرينَ في حكمِ الشرطِ الجزائيِّ، فقد اختلفوا فيهِ على قولينِ:

القولُ الأولُ:
جوازُ اشتراطِ مثلِ هذا الشرطِ.

ذهبَ إليهِ أعضاءُ هيئةِ كبارِ العلماءِ بالسعوديةِ[32]، وبهِ صدرَ قرارُ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ التابعِ لمنظمةِ المؤتمرِ الإسلاميِّ[33].

وقد استدلوا بأدلةٍ عامةٍ وخاصةٍ:.

أما الأدلةُ العامةُ التي يُسْتَدَلُّ بها فهي كلُّ دليلٍ يمكنُ أن يُسْتَدَلَّ بهِ على أنَّ الأصلَ في الشروطِ الصحةُ والجوازُ حتى يأتيَ دليلٌ يدلُّ على المنعِ والبطلانِ، وهذه كثيرةٌ منها:.

الدليلُ الأولُ:

قولُهُ تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [ المائدة:1].

وقال تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ﴾ [ النحل:91].

وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ [ المعارج:32].

الدليلُ الثاني:

ما ذكرَهُ العلماءُ من أنَّ الأمورَ قسمانِ: عباداتٌ ومعاملاتٌ، فالعباداتُ الأصلُ فيها التحريمُ؛ لأنَّ التعبُّدَ لا بدَّ فيهِ من الإذنِ الشرعيِّ على فعلِهِ، ولهذا ذمَّ اللهُ سبحانهُ وتعالى المشركينَ الذين شرعوا لهم ديناً من قِبَلِ أنفسِهم، فقال: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [ الشورى:21].

وأما المعاملاتُ فالأصلُ فيها الحلُّ، حتى يأتيَ دليلٌ شرعيٌّ يمنعُ من ذلك لقولِهِ تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾ [ البقرة:275] فالبيعُ مطلقٌ يشملُ كلَّ بيعٍ إلا ما دلَّ الدليلُ الخاصُّ على تحريمِهِ.

وقولُهُ تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [ النساء:29]. فلم يشترطْ إلا مجردَ الرضا.

فإذا كانت العقودُ والشروطُ من بابِ الأفعالِ العاديةِ فالأصلُ فيها عدمُ التحريمِ، فيُسْتَصْحَبُ عدمُ التحريمِ فيها حتى يدلَّ دليلٌ على التحريمِ كما أنَّ الأعيانَ الأصلُ فيها عدمُ التحريمِ وقولُهُ تعالى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ [ الأنعام: 119] عامٌّ في الأعيانِ والأفعالِ وإذا لم تكن حراماً لم تكن فاسدةً; لأنَّ الفسادَ إنما ينشأُ من التحريمِ وإذا لم تكن فاسدةً كانت صحيحةً وأيضاً فليس في الشرعِ ما يدلُّ على تحريمِ جنسِ العقودِ والشروطِ إلا ما ثبتَ تحريمُهُ بعينِهِ[34].

الدليلُ الثالثُ:

(ح-391) ما رواهُ الترمذيُّ من طريقِ كثيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمروِ بنِ عوفٍ المزنيِّ، عن أبيهِ.

عن جدِّهِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «الصلحُ جائزٌ بين المسلمينَ إلا صلحاً حَرَّمَ حلالاً أو أَحَلَّ حراماً والمسلمونَ على شروطِهم إلا شرطاً حَرَّمَ حلالاً أو أَحَلَّ حراماً».

قال أبو عيسى:
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ[35].

[ ضعيفٌ ] [36].

وأُجِيبَ بجوابينِ:

الأولُ: أنَّ الحديثَ ضعيفٌ، فلا يصحُّ الاحتجاجُ بهِ.

ورُدَّ هذا الجوابُ:
بأنهُ وإن كان ضعيفاً في نفسِهِ، فإنَّ لهُ طرقاً يتقوى بها، وممن رأى هذا الرأيَ ابنُ تيميةَ[37].

والصحيحُ أنهُ لا حجةَ فيهِ،

وتكفي الأدلةُ السابقةُ للاحتجاجِ على أنَّ العقودَ والشروطَ الأصلُ فيها الحلُّ إلا ما خالفَ الشرعَ أو خالفَ مقتضى العقدِ كما سبقَ لنا عند الكلامِ على الشروطِ الصحيحةِ.

وهناك أدلةٌ أخرى ذكرناها في مبحثٍ خاصٍّ، وهو هل الأصلُ في الشروطِ الصحةُ والجوازُ في أولِ مباحثِ كتابِ الشروطِ؟ فأغنى عن إعادتِها هنا.

وأما الأدلةُ الخاصةُ على صحةِ اشتراطِ الشرطِ الجزائيِّ، فكثيرةٌ منها:.

الدليلُ الأولُ:

روى عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، قال: اخْتُصِمَ إلى شريحٍ في رجلٍ اكترى من رجلٍ ظهرَهُ، فقال: إن لم أخرجْ يومَ كذا وكذا، فلكَ زيادةُ كذا وكذا، فلم يخرجْ يومئذٍ، وحبسَهُ.

فقال شريحٌ:
«من شرطَ على نفسِهِ شرطاً طائعاً غيرَ مُكْرَهٍ، أجزناهُ عليهِ»[38].

[ إسنادُهُ صحيحٌ ].

قال الشيخُ الزرقاءُ رحمهُ اللهُ:
«وهذا النوعُ من الاشتراطِ المرويِّ عن القاضي شريحٍ في ضمانِ التعويضِ عن التعطُّلِ والانتظارِ ما يُسَمَّى في الفقهِ الأجنبيِّ الحديثِ: الشرطَ الجزائيَّ»[39].

وعندي أنَّ هذا من بيعِ العربونِ، وليس من الشرطِ الجزائيِّ، وسيأتي الفرقُ بين بيعِ العربونِ، وبين الشرطِ الجزائيِّ في الدليلِ الثاني، وعلى تقديرِ أنهُ من الشرطِ الجزائيِّ فهذا يُسَاقُ على أنَّ الشرطَ الجزائيَّ وُجِدَ من يقولُ بهِ من سلفِنا، ولا يُسَاقُ على أنهُ دليلٌ على صحتِهِ، فليس كلُّ قولٍ مأثورٍ، عن رجلٍ غيرِ معصومٍ، يكونُ قولُهُ حجةً، ويُسَاقُ قولُهُ للاحتجاجِ كما تُسَاقُ الأدلةُ عن الرسولِ ﷺ، أو عن صحابتِهِ رضوانُ اللهِ عليهم، ولكن إن سِيقَ للاستئناسِ بهِ، فلا بأسَ.

الدليلُ الثاني:

الشرطُ الجزائيُّ فيهِ شبهٌ ببيعِ العربونِ، والذي أجازَهُ الحنابلةُ، ورجحتُ جوازَهُ في المبحثِ السابقِ.

فحقيقةُ بيعِ العربونِ: أن يدفعَ المشتري مبلغاً من المالِ للبائعِ على أنهُ إن أخذَ السلعةَ يكونُ ذلك المبلغُ محسوباً من الثمنِ، وإن تركَها فالمبلغُ للبائعِ.

فكلٌّ من الشرطِ الجزائيِّ وبيعِ العربونِ يتضمنُ التزامَ أحدِ طرفيِّ العقدِ عند التعاقدِ أن يدفعَ مبلغاً معيناً من المالِ فـالشرطُ الجزائيُّ في مقابلِ الإخلالِ بالشرطِ، والعربونُ في مقابلِ استعمالِ خيارِ العدولِ عن العقدِ، فإذا شرطا هذا في العقدِ، وصدرَ عن رضا واختيارٍ لزمهما.

وهناك فرقٌ بين بيعِ العربونِ، وبين الشرطِ الجزائيِّ، من ذلك:.

1- العربونُ هو في مقابلِ عدولِ المشتري عن العقدِ، أما الشرطُ الجزائيُّ فهو في مقابلِ الإخلالِ بالتزامِ المقاولِ أو الصانعِ.

2- الالتزامُ بدفعِ العربونِ عند عدولِ المشتري قائمٌ ولو لم يترتبْ على العدولِ ضررٌ؛ لأنهُ مقابلَ العدولِ.
أما الشرطُ الجزائيُّ ففيهِ خلافٌ:

فـقِيلَ:
لا يُسْتَحَقُّ إلا إذا وقعَ ضررٌ على الدائنِ، لأنهُ تقديرٌ للتعويضِ عن الضررِ.
وقِيلَ:
الشرطُ الجزائيُّ عقوبةٌ ماليةٌ للإخلالِ بالالتزامِ [40].

3- العربونُ لا يجوزُ تعديلُهُ من القاضي، والشرطُ الجزائيُّ، إن قِيلَ: إنهُ تعويضٌ عن الضررِ جازَ تخفيضُهُ وزيادتُهُ، وإن قِيلَ: إنهُ عقوبةٌ ماليةٌ لم يتدخلِ القاضي بذلك.

4- في بيعِ العربونِ المشتري مخيَّرٌ بين تنفيذِ العقدِ وتركِ العربونِ، أما في العقدِ الذي فيهِ شرطٌ جزائيٌّ فلا خيارَ للمدينِ، وعليهِ أن يُنَفِّذَ التزامَهُ الأصليَّ ما دامَ ممكناً….»[41].

الدليلُ الثالثُ:

يُعْتَبَرُ الشرطُ الجزائيُّ من الشروطِ التي تُعْتَبَرُ من مصلحةِ العقدِ، ومن مصلحةِ العاقدِ، وما كان كذلك كان اشتراطُهُ جائزاً، والعملُ بهِ صحيحاً.

أما وجهُ كونِ الشرطِ من مصلحةِ العقدِ:.

فلأنهُ حافزٌ لإكمالِ العقدِ في وقتِهِ المحددِ، وهذا يخدمُ العقدَ [42].

وأما وجهُ كونِ الشرطِ من مصلحةِ العاقدِ:.

فلأنهُ من خلالِهِ يتوصلُ العاقدُ إلى مصالحَ منها:.

أ- ضمانُ تنفيذِ العقدِ في المدةِ المتفقِ عليها، وهذا ينفعُ كلاً من العاقدينِ.

ب- تحمُّلُ الأضرارِ الناتجةِ من التهاونِ في تنفيذِ العقدِ في المدةِ المتفقِ عليها.

جـ- تجنُّبُ المتعاقدينِ اللجوءَ إلى القضاءِ من أجلِ تقديرِ التعويضِ المترتبِ على الأضرارِ الناشئةِ عن التأخيرِ، وتوفيرُ الجهدِ والمالِ في الإجراءاتِ القضائيةِ الطويلةِ والباهظةِ التكاليفِ.

د- إعفاءُ الدائنِ من عبءِ إثباتِ الضررِ الذي يصيبُهُ عند إخلالِ المدينِ بالتزامِهِ[43].

واشتراطُ ما يحققُ هذهِ المصالحَ لا يمكنُ أن يكونَ منهياً عنهُ.

الدليلُ الرابعُ:

الشرطُ الجزائيُّ «في مقابلةِ الإخلالِ بالالتزامِ، حيثُ إنَّ الإخلالَ بهِ مظنةُ الضررِ، وتفويتِ المنافعِ، وفي القولِ بتصحيحِ الشرطِ الجزائيِّ سدٌّ لأبوابِ الفوضى، والتلاعبِ بحقوقِ عبادِ اللهِ، وسببٌ من أسبابِ الحفزِ على الوفاءِ بالعهودِ والعقودِ، تحقيقاً لقولِهِ تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]»[44].

الراجحُ من الخلافِ:

بعدَ استعراضِ أدلةِ الفريقينِ أجدُ أنَّ الأخذَ بـالشرطِ الجزائيِّ قولٌ تؤيدُهُ الأدلةُ، والقواعدُ الفقهيةُ، وهو وإن كان مستحدثاً في كثيرٍ من صورِهِ، إلا أنَّ بعضَ صورِهِ قد تعرضَ لها الفقهاءُ المتقدمونَ.

يقولُ الكاسانيُّ:
«لو جعلَ المالَ نجوماً، بكفيلٍ، أو بغيرِ كفيلٍ، وشرطَ أنهُ إن لم يوفِّهِ كلَّ نجمٍ عند محلِّهِ، فالمالُ حَالٌّ عليهِ، فهو جائزٌ على ما شُرِطَ؛ لأنهُ جعلَ الإخلالَ بنجمٍ شرطاً لحلولِ كلِّ المالِ عليهِ، وأنهُ صحيحٌ»[45].

وقال ابنُ القيمِ:
«إن خافَ صاحبُ الحقِّ أن لا يَفِيَ لهُ من عليهِ بأدائِهِ عند كلِّ نجمٍ كما أَجَّلَهُ، فالحيلةُ أن يشترطَ عليهِ أنهُ إذا حلَّ نجمٌ، ولم يؤدِّ قسطَهُ فجميعُ المالِ عليهِ حَالٌّ، فإن نجمَهُ على هذا الشرطِ جازَ، وتمكنَ من مطالبتِهِ بهِ حَالاً ومنجَّماً…» [46].

💡فهذه صورةٌ من صورِ الشرطِ الجزائيِّ، تكلَّمَ عليها سلفُنا، فهي شاهدٌ على أنَّ الشرطَ الجزائيَّ ليس عقداً مستحدثاً من كلِّ وجهٍ، وهذا الشرطُ يمثلُ عقوبةً غراميةً، وليست تعويضاً اتفاقياً.
وسوف نأتي إن شاءَ اللهُ على الصورةِ التي ذكرَها الكاسانيُّ وابنُ القيمِ في المباحثِ التاليةِ، نسألُ اللهَ وحدَهُ عونَهُ وتوفيقَهُ.

المسألةُ الثانيةُ: الشرطُ الجزائيُّ في مقابلِ الديونِ

المطلبُ الأولُ: الاتفاقُ على دفعِ غرامةٍ ماليةٍ عند تأخرِ المدينِ عن الأداءِ

تكلمنا في المبحثِ السابقِ في حكمِ الشرطِ الجزائيِّ إذا كان محلُّ الالتزامِ عملاً من الأعمالِ.

ونريدُ أن نبحثَ في هذا الفصلِ عن:

حكمِ الشرطِ الجزائيِّ في العقودِ التي يكونُ الالتزامُ الأصليُّ فيها دَيْناً.

كما لو كان الالتزامُ بسببِ قرضٍ، أو بسببِ بيعٍ بثمنٍ مؤجَّلٍ أو مقسَّطٍ (كبيعِ المرابحةِ للآمِرِ بالشراءِ)، ومثلِ عقدِ السَّلَمِ.

فهل يجوزُ في عقدِ القرضِ أن يشترطَ الدائنُ على المدينِ شرطاً جزائياً بدفعِ مبلغٍ معينٍ من المالِ في حالِ تأخرِهِ عن السدادِ؟

وهل يجوزُ للبائعِ في عقدِ البيعِ بمثنٍ مؤجَّلٍ أو مقسَّطٍ، أن يشترطَ على المشتري شرطاً جزائياً بدفعِ مبلغٍ من المالِ في حالِ تأخرٍ عن سدادِ الدَّيْنِ؟

وهل يجوزُ في عقدِ السَّلَمِ أن يشترطَ ربُّ السَّلَمِ على المُسْلَمِ إليهِ شرطاً جزائياً بدفعِ مبلغٍ من المالِ في حالةِ تأخرِهِ عن تسليمِ المُسْلَمِ فيهِ في وقتِهِ؟

وللجوابِ على ذلك نقولُ:

لا يجوزُ الشرطُ الجزائيُّ في العقودِ التي يكونُ الالتزامُ الأصليُّ فيها دَيْناً.

فإذا اتفقَ الدائنُ مع المدينِ على تعويضِهِ مبلغاً معيناً عن كلِّ يومِ تأخيرٍ:

فإنَّ هذا الشرطَ لا يجوزُ شرعاً باتفاقِ الفقهاءِ؛ لأنهُ صريحُ الربا.

قال الحطابُ:
«إذا التزمَ المُدَّعَى عليهِ للمدعي أنهُ إذا لم يوفِّهِ حقَّهُ في كذا، فلهُ عليهِ كذا وكذا، فهذا لا يُخْتَلَفُ في بطلانِهِ؛ لأنهُ صريحُ الربا، وسواءٌ كان الشيءُ المُلتَزَمُ بهِ من جنسِ الدَّيْنِ أو غيرِهِ، وسواءٌ كان شيئاً معيناً، أو منفعةً..»[47].

ويقولُ الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ منيعٍ:
«الذي يظهرُ لي أنَّ الشرطَ الجزائيَّ بالنسبةِ لسدادِ الديونِ، هو أخذٌ بالمنهجِ الجاهليِّ: (أتُرْبِي أم تقضي؟) بل قد يكونُ أشدَّ من ذلك؛ لأنَّ المنهجَ الجاهليَّ يبدأُ عند حلولِ أجلِ السدادِ، وهذا يُقَرُّ عند التعاقدِ، فهو إقرارٌ بالربا الجاهليِّ عند التعاقدِ»[48].

وقال الشيخُ مصطفى الزرقاءُ:
«إنَّ الاتفاقَ على مقدارِ ضررِ الدائنِ عن تأخيرِ الوفاءِ، لهُ محذورٌ كبيرٌ، وهو أنهُ قد يصبحُ ذريعةً لرباً مستورٍ، بتواطؤٍ من الدائنِ والمدينِ، بأن يتفقا في القرضِ على فوائدَ زمنيةٍ ربويةٍ، ثم يُعْقَدُ القرضُ في ميعادِهِ، لكن يستحقُّ عليهِ الدائنُ تعويضَ تأخيرٍ متفقاً عليهِ مسبقاً يعادلُ سعرَ الفائدةِ، فلذلك لا يجوزُ في نظري»[49].

وجاءَ في قرارِ المجمعِ الفقهيِّ ما نصُّهُ:
«لا يجوزُ الشرطُ الجزائيُّ عن التأخيرِ في تسليمِ المُسْلَمِ فيهِ؛ لأنهُ عبارةٌ عن دَيْنٍ، ولا يجوزُ اشتراطُ الزيادةِ في الديونِ عند التأخيرِ»[50].

كما جاءَ قرارُ المجمعِ الفقهيِّ في البيعِ بالتقسيطِ رقم: 51 (2/6):
«إذا تأخرَ المشتري المدينُ في دفعِ الأقساطِ بعدَ الموعدِ المحددِ فلا يجوزُ إلزامُهُ أيَّ زيادةٍ على الدَّيْنِ بشرطٍ سابقٍ، أو بدونِ شرطٍ؛ لأنَّ ذلك رباً محرَّمٌ»[51].

وجاءَ أيضاً في قرارٍ آخرَ للمجمعِ:
«لا يجوزُ مثلاً – يعني الشرطَ الجزائيَّ– في البيعِ بالتقسيطِ بسببِ تأخُّرِ المدينِ عن سدادِ الأقساطِ المتبقيةِ، سواءٌ كان بسببِ الإعسارِ، أو المماطلةِ، ولا يجوزُ في عقدِ الاستصناعِ بالنسبةِ للمستصنِعِ إذا تأخرَ في أداءِ ما عليهِ»[52].

وهنا مجمعُ الفقهِ الإسلاميِّ فَرَّقَ بين (الصانعِ والمستصنِعِ):.

فـأجازَ الشرطَ الجزائيَّ على الصانعِ، ومنعَ الشرطَ الجزائيَّ على المستصنِعِ.

وجهُ التفريقِ بينهما:.

أنَّ الالتزامَ في حقِّ الصانعِ إنما هو التزامٌ بأداءِ عملٍ، لا يستحقُّ مقابلَهُ إلا بعدَ أدائِهِ.

وأخذُ الشرطِ الجزائيِّ في مقابلِ التأخيرِ في تنفيذِ الالتزامِ:

جائزٌ -على الصحيحِ– إذا كان محلُّ الالتزامِ: عملاً من الأعمالِ كما بينا في المسألةِ السابقةِ.

وأما الالتزامُ في حقِّ المستصنِعِ: فهو دَيْنٌ ماليٌّ حقيقيٌّ ثابتٌ في ذمتِهِ.

وأخذُ شرطٍ جزائيٍّ على تأخيرِ الدَّيْنِ الماليِّ:
يُعتبر من الربا الصريح.

ومثلُ الاستصناعِ: عقدُ المقاولةِ، وعقدُ التوريدِ.

القولُ الثاني:
أنَّ الشرطَ الجزائيَّ جائزٌ في عقدِ الاستصناعِ والمقاولةِ والتوريدِ في حالةِ عدمِ التنفيذِ، ولا يجوزُ في حالةِ التأخرِ عن التنفيذِ.

ذهبَ إليهِ بعضُ الباحثينَ: منهم الدكتورُ رفيقُ المصريِّ، والشيخُ حسنُ الجواهريِّ، والدكتورُ عليٌّ محييِّ الدينِ القرهْ داغي.

يقولُ الدكتورُ رفيقُ المصريِّ:
«الشرطُ الجزائيُّ إن كان لعدمِ التنفيذِ فهو جائزٌ، ويأخذُ حكمَ العربونِ، وإن كان اشتراطُ الشرطِ لأجلِ التأخيرِ في التنفيذِ فإنهُ غيرُ جائزٍ؛ لأنهُ يكونُ في حكمِ ربا النسيئةِ.

وحجتُهم: أنَّ المبيعَ المستحَقَّ التسليمِ في أجلٍ محددٍ ضربٌ من الالتزامِ (الدَّيْنِ) فأخذُ غرامةٍ على التأخيرِ فيهِ شبهةُ ربا النسيئةِ: تقضي أو تُربِي[53].

ويقولُ الشيخُ حسنُ الجواهريِّ عن (عقدِ الاستصناعِ):
«المُشْتَرَى دَيْنٌ في ذمةِ البائعِ، فإن تأخرَ البائعُ عن التسليمِ، وألزمناهُ بـالشرطِ الجزائيِّ فمعنى ذلك تأخُّرُ قضاءِ الدَّيْنِ في مقابلِ المالِ، هو الربا المحرَّمُ، ولذا أرى أن يُقَيَّدَ مثلاً صحةُ الشرطِ الجزائيِّ في عقدِ الاستصناعِ بهذهِ الجملةِ: (إذا لم يَفِ المستصْنَعُ بالعقدِ أصلاً ) ولا تُتْرَكُ على إطلاقِها…» [54].

ويتساءلُ الدكتورُ رفيقُ المصريِّ:
لماذا يجوزُ الشرطُ الجزائيُّ في عقدِ التوريدِ، ولا يُرَى جوازُهُ عند التأخرِ في السَّلَمِ، فأيُّ فرقٍ هاهنا بين التوريدِ والسَّلَمِ؟[55].

ويجيبُ الدكتورُ الصديقُ الضريرُ على هذا القولِ:
فيقولُ: «استدلالُ الدكتورِ رفيقٍ هو أنَّ المبيعَ المستحَقَّ التسليمِ في أجلٍ محددٍ ضربٌ من الالتزامِ (الدَّيْنِ).

أقولُ: – القائلُ الصديقُ الضريرُ – كونُ المبيعِ المستحَقِّ التسليمِ في أجلٍ محددٍ ضرباً من الالتزامِ لا خلافَ فيهِ، وأما كونُ هذا الالتزامِ مساوياً للدَّيْنِ فغيرُ مُسَلَّمٍ؛ لأنَّ الالتزامَ أعمُّ من الدَّيْنِ، فكلُّ دَيْنٍ التزامٌ، وليس كلُّ التزامٍ دَيْناً، والالتزامُ في عقدِ المقاولةِ ليس دَيْناً، وإنما هو التزامٌ بأداءِ عملٍ، والمقاولُ قد يكونُ دائناً لا مديناً في كثيرٍ من الحالاتِ، فالبنوكُ العقاريةُ تقومُ ببناءِ المساكنِ مقاولةً، وتتقاضى المقابلَ على أقساطٍ بعدَ تسليمِ المبنى، وكذلك يفعلُ كبارُ المقاولينَ، والفرقُ كبيرٌ جداً بين التزامِ المقاولِ والموردِ، والتزامِ المقترضِ والمشتري بثمنٍ مؤجَّلٍ، والمُسْلَمِ إليهِ، فالتزامُ هؤلاءِ الثلاثةِ دَيْنٌ حقيقيٌّ ثبتَ في ذممِهم، وأخذوا مقابلَهُ، أما التزامُ المقاولِ والموردِ فهو التزامٌ بأداءِ عملٍ، لا يستحقُّ مقابلَهُ إلا بعدَ أدائِهِ، واللهُ أعلمُ[56]

الراجحُ بين القولينِ:

الذي أميلُ إليهِ: القولُ بـجوازِ الشرطِ الجزائيِّ إذا كان محلُّ الالتزامِ عملاً من الأعمالِ، وإن كنتُ لا أتفقُ مع فضيلةِ الشيخِ الصديقِ الضريرِ بأنَّ التزامَ العملِ ليس دَيْناً، بل هو دَيْنٌ؛ لأنَّ محلَّهُ ذمةُ الأجيرِ أو المقاولِ أو الموردِ، وسماها الفقهاءُ الإجارةَ في الذمةِ، لكن هناك فرقٌ بين أن يكونَ الدَّيْنُ عملاً، وبين أن يكونَ الدَّيْنُ غيرَ ذلك، ولذلك أجازَ الحنابلةُ والحنفيةُ في الإجارةِ في الذمةِ من تأخيرِ العوضينِ، ومنعوا ذلك في البيوعِ إذا كان كلٌّ من المبيعِ والثمنِ دَيْناً في الذمةِ، مما يدلُّ على أنَّ هناك فرقاً بين الالتزامينِ لذلك أرى أنهُ لا مانعَ من أخذِ الشرطِ الجزائيِّ إذا كان محلُّ الالتزامِ عملاً من الأعمالِ، وإن كان هذا العملُ يصحُّ أن يُقَالَ: هو دَيْنٌ في ذمةِ الأجيرِ والمقاولِ والموردِ، واللهُ أعلمُ.

الحواشي والمراجع

[1] التعريفُ اللغويُّ لـلشرطِ الجزائيِّ:

هذا اللفظُ مركبٌ من كلمتينِ: هما الشرطُ والجزاءُ.

أما الشرطُ في اللغةِ:
فقد سبقَ تعريفُهُ عند الكلامِ على الشروطِ في البيعِ، فأغنى عن إعادتِهِ هنا.

وأما الجزاءُ: فهو مأخوذٌ من جزاهُ على الشيءِ: بمعنى كافأَهُ عليهِ.

قال أبو الهيثمِ:
الجزاءُ يكونُ ثواباً وعقاباً، إن خيراً فخيرٌ، وإن شرّاً فشرٌّ، وجازيتُهُ بذنبِهِ: بمعنى: عاقبتُهُ عليهِ قال تعالى: ﴿ إنما جزاءُ الذين يحاربونَ اللهَ ورسولَهُ أن يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أيديهم وأرجلُهم من خلافٍ أو يُنْفَوْا من الأرضِ ﴾ [المائدة:33].

وقال تعالى: ﴿ وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مثلُها ﴾ [الشورى: 40].

وقال: ﴿ فما جزاؤُهُ إن كنتم كاذبينَ ﴾ [ يوسف:74] أي: ما عقابُهُ.

وسُئِلَ أبو العباسِ: عن جزيتُهُ، وجازيتُهُ.

فقال: قال الفراءُ:
لا يكونُ جزيتُهُ إلا في الخيرِ، وجازيتُهُ يكونُ في الخيرِ والشرِّ.

قال:
وغيرُهُ يجيزُ جزيتُهُ في الخيرِ والشرِّ، وجازيتُهُ في الشرِّ. ينظر «المصباحَ المنيرَ» (1/100) انظر «تاجَ العروسِ»: (مادة: (جزى)).

[2] انظر الشرطَ الجزائيَّالدكتورَ الصديقَ محمدَ الضريرَ – بحثٌ مقدمٌ لـ«مجلةِ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ» (12/2/ص: 49).
[3] «نظريةُ الالتزامِ في القانونِ المدنيِّ المصريِّ»، لـأحمدَ حشمتْ (ص: 442)، «النظريةُ العامةُ للالتزامِ» لـجميلِ الشرقاويِّ (2/56).
[4] انظر «المدخلَ الفقهيَّ العامَّ» (2/711).
[5] «مجلةُ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ» (12/2/ص: 306).
[6] قرارُ هيئةِ كبارِ العلماءِ الرسميينَ في السعوديةِ رقم (25) في تاريخ 21/8/1394هـ.

[7] يقولُ فضيلةُ الشيخِ الدكتورِ الصديقِ الضريرِ في «مجلةِ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ» (12/2) (ص: 283):

«جميعُ القوانينِ في البلادِ العربيةِ التي لا تلتزمُ بالشريعةِ، والقوانينِ في البلادِ التي تلتزمُ بالشريعةِ (القانونُ الأردنيُّ، والقانونُ السودانيُّ) تشترطُ حدوثَ هذا الضررِ… هذا محلُّ اتفاقٍ بين جميعِ القوانينِ، وهو العدلُ؛ لأنَّ الشرطَ الجزائيَّ: هو اتفاقٌ على التعويضِ، لكنهُ يفترضُ أنَّ التعويضَ حدثَ، وأنَّ هذا الاتفاقَ مقابلَ هذا الضررِ، ولذلك ألقى عبءَ إثباتِ عدمِ الضررِ على الطرفِ الآخرِ، لكن المفترضَ أنَّ هناك ضرراً، وأنَّ التعويضَ أو المبلغَ الذي اتُّفِقَ عليهِ مساوٍ لهذا الضررِ ما لم يثبتْ خلافُهُ».

ولي نقاشٌ لفضيلتِهِ حولَ نقطتينِ:.

النقطةُ الأولى: أنهُ خلصَ إلى أنَّ التعويضَ يجبُ أن يكونَ بمقدارِ الضررِ، ويحتجُّ بقولِهِ: لأنَّ الشرطَ الجزائيَّ: هو اتفاقٌ على التعويضِ.

وهذا استدلالٌ بمحلِّ النزاعِ، فمن سَلَّمَ لفضيلتِهِ بأنَّ الشرطَ الجزائيَّ هو اتفاقٌ على التعويضِ.

فإنَّ للآخرِ أن يقولَ:
بل هو شرطٌ استحقاقيٌّ مُعَلَّقٌ على التأخيرِ.

النقطةُ الثانيةُ: احتجاجُهُ بأنَّ الشرطَ الجزائيَّ تعويضٌ على الضررِ بقولِهِ: «هذا محلُّ اتفاقٍ بين جميعِ القوانينِ».

وهذا أولاً ليس بحجةٍ، وثانياً: لو سُلِّمَ أنَّ الغرضَ من الشرطِ الجزائيِّ التعويضُ فإنهُ لا يُسَلَّمُ لهُ بأنَّ القضاءَ لهُ حقٌّ أن يتدخلَ في إثباتِ الضررِ، أو في زيادةِ الشرطِ الجزائيِّ، أو النقصِ منهُ، لأنهما لما اتفقا على ذلك قطعَ المتعاقدانِ السبيلَ إلى تدخلِ القضاءِ في إثباتِ الضررِ، أو في تقديرِهِ، ورضيا بدفعِ هذا المبلغِ بمجردِ حصولِ سببِهِ، وهو التأخيرُ.

جاءَ في «مجلةِ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ» (12/2/ص: 241):
«القانونُ الفرنسيُّ ينصُّ صراحةً على ذلك بالفصلِ (1152) مدنيٌّ: (إذا ذُكِرَ في الاتفاقِ أنَّ الطرفَ الذي يقصرُ في تنفيذِهِ يدفعُ مبلغاً معيناً من المالِ على سبيلِ التعويضِ، فلا نقصانَ أو زيادةَ)».

علَّقَ القاضي: محمودُ شمامُ على هذا بقولِهِ:
«وهذا يدلُّ صراحةً على أنَّ القاضيَ لا يتدخلُ لمعاينةِ الضررِ وجوداً أو عدماً، وإن وُجِدَ فلا يُطَالَبُ بإثباتِهِ وتقديرِهِ، وليس من حقِّهِ أن يعدِّلَ ما حصلَ الاتفاقُ عليهِ».

يقولُ فقيهُ القانونِ عبدُ الرزاقِ السنهوريُّ:
«وذلك حتى يكونَ الغرضُ من الشرطِ الجزائيِّ منعَ أيِّ جدلٍ يدورُ حولَ وقوعِ الضررِ، ومقدارِ التعويضِ». («التعليقُ آخرَ الصفحةِ» (2/857) «الوسيطُ»).

وقد كان القانونُ المصريُّ القديمُ يتمشى مع ذلك إذ ينصُّ (إذا كان المقدارُ معيناً في العقدِ فلا يجوزُ الحكمُ بأقلَّ أو أكثرَ منهُ).

إلا أنَّ التقنينَ الجديدَ سمحَ للقاضي بمعاينةِ الضررِ، وتقديرِهِ، ومن ثم مَكَّنَهُ من التعديلِ، فقد خصتِ المادةُ (224) مدنيٌّ: (لا يكونُ التعويضُ الاتفاقيُّ مستحَقّاً إذا أثبتَ المدينُ أنَّ الدائنَ لم يلحقْهُ ضررٌ، ويجوزُ للقاضي أن يخفضَ هذا التعويضَ إذا أثبتَ المدينُ أنَّ التقديرَ كان مبالغاً فيهِ، أو أنَّ الالتزامَ قد نُفِّذَ في جزءٍ منهُ).

اهـ ما نقلتُهُ من «مجلةِ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ».

وإذا كانت المسألةُ خلافيةً بين أهلِ القانونِ لم يمنعِ المجتهدَ أن يجتهدَ في اختيارِ أقربِ القولينِ للحقِّ.

[8] «مجلةُ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ»، العددُ الثاني عشرَ (2/ 306).

[9] قرارُ هيئةِ كبارِ العلماءِ رقم (25) في تاريخ 21/8/1394هـ.

وهذا النصُّ ليس صريحاً بأنَّ الشرطَ الجزائيَّ يُشْتَرَطُ أن يكونَ بمقدارِ الضررِ، وإنما الذي أفهمُهُ من عبارةِ قرارِ الهيئةِ:.

أنَّ الشرطَ الجزائيَّ إذا كان متفاحشاً جداً بحيثُ يُعْرَفُ أنَّ المرادَ منهُ التهديدُ، وليس التعويضَ فهذا لا يجبُ الوفاءُ بهِ، بل يُرْجَعُ إلى التعويضِ، لأننا لا يمكنُ لنا أن نعالجَ الضررَ الواقعَ على من شُرِطَ لهُ بالوقوعِ في أشدَّ منهُ على المشروطِ عليهِ، وإذا لم يجبِ الوفاءُ بالمبلغِ المتفقِ عليهِ لم يكن لنا بُدٌّ من الرجوعِ في تقديرِ المبلغِ إلى مقدارِ الضررِ، فإنهُ مقتضى العدلِ والإنصافِ. لأنَّ الواجبَ أن يكونَ التعويضُ متناسباً مع مقدارِ ما ربحَهُ المقاولُ أو الصانعُ أو الموردُ أما إذا لم يكن الشرطُ الجزائيُّ فاحشاً جداً فـيجبُ الوفاءُ بهِ عند الإخلالِ بالالتزامِ، ولا يلزمُ أن يكونَ التعويضُ في هذهِ الحالةِ بقدرِ الضررِ، بل يجبُ الوفاءُ بهِ سواءٌ كان هناك ضررٌ، أو لم يكن هناك ضررٌ، وسواءٌ كان التعويضُ بقدرِ الضررِ أو قلَّ عنهُ، أو زادَ عليهِ لأنَّ الشرطَ الجزائيَّ مشروطٌ سلفاً قبلَ أن يقعَ الضررُ، ويتبينَ مقدارُهُ، فما الفائدةُ من تقديرِ الشرطِ الجزائيِّ إذا كان الواجبُ هو مقدارَ الضررِ فقط.

فهذا الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ منيعٍ كما سيأتي النقلُ عنهُ، وهو أحدُ أفرادِ مجلسِ هيئةِ كبارِ العلماءِ، وممن شاركَ في صنعِ هذا القرارِ يصرِّحُ بأنَّ الشرطَ الجزائيَّ عقوبةٌ ماليةٌ، وليس تعويضاً عن الضررِ.

وخذْ مثالاً آخرَ على ذلك: الشرطُ الجزائيُّ في حالِ المرابحةِ (شراءِ السياراتِ بالتقسيطِ) قد يشترطُ المصرفُ بأنهُ في حالِ عدمِ سدادِ قسطٍ واحدٍ تحلُّ جميعُ الأقساطِ، وقد أجازَ المجمعُ الفقهيُّ هذا الشرطَ، وسوف أبحثُهُ بحثاً مستقلاً إن شاءَ اللهُ تعالى.

فإذا حلتْ جميعُ الأقساطِ نظيرَ التأخيرِ عن سدادِ قسطٍ واحدٍ، فما هو الضررُ الواقعُ على المصرفِ من تأخرِ سدادِ قسطٍ واحدٍ، ليحلَّ جميعَ الدَّيْنِ، وقد يكونُ المبلغُ الْحَالُّ كبيراً جداً، أليس الضررُ هنا على المصرفِ إن كان هناك ضررٌ ليس بحجمِ الشرطِ الجزائيِّ؟ فـالشرطُ الجزائيُّ هنا عقوبةٌ، وليس لدفعِ الضررِ.

[10] انظر «مجلةَ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ»، العددَ التاسعَ (2/231)، والعددَ الثاني عشرَ (2/74، 297).
[11] المرجعُ السابقُ (12/2/ص: 241).
[12] «مجلةُ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ»، العددُ الثاني عشرَ (2/292).
[13] «تفسيرُ القرطبيِّ» (5/153)، وانظر «المحررَ الوجيزَ في تفسيرِ الكتابِ العزيزِ» لـابنِ عطيةَ (2/41).
[14] انظر نظامَ المناقصاتِ والمزايداتِ في السعوديةِ (ص: 107) نقلاً من «مجلةِ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ» (12/2/ص: 81).
[15] «مجلةُ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ» (12/2/ص: 306).

[16]

يقولُ قرارُ الهيئةِ (25) في تاريخ 21/8/1394هـ ما نصُّهُ:
«وإذا كان الشرطُ الجزائيُّ كثيراً عرفاً بحيثُ يُرَادُ بهِ التهديدُ الماليُّ، ويكونُ بعيداً عن مقتضى القواعدِ الشرعيةِ، فـيجبُ الرجوعُ في ذلك إلى العدلِ والإنصافِ على حسبِ ما فاتَ من منفعةٍ، أو لحقَ من ضررٍ…».

[17] «الضمانُ في الفقهِ الإسلاميِّ»علي الخفيفُ (ص: 19).
[18] المرجعُ السابقُ.
[19] «الفعلُ الضارُّ» (ص: 121-124).
[20] راجع «مصادرَ الالتزامِ في القانونِ المدنيِّ الأردنيِّ»د. أنور سلطان (ص: 241).
[21] انظر المادةَ (152، 153، 154).
[22] انظر المادةَ (221، 222).
[23] «المحلى»، مسألة (1447).
[24] «صحيحُ البخاريِّ» (2168)، و«مسلمٌ» (1504).
[25] «الإحكامُ» لـابنِ حزمٍ (2/599).
[26] «مجموعُ الفتاوى» (29/132).
[27] «الوسيطُ» (3/73).
[28] «المهذبُ» (1/268).
[29] انظر «بدائعَ الصنائعِ» (5/169ـ172).
[30] «بدايةُ المجتهدِ» (2/120).
[31] «مجلةُ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ»، العددُ الثاني عشرَ (2/205).

[32] انظر قرارَ هيئةِ كبارِ العلماءِ في السعوديةِ رقم (25)، وتاريخ 21/8/1394هـ.

وجاءَ في القرارِ بعدَ أن ذكرَ العلماءُ الأدلةَ المسوِّغَةَ لـجوازِهِ، قالوا:
«لذلك كلِّهِ فإنَّ المجلسَ يقررُ بالإجماعِ أنَّ الشرطَ الجزائيَّ الذي يجري اشتراطُهُ في العقودِ شرطٌ صحيحٌ، معتبرٌ يجبُ الأخذُ بهِ، ما لم يكن هناك عذرٌ في الإخلالِ بالالتزامِ الموجبِ لهُ يُعْتَبَرُ شرعاً، فيكونُ العذرُ مسقطاً لـوجوبِهِ حتى يزولَ، وإذا كان الشرطُ الجزائيُّ كثيراً عرفاً بحيثُ يُرَادُ بهِ التهديدُ الماليُّ، ويكونُ بعيداً عن مقتضى القواعدِ الشرعيةِ، فـيجبُ الرجوعُ في ذلك إلى العدلِ والإنصافِ على حسبِ ما فاتَ من منفعةٍ، أو لحقَ من ضررٍ، ويُرْجَعُ في تقديرِ ذلك عند الاختلافِ إلى الحاكمِ الشرعيِّ عن طريقِ أهلِ الخبرةِ، والنظرِ عملاً بقولِهِ تعالى: ﴿ وإذا حكمتم بين الناسِ أن تحكموا بالعدلِ ﴾. [النساء: 58]. وقولِهِ سبحانَهُ: ﴿ ولا يجرمنكم شنآنُ قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقربُ للتقوى ﴾ [ المائدة: 8] وبقولِهِ ﷺ: «لا ضررَ، ولا ضرارَ»، وباللهِ التوفيقُ».

وقولُ المجلسِ:
«الشرطُ الجزائيُّ الذي يجري اشتراطُهُ في العقودِ شرطٌ صحيحٌ، معتبرٌ يجبُ الأخذُ بهِ..» لفظُ (العقودِ) ظاهرُهُ يشملُ كلَّ عقدٍ، فلو أخذنا بظاهرِهِ لقيلَ بـجوازِ الشرطِ الجزائيِّ في كلِّ عقدٍ، ولا شكَّ أنَّ هناك من العقودِ ما لا يجوزُ اشتراطُ الشرطِ الجزائيِّ فيهِ باتفاقِ الفقهاءِ، فالديونُ الماليةُ من بيوعٍ أو قروضٍ لا يجوزُ اشتراطُ الشرطِ الجزائيِّ فيها عند تأخيرِ السدادِ؛ لأنَّ هذا من الربا الصريحِ، وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى الكلامُ على ذلك في مبحثٍ مستقلٍّ.

[33] انظر قرارَ المجمعِ الفقهيِّ في دورتِهِ الثانيةِ عشرةَ، الجزءَ الثانيَ (ص: 305)، وسننقلُ نصَّ القرارِ في آخرِ البحثِ إن شاءَ اللهُ.
[34] انظر «الفتاوى الكبرى» (4/90)، «مجموعَ الفتاوى» (29/152).
[35] «سننُ الترمذيِّ» (1352).
[36] سبقَ تخريجُهُ، انظر (ح355).
[37] قال ابنُ تيميةَ في «الفتاوى الكبرى» (4/89):
«هذه الأسانيدُ وإن كان الواحدُ منها ضعيفاً، فاجتماعُها من طرقٍ يشدُّ بعضُها بعضاً».
[38] «مصنفُ عبدِ الرزاقِ» (8/59) رقم: 14303. ورواهُ البخاريُّ معلقاً بصيغةِ الجزمِ (2/981). وانظر «تغليقَ التعليقِ» (3/415).
[39] «المدخلُ الفقهيُّ العامُّ» (ف: 234).

[40] هناك فريقٌ من العلماءِ يرى عدمَ وجوبِ الشرطِ الجزائيِّ إذا لم يكن هناك ضررٌ من التأخيرِ، أو كان زائداً على مقدارِ الضررِ الناشئِ عن التأخيرِ، وفريقٌ آخرُ يرى أنَّ الشرطَ الجزائيَّ غرامةٌ ماليةٌ مقابلَ عدمِ الالتزامِ بالمدةِ المتفقِ عليها لتنفيذِ العقدِ، فسواءٌ كان هناك ضررٌ، أو لم يكن هناك ضررٌ، فمن حقِّ العاقدِ أن يشترطَ تسليمَ المبيعِ خلالَ مدةٍ معينةٍ،

وهذا هو الراجحُ،

وقد تكلمتُ عن هذا في مبحثٍ سابقٍ، عند الكلامِ على شروطِ استحقاقِ الشرطِ الجزائيِّ، راجعْهُ غيرَ مأمورٍ.

[41] «مجلةُ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ» (12/2/ص: 56).
[42] انظر قرارَ مجلسِ هيئةِ كبارِ العلماءِ رقم (25) وتاريخ 21/8/1394هـ.
[43] انظر «صيانةَ المديونياتِ ومعالجتَها من التعثرِ في الفقهِ الإسلاميِّ»د. محمد شبير، مطبوعٌ ضمنَ كتابِ «بحوثٍ فقهيةٍ في قضايا اقتصاديةٍ معاصرةٍ» (2/857).
[44] قرارُ هيئةِ كبارِ العلماءِ رقم (25) في تاريخ 21/8/1394هـ.
[45] «بدائعُ الصنائعِ» (6/45).
[46] «أعلامُ الموقعينَ» (4/52).
[47] «تحريرُ الكلامِ في مسائلِ الالتزامِ» – لـالحطابِ (ص: 176).
[48] «مجلةُ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ»، العددُ الثاني عشرَ (2/ 292).
[49] «مجلةُ أبحاثِ الاقتصادِ الإسلاميِّ» – جامعةُ الملكِ عبدِ العزيزِ، [العددُ: 1] [المجلدُ: 3] 1405هـ ص: 112، وانظر «بحوثاً فقهيةً في قضايا اقتصاديةٍ معاصرةٍ» لمجموعةٍ من العلماءِ (2/862).
[50] قرارٌ رقم: 109 (3/12) في دورتِهِ الثانيةِ عشرةَ (2/305).
[51] انظر قرارَ مجلسِ مجمعِ الفقهِ، رقم (53/2/6) في دورتِهِ السادسةِ (1/447).
[52] انظر قرارَ مجلسِ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ رقم (109) (3/12) في دورتِهِ الثانيةِ عشرةَ (2/306).
[53] انظر «مجلةَ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ» (12/2/ص: 72-73).
[54] انظر «مجلةَ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ» (12/2) ص: 280.
[55] المرجعُ السابقُ (ص: 298).
[56] انظر المرجعَ السابقَ (ص: 73-74).

جدول المحتويات

اترك ردّاً

تأكد من ملء الحقلين جميعًا.*