القراءة من المصحف في الصلاة، وخارجها

القراءة من المصحف خارج الصلاة

📌 المدخل إلى المسألة

صحَّ عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: (أدِيمُوا النَّظَرَ في المُصْحَفِ)، ويقصدُ به -رضي الله عنه- النظرَ المصحوبَ بالتلاوةِ والاعتبارِ، لا مجردَ النظرِ.
لا أعلمُ دليلاً مَرْفُوعاً يقضي بأنَّ النظرَ في المُصْحَفِ عبادةٌ، وإن قال به كثيرٌ من السلفِ -عليهم رحمةُ اللهِ-.
التلاوةُ عبادةٌ مقصودةٌ، والغايةُ التعبدُ والتقربُ إلى اللهِ بتلاوةِ كلامِهِ، وتدبُّرِهِ والاعتبارِ به، ومعرفةِ اللهِ بمعرفةِ صفاتِهِ، وامتثالِ أوامرِهِ واجتنابِ نواهيهِ، والنظرُ والحفظُ وسيلةٌ لتحقيقِ هذه الغاياتِ.
إن كان القارئُ من حفظِهِ يحصلُ له من التدبُّرِ، والتفكرِ، وجمعِ القلبِ والبصرِ أكثرَ مما يحصلُ من المُصْحَفِ: فالقراءةُ من الحفظِ أفضلُ، وإن استويا: فَلْيَجْمَعْ بينهما.
اختلفَ العلماءُ في أيهما أفضلُ القراءةُ من المُصْحَفِ، أم القراءةُ من الحفظِ؟
فَقِيلَ: القراءةُ من المُصْحَفِ أفضلُ.

وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.

ونسبَ النوويُّ القولَ به لـلقاضي حُسَيْنٍ، وأبي حامدٍ الغزاليِّ، وجماعاتٍ من السلفِ.

ونقلَ الغزاليُّ في «الإحياءِ» عن كثيرٍ من الصحابةِ -رضي الله عنهم- أنهم كانوا يقرءونَ من المُصْحَفِ، ويَكْرَهُونَ أن يخرجَ يومٌ، ولم ينظروا في المُصْحَفِ.

وروى ابنُ أبي داودَ القراءةَ في المُصْحَفِ عن كثيرٍ من السلفِ، حتى قال النوويُّ: لم أرَ فيه خلافاً[1].

واستدلوا بأدلةٍ كثيرةٍ منها:

الدليلُ الأولُ:

روى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ» من طريقِ سفيانَ الثوريِّ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللهِ، قال: «أدِيمُوا النَّظَرَ في المُصْحَفِ»[2].

[حسنٌ موقوفٌ على ابنِ مسعودٍ][3].

ويُجَابُ:

أحياناً يُطْلَقُ الشيءُ ويُرادُ به لازمُهُ، فإذا أُطْلِقَ النظرُ في المُصْحَفِ فالمرادُ منه: النظرُ المصحوبُ بـالتلاوةِ والتدبُّرِ؛ لأنَّ ذلك هو الغايةُ من النظرِ في المُصْحَفِ، لا مجردُ مطلقِ النظرِ.

ومثله ما وردَ في السبعةِ الذين يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّهُ: «رجلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ بالمساجدِ»، لا يُرادُ حبُّ البقعةِ لذاتِها، بل ما يصحبُ ذلك من ذكرِ اللهِ وإقامِ الصلاةِ؛ لأنَّ ذلك هو الغايةُ من إقامةِ المساجدِ، قال تعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ﴾ [النور: 36-37].

الدليلُ الثاني:

روى أبو عُبَيْدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ في «فضائلِ القرآنِ» من طريقِ بقيةَ بنِ الوليدِ، عن معاويةَ بنِ يحيى، عن سليمانَ بنِ سليمٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «فضلُ قراءةِ القرآنِ نَظَراً على من يقرؤُهُ ظاهراً كفضلِ الفريضةِ على النافلةِ»[4].
[ضعيفٌ][5].

الدليلُ الثالثُ:

روى الطبرانيُّ في «الكبيرِ»، والبيهقيُّ في «الشُّعَبِ» من طريقِ أبي سعيدِ بنِ عَوْذٍ المعلّمِ المكيِّ، عن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أوسٍ الثقفيِّ، عن جدهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «قراءةُ القرآنِ في غيرِ المُصْحَفِ ألفُ درجةٍ، وقراءتُهُ في المُصْحَفِ يُضَاعَفُ على ذلك ألفي درجةٍ»[6].
[قال أبو حاتمٍ الرازيُّ: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ][7].

الدليلُ الرابعُ:

روى ابنُ المُقْرِئِ في «معجمِهِ»، والبيهقيُّ في «الشُّعَبِ»، وأبو نُعَيْمٍ في «الحليةِ» من طريقِ الحُرِّ بنِ مالكٍ العنبريِّ، حدثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ:
«من سرَّهُ أن يحبَّ اللهَ ورسولَهُ فَلْيَقْرَأْ في المُصْحَفِ»[8].
[غريبٌ من حديثِ شعبةَ، وقال الذهبيُّ: باطلٌ][9].

الدليلُ الخامسُ:

روى أبو الشيخِ الأصبهانيُّ في «العظمةِ»، والبيهقيُّ في «شعبِ الإيمانِ» من طريقِ حفصِ بنِ عمرَ بنِ ميمونٍ، عن عَنْبَسَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ الكوفيِّ، عن ابنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «أعطوا أعينَكم حظَّها من العبادةِ». قيلَ: يا رسولَ اللهِ، وما حظُّها من العبادةِ؟ قال: «النظرُ في المُصْحَفِ، والتفكرُ فيه، والاعتبارُ عند عجائبِهِ».

قال البيهقيُّ: إسنادُهُ ضعيفٌ[10].
[موضوعٌ][11].

الدليلُ السادسُ:

روى عفيفُ الدينِ أبو المعالي في «فضلِ العلمِ» عن سليمانَ بنِ الربيعِ النهديِّ، حدثنا هَمَّامُ بنُ مسلمٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ مرفوعاً، قال: «خمسٌ من العبادةِ قلةُ الطعامِ عبادةٌ، والقعودُ في المساجدِ عبادةٌ، والنظرُ في المُصْحَفِ من غيرِ قراءةٍ عبادةٌ، والنظرُ في وجهِ العالمِ عبادةٌ، وأظنُّهُ قال: والنظرُ في وجهِ الوالدَيْنِ عبادةٌ».
[ضعيفٌ جداً][12].

الدليلُ السابعُ:

أنَّ القراءةَ من المُصْحَفِ تشتملُ على التلاوةِ والنظرِ، وقد صرَّحَ غيرُ واحدٍ من السلفِ أنَّ النظرَ عبادةٌ، بخلافِ الحفظِ فهو يشتملُ على التلاوةِ وحدَها[13].

ولا أعلمُ دليلاً مَرْفُوعاً بأنَّ النظرَ في المُصْحَفِ عبادةٌ، وإن قال به كثيرٌ من السلفِ -عليهم رحمةُ اللهِ-، فـالتلاوةُ عبادةٌ مقصودةٌ، والغايةُ التدبُّرُ والاعتبارُ ومعرفةُ اللهِ بمعرفةِ صفاتِهِ، وامتثالُ أوامرِهِ واجتنابُ نواهيهِ، والنظرُ والحفظُ وسيلةٌ لتحقيقِ هذه الغايةِ، واللهُ أعلمُ.
وَقِيلَ: القراءةُ من الحفظِ أفضلُ مطلقاً.

اختارهُ أبو محمدِ بنُ عبدِ السلامِ في «أماليهِ»، نقلَ ذلك الزركشيُّ في «البرهانِ»[14].

واستدلَّ أصحابُ هذا القولِ:
الدليلُ الأولُ:

أثنى اللهُ على أهلِ العلمِ بكونِ القرآنِ في صدورِهم، فقال تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ [العنكبوت: 49].

الدليلُ الثاني:

أنَّ المقصودَ من التلاوةِ التدبُّرُ، لقولِهِ تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ﴾ [ص: 29].

والعادةُ تشهدُ أنَّ النظرَ في المُصْحَفِ يُخِلُّ بهذا المقصودِ، فكان مَرْجُوحاً[15].

الدليلُ الثالثُ:

ترجمَ البخاريُّ في «صحيحِهِ»، فقال: (بابُ القراءةِ عن ظهرِ قلبٍ).

ثم ذكرَ حديثَ سهلِ بنِ سعدٍ في قصةِ المرأةِ التي وهبتْ نفسَها للنبيِّ … وفيه: قال النبيُّ ﷺ: «ماذا معكَ من القرآنِ؟» قال: «معي سورةُ كذا، وسورةُ كذا، وسورةُ كذا -عدَّها-» قال: «أتَقْرَؤُهُنَّ عن ظهرِ قلبِكَ؟» قال: نعم، قال: «اذهبْ فقد مَلَّكْتُكَهَا بما معكَ من القرآنِ»[16].

قال ابنُ كثيرٍ في «التفسيرِ»:
هذه الترجمةُ من البخاريِّ مُشْعِرَةٌ بأنَّ قراءةَ القرآنِ عن ظهرِ قلبٍ أفضلُ، واللهُ أعلمُ[17].

وقد يُقَالُ:

إنَّ الحديثَ دليلٌ على فضلِ حفظِ القرآنِ، وهذا ليس موضعَ خلافٍ، وأما المفاضلةُ بين الحفظِ والقراءةِ من المُصْحَفِ فلا دلالةَ في الحديثِ، لا نصاً، ولا إشارةً.

ونقلَ الحافظُ في «الفتحِ» عن ابنِ كثيرٍ أنه قال:
«إن كان البخاريُّ أرادَ بهذا الحديثِ الدلالةَ على أنَّ تلاوةَ القرآنِ عن ظهرِ قلبٍ أفضلُ من تلاوتِهِ نظراً من المُصْحَفِ ففيه نظرٌ؛ لأنها قضيةُ عينٍ، فَيُحْتَمَلُ أن يكونَ الرجلُ كان لا يُحْسِنُ القراءةَ، وعَلِمَ النبيُّ ﷺ ذلك، فلا يدلُّ ذلك على أنَّ التلاوةَ عن ظهرِ قلبٍ أفضلُ في حقِّ من يُحْسِنُ ومن لا يُحْسِنُ»[18].

الدليلُ الرابعُ:

كان النبيُّ ﷺ يأمرُ يومَ أُحُدٍ بدفنِ الرجلَيْنِ والثلاثةِ في قبرٍ واحدٍ، ويقولُ: «قَدِّمُوا أكثرَهُم قرآناً».
[أعلَّهُ أبو حاتمٍ الرازيُّ بالانقطاعِ][19].

الدليلُ الخامسُ:

ما رواهُ أحمدُ، قال: حدثنا جريرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنه-، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ الرجلَ الذي ليس في جوفِهِ شيءٌ من القرآنِ ك البيتِ الخَرِبِ»[20].
[انفردَ به قابوسٌ عن أبيه، وهو ضعيفٌ][21].

ويُجَابُ عن هذه الأدلةِ:

بأنَّ هذه الأحاديثَ دليلٌ على فضلِ الحفظِ فقط، ولا دلالةَ فيها على المفاضلةِ، إلا أن يُقَالَ: لما وردتْ أحاديثُ مرفوعةٌ في فضلِ الحفظِ، ولم تَرِدْ مثلُها في فضلِ النظرِ في المُصْحَفِ دلَّ ذلك على تفضيلِ الحفظِ عليه.

وقد يُقَالُ: إنَّ المُصْحَفَ لم يكن في عصرِ الوحيِ، إلا أنَّ هذا الجوابَ لا يُغْنِي؛ لأنه وإن لم يكن في عصرِ الوحيِ فقد أَذِنَ الرسولُ ﷺ بكتابتِهِ، ونهى عن السفرِ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ[22]، وإذا كان الرسولُ ﷺ لا يعلمُ فاللهُ سبحانهُ يعلمُ أنَّ المُصْحَفَ سَيُجْمَعُ في عصرِ الصحابةِ، وسيجمعونَ على فعلِ ذلك، وسيكونُ في بيوتِ المسلمينَ، حتى كانت عائشةُ يُصَلِّي بها غلامُها، وهو يقرأُ من المُصْحَفِ، وحتى كان غلامُ أنسٍ -رضي الله عنه- يُصَلِّي خلفَ أنسٍ، وهو يمسكُ المُصْحَفَ؛ لِيَفْتَحَ على أنسٍ إذا أُرْتِجَتْ عليه القراءةُ، واللهُ أعلمُ.

وَقِيلَ: يختلفُ ذلك باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ.

اختارهُ النوويُّ في «الأذكارِ»، وذكرَهُ ابنُ حجرٍ في «الفتحِ».
واستحسنَهُ السيوطيُّ إلا أنه علَّقَ القولَ به إن كان قد قِيلَ به[23].

قال النوويُّ:
«قراءةُ القرآنِ في المُصْحَفِ أفضلُ من القراءةِ من حفظِهِ، هكذا قالَهُ أصحابُنا، وهو مشهورٌ عن السلفِ -رضي الله عنهم-، وهذا ليس على إطلاقِهِ، بل إن كان القارئُ من حفظِهِ يحصلُ له من التدبُّرِ، والتفكرِ، وجمعِ القلبِ والبصرِ أكثرَ مما يحصلُ من المُصْحَفِ، فـالقراءةُ من الحفظِ أفضلُ، وإن استويا، فمن المُصْحَفِ أفضلُ، وهذا مرادُ السلفِ»[24].

وهذا القولُ أرجحُها
لأنَّ المطلوبَ من تلاوةِ القرآنِ تدبُّرُهُ، سواءٌ أقرأَ من المُصْحَفِ أم قرأَ ذلك حفظاً، ولو كان أحدهما أفضلَ من الآخرِ لجاءتِ النصوصُ الواضحةُ الفاصلةُ، فلما لم تكنِ النصوصُ كاشفةً دلَّ على أنه لا فرقَ بينهما، إلا أن يعودَ ذلك على الخشوعِ والتدبُّرِ، فذلك يختلفُ من شخصٍ لآخرَ، فإذا استويا في التدبُّرِ فالأولى أن يقرأَ هكذا وهكذا، واللهُ أعلمُ.

القراءةُ من المُصْحَفِ في الصلاةِ

📌 المدخلُ إلى المسألةِ:

يرجعُ الخلافُ في القراءةِ من المُصْحَفِ في الصلاةِ إلى: اختلافهم في تَقْلِيبِ أوراقِ المُصْحَفِ، والنظرِ فيه: أهو من العملِ الكثيرِ في الصلاةِ أم لا؟

وإذا كان كثيراً، أيُغْتَفَرُ؛ لكونِهِ لمصلحةِ الصلاةِ، أم لا؟

أم يُفَرَّقُ بين الحافظِ وغيرِهِ؟ وبين الفرضِ والنفلِ؛ لكونِ النفلِ أوسعَ من الفرضِ؟

ذكرَ الحنفيةُ أنه لو نظرَ إلى مكتوبٍ، وفهمَهُ بقلبِهِ لم تَفْسُدْ صلاتُهُ بالإجماعِ، يقصدونَ بذلك: ولم يحركْ لسانَهُ؛ لكونِ السكوتِ في الصلاةِ لا يقطعُ الموالاةَ.
حكى أبو الطيبِ الطبريُّ -الإجماعَ- على أنه لو تفكَّرَ طويلاً، أو نظرَ طويلاً لم تَبْطُلْ صلاتُهُ، فكذلك إذا جمعَ بينهما.
إذا اعتبرنا النظرَ في المُصْحَفِ عبادةً -قال النوويُّ: لم أرَ فيها خلافاً-، فإذا نظرَ فيه فقرأَ بلسانِهِ ما يُشْرَعُ له قراءتُهُ لم تَبْطُلْ صلاتُهُ؛ لأنَّ انضمامَ العبادةِ إلى عبادةٍ أخرى لا يُفْسِدُهَا.
عملُ السلفِ على جوازِ القراءةِ من المُصْحَفِ في النفلِ؛ لطولِ القيامِ في النفلِ فَيُحْتَاجُ إليهِ، بخلافِ الفرضِ.
هل يُقَالُ: ما صحَّ في النفلِ صحَّ في الفرضِ إلا بدليلٍ؟ وقد سُئِلَ أحمدُ عن القراءةِ من المُصْحَفِ في الفرضِ، فقال: لم أسمعْ فيه شيئاً.

أم يُقَالُ: لم يكن من عملِ الناسِ بالفرضِ، والأصلُ في العباداتِ المنعُ؟

الأولُ أقربُ، وإبطالُ العبادةِ يفتقرُ إلى دليلٍ، والأصلُ صحتُها.

قلبُ الورقةِ إذا فرغَ من قراءتِها عملٌ يسيرٌ جداً، والعملُ الكثيرُ إذا كان متفرقاً غيرَ متصلٍ ولمصلحةِ الصلاةِ لا يُبْطِلُها.
صحَّ في النفلِ الصلاةُ راكباً وقاعداً، وإلى غيرِ القبلةِ، فـالحركةُ الكثيرةُ إذا احتيجَ إليها في النفلِ لا تُبْطِلُها بخلافِ الفرضِ، فـيُغْتَفَرُ في النفلِ ما لا يُغْتَفَرُ في الفرضِ.
الحاجةُ ترفعُ الكراهةَ، والضرورةُ ترفعُ التحريمَ.
وأما القراءةُ من المُصْحَفِ في الصلاةِ فقد اختلفَ العلماءُ فيها على أقوالٍ:
فَقِيلَ: لا تَجُوزُ، وإن قرأَ من المُصْحَفِ فَسَدَتْ صلاتُهُ.

وبه قال أبو حنيفةَ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، واختارهُ ابنُ حزمٍ وحكاهُ عن ابنِ المسيبِ، والحسنِ البصريِّ، والشعبيِّ، وأبي عبدِ الرحمنِ السلميِّ[25].

قال ابنُ حزمٍ:
«ولا تَجُوزُ القراءةُ في مُصْحَفٍ، ولا في غيرِهِ لمصلٍّ، إماماً كان أو غيرَهُ، فإن تعمدَ ذلك بطلتْ صلاتُهُ»[26].

وَقِيلَ: تَحْرُمُ على الحافظِ فقط، وتَجُوزُ لغيرِهِ.

وهو روايةٌ عن أحمدَ[27].

وَقِيلَ: تَجُوزُ القراءةُ من المُصْحَفِ على خلافٍ بينهم:
فَقِيلَ: تَجُوزُ مطلقاً في فرضٍ ونفلٍ.

وهو مذهبُ الشافعيةِ، والمذهبُ عند الحنابلةِ[28].

قال النوويُّ:
«لو قرأَ القرآنَ من المُصْحَفِ لم تَبْطُلْ صلاتُهُ، سواءٌ كان يحفظُهُ أم لا، بل يَجِبُ عليهِ ذلك إذا لم يحفظْهُ»[29].

وقال أبو يوسفَ ومحمدُ بنُ الحسنِ:
يُكْرَهُ مطلقاً، وصلاتُهُ صحيحةٌ[30].

وَقِيلَ: يُكْرَهُ في الفريضةِ.

وهو مذهبُ المالكيةِ وقولٌ عند الحنابلةِ[31].

واختلفوا في النافلةِ وقيامِ رمضانَ:

فَقِيلَ: تَجُوزُ مطلقاً.

وهو قولٌ في مذهبِ الحنابلةِ، وبه قال الزهريُّ وإسحاقُ وجماعةٌ من السلفِ[32].

قال الإمامُ أحمدُ:
«لا بأسَ أن يصليَ بالناسِ القيامَ، وهو ينظرُ في المُصْحَفِ». قيل له: الفريضةُ؟ قال: «لم أسمعْ فيها شيئاً». وسُئِلَ الزهريُّ عن رجلٍ يقرأُ في رمضانَ في المُصْحَفِ، فقال: «كان خيارُنا يقرءونَ في المصاحفِ»[33].

وَقِيلَ: إنِ ابتدأَ النافلةَ بـالقراءةِ من المُصْحَفِ جازَ، وإن ابتدأَ بغيرِ مُصْحَفٍ فأرادَ النظرَ فيه في أثناءِ النفلِ كُرِهَ.

وهو مذهبُ المالكيةِ[34].

وَقِيلَ: تَجُوزُ في النفلِ لغيرِ حافظٍ، فإن كان حافظاً كُرِهَتْ كالفرضِ.

اختارهُ القاضي أبو يعلى من الحنابلةِ[35].

هذه مجملُ الأقوالِ في المسألةِ، وخلاصتُها:

التحريمُ مطلقاً.

التحريمُ على الحافظِ.

الجوازُ مطلقاً.

الكراهةُ مطلقاً.

التفريقُ بين الفريضةِ فـيُكْرَهُ.
واختلفوا في النافلةِ على أقوالٍ، منها: الجوازُ مطلقاً، والكراهةُ من الحافظِ، والجوازُ إذا ابتدأَ القراءةَ من المُصْحَفِ وإلا فلا.

هذه سبعةُ أقوالٍ.

دليلُ من قال: تَحْرُمُ القراءةُ من المُصْحَفِ وتَفْسُدُ بها الصلاةُ:
الدليلُ الأولُ:

احتجَّ ابنُ حزمٍ على التحريمِ بأنَّ القراءةَ من المُصْحَفِ عملٌ لم يأتِ بـإباحَتِهِ في الصلاةِ نصٌّ، وقد قال النبيُّ ﷺ: «إنَّ في الصلاةِ لَشُغْلاً»، رواه البخاريُّ[36].

ونُوقِشَ:

بأنَّ قولَهُ ﷺ: «إنَّ في الصلاةِ لَشُغْلاً» المرادُ منه الاشتغالُ بأفعالٍ خارجةٍ عن الصلاةِ.

فقد رواهُ البخاريُّ من طريقِ ابنِ فُضَيْلٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال:
«كنتُ أُسَلِّمُ على النبيِّ ﷺ وهو في الصلاةِ فيردُّ عليَّ، فلما رجعنا سلَّمْتُ عليهِ، فلم يَرُدَّ عليَّ»، وقال: «إنَّ في الصلاةِ لَشُغْلاً»[37].

فكان في الصلاةِ شغلٌ عن ردِّ السلامِ على الناسِ، وهو ليس من فعلِ الصلاةِ ولا من مصلحتِها، بخلافِ القراءةِ من المُصْحَفِ فإنه من مصلحةِ الصلاةِ فالاشتغالُ به لا حرجَ فيهِ، لا سيما إذا كان محتاجاً إلى ذلك.

والقولُ بأنه لم يَرِدْ نصٌّ بـالإباحةِ:
غيرُ مُسَلَّمٍ؛ لأنَّ النصوصَ الآمرةَ بـالقراءةِ مطلقةٌ، والمطلقُ جارٍ على إطلاقِهِ في الأصولِ، لا يُقَيَّدُ إلا بنصٍّ، ولم يأتِ نصٌّ ينهى عن القراءةِ من المُصْحَفِ، بل جاءَ عن عائشةَ ما يدلُّ على الإباحةِ كما سيأتي في أدلةِ القائلينَ بـالجوازِ.

الدليلُ الثاني:

لـأبي حنيفةَ في فسادِ الصلاةِ من القراءةِ من المُصْحَفِ طريقتانِ في الاحتجاجِ:

الطريقةُ الأولى:

أنَّ حملَ المُصْحَفِ، ووضعَهُ عند الركوعِ، ورفعَهُ عند القيامِ، وتقليبَ أوراقِهِ، والنظرَ إليهِ، وفهمَهُ والتفكرَ فيهِ، أعمالٌ كثيرةٌ ليست من أعمالِ الصلاةِ، ولا حاجةَ لتحمُّلِها في الصلاةِ، والعملُ الكثيرُ مُفْسِدٌ للصلاةِ.

وقياسُ هذهِ الطريقةِ:
أنَّ المُصْحَفَ لو كان موضوعاً بين يديهِ، ويقرأُ منه من غيرِ حملٍ، وتقليبِ أوراقٍ، أو يقرأُ ما هو مكتوبٌ على المحرابِ من القرآنِ، فإنَّ الصلاةَ لا تَفْسُدُ؛ لعدمِ المفسدِ، وهو العملُ الكثيرُ[38].

وسوف يأتي الجوابُ عنه في أدلةِ القائلينَ بـالجوازِ دفعاً للتكرارِ.

الطريقُ الثاني:

أنه يُلَقَّنُ من غيرِهِ، فـوَجَبَ أن تَبْطُلَ صلاتُهُ كما لو تَلَقَّنَ من معلّمٍ، وصحَّحَهُ السرخسيُّ في «المبسوطِ»[39].

وعليهِ فلو كان حافظاً للقرآنِ، وقرأَ من المُصْحَفِ بلا حملٍ صحتْ صلاتُهُ؛ لانتفاءِ العملِ والتلقينِ، ومجردُ النظرِ بلا حملٍ غيرُ مُفْسِدٍ، وجزمَ به الرازيُّ وتبعهُ السرخسيُّ، وجزمَ به في «الفتحِ» و«النهايةِ» و«التبيينِ»، قال في «البحرِ»: وهو وجيهٌ كما لا يخفى[40].

وقريبٌ من هذا التعليلِ، ما ذكرهُ بعضُ الحنابلةِ: بأنه اعتمدَ في فرضِ القراءةِ على غيرِهِ، كاعتمادِهِ بحبلٍ في قيامِهِ[41].

ونُوقِشَ:

بأنَّ التلقينَ في الصلاةِ منه ما هو مُجْمَعٌ على جوازِهِ كما لو كان المُلَقِّنُ من جملةِ المصلينَ، فلو ارتجَّتِ القراءةُ على الإمامِ ففتحَ عليهِ أحدُ المصلينَ صحَّ التلقينُ بـالإجماعِ.

والتلقينُ من خارجِ الصلاةِ مختلفٌ فيهِ، والأصحُّ أنه لا يفسدُ، كالتلقينِ من داخلِها.

قال النوويُّ:
«وأما التلقينُ في الصلاةِ فلا يُبطلُها عندنا بلا خلافٍ»[42].

هذا على التسليمِ بأنَّ النظرَ في المُصْحَفِ بمنزلةِ التلقينِ، وبينهما فرقٌ:

فالتلقينُ من رجلٍ خارجِ الصلاةِ بمنزلةِ مخاطبتِهِ إذا لم يقصدِ المصلي القرآنَ، والأصلُ فيهِ المنعُ، وأما النظرُ في المُصْحَفِ والقراءةُ منهُ فلا يُتَصَوَّرُ وجودُ خطابٍ بين اثنينِ حتى يُعطى حكمَ التلقينِ من الناسِ، فهو كما لو قرأَ آيةً مكتوبةً في المحرابِ، أو على حائطِ المسجدِ، واللهُ أعلمُ.

الدليلُ الثالثُ:

روى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، قال: حدثنا وكيعٌ، قال: حدثنا سفيانُ، عن العياشِ العامريِّ، عن سويدِ بنِ حنظلةَ البكريِّ «أنه مرَّ على رجلٍ يؤمُّ قوماً في المُصْحَفِ، فضربه بَرِجْلِهِ»[43].

ورواهُ ابنُ أبي داودَ في «المصاحفِ» من طريقِ محمدِ بنِ يوسفَ، حدثنا سفيانُ، عن عياشٍ العامريِّ، عن سويدِ بنِ حنظلةَ «أنه مرَّ بقومٍ يؤمُّهم رجلٌ في المُصْحَفِ، فكرهَ ذلك في رمضانَ، ونحَّى المُصْحَفَ»[44].
[صحيحٌ].

ويُناقَشُ:

بأنه صحَّ عن عائشةَ -رضي الله عنها- جوازُهُ، فَيُحْمَلُ أثرُ سويدِ بنِ حنظلةَ على الكمالِ، أو مع عدمِ قيامِ الحاجةِ، ويُحْمَلُ أثرُ عائشةَ -رضي الله عنها- على الجوازِ، وعلى تقديرِ التعارضِ فإنه لا حجةَ لقولِ الصحابيِّ إذا عارضهُ غيرُهُ، فَيُطْلَبُ مرجحٌ خارجيٌّ.

الدليلُ الرابعُ:

ما رواهُ ابنُ أبي داودَ في «المصاحفِ» من طريقِ نهشلِ بنِ سعيدٍ، يحدّثُ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قال: «نهانا أميرُ المؤمنينَ عمرُ -رضي الله عنه- أن يؤمَّ الناسَ في المُصْحَفِ، ونهانا أن يؤمَّنا إلا المحتلمُ»[45].
[ضعيفٌ جداً][46].

الدليلُ الخامسُ:

روى الخطيبُ في «تاريخِهِ» من طريقِ أبي بلالٍ الأشعريِّ، قال: حدثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن عياشِ بنِ عمروٍ العامريِّ، عن نعيمِ بنِ حنظلةَ البكريِّ، عن عمارِ بنِ ياسرٍ «أنه كان يكرهُ أن يؤمَّ الرجلُ الناسَ بالليلِ في شهرِ رمضانَ في المُصْحَفِ»، قال: «هو من فعلِ أهلِ الكتابِ»[47].
[ضعيفٌ][48].

أدلةُ القائلينَ بـالكراهةِ:
الدليلُ الأولُ:

استدلوا بأدلةِ القائلينَ بـالتحريمِ؛ إلا أنهم حملوها على الكراهةِ.

الدليلُ الثاني:

القراءةُ من المُصْحَفِ ليس فيها إلا حملُ المُصْحَفِ بيدِهِ، والنظرُ فيهِ، وذلك جائزٌ كما لو حملَ شيئاً آخرَ إلا أننا قلنا بـكراهتِها من أجلِ أنَّ في ذلك تشبُّهاً بفعلِ أهلِ الكتابِ.

ويُناقَشُ بأكثرَ من وجهٍ:

الوجهُ الأولُ:
تعليلُ الكراهةِ بالتشبُّهِ يفتقرُ إلى أن يأتيَ في شريعتِنا ما يدلُّ على أنه من فعلِ أهلِ الكتابِ، ولا أعلمُ دليلاً مَرْفُوعاً يذكرُ أنَّ ذلك من فعلهم، ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ ولا يَصِحُّ عنهُ.

فقد روى أبو يوسفَ في «الآثارِ»، أنه قال: وبلغني عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- أنه قال:
«في الرجلِ يؤمُّ القومَ، وهو ينظرُ في المُصْحَفِ إنه يُكْرَهُ ذلك»، وقال: «كفعلِ أهلِ الكتابِ»[49].
[ضعيفٌ لانقطاعِهِ].

ورُوِيَ صحيحاً من قولِ إبراهيمَ النخعيِّ.

فقد روى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، حدثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ «أنه كرهَ أن يؤمَّ الرجلُ في المُصْحَفِ كراهةَ أن يتشبهوا بأهلِ الكتابِ»[50].
[صحيحٌ عن إبراهيمَ، إلا أنه موقوفٌ عليهِ].

الوجهُ الثاني: إذا ثبتَ أنَّ ذلك الفعلَ من أهلِ الكتابِ فإنه لا يكفي حتى يثبتَ أنَّ ذلك الفعلَ مختصٌّ بهم، فيصحُّ التعليلُ بـالكراهةِ لعلةِ التشبُّهِ، فلم يثبتِ الأولُ حتى يثبتَ الثاني.

الوجهُ الثالث: لو سلَّمنا القولَ بـالكراهةِ فإنَّ الكراهةَ ترفعُها الحاجة.

الوجهُ الرابعُ: التابعونَ مختلفونَ في القراءةِ من المُصْحَفِ حالَ الصلاةِ، وأكثرُهم على الجوازِ، فيكونُ قولُ الإمامِ إبراهيمَ النخعيِّ قولَ فقيهٍ معارضاً بمثلِهِ.

فهذا الزهريُّ والحسنُ البصريُّ ومحمدُ بنُ سيرينَ وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ، والحكمُ، وعائشةُ بنتُ طلحةَ وغيرُهم لا يَرَوْنَ بأساً من القراءةِ بـالمُصْحَفِ في الصلاةِ[51].

أدلةُ من قال بـالجوازِ مطلقاً:
الدليلُ الأولُ:

قال تعالى: ﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴾ [المزمل: 20].

وقال ﷺ: «لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ»، اتفقَ عليه البخاريُّ ومسلمٌ[52]. والنصوصُ الشرعيةُ مطلقةٌ ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ [مريم: 64] فلم تفرقِ النصوصُ بين أن يقرأَ ذلك عن حفظٍ أو نظرٍ في المُصْحَفِ، ومن قيَّدَ القراءةَ بأن تكون حفظاً فعليه الدليلُ، فالنصوصُ المطلقةُ جاريةٌ على إطلاقِها لا يقيدُها إلا نصوصٌ مثلُها، والأصلُ صحةُ الصلاةِ.

الدليلُ الثاني:

روى ابنُ أبي شيبةَ، حدثنا وكيعٌ، قال: حدثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبي بكرِ بنِ أبي مليكةَ، «أنَّ عائشةَ أعتقتْ غلاماً لها عن دُبُرٍ، فكان يؤمُّها في رمضانَ في المُصْحَفِ»[53].

[صحيحٌ من روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ عن أبيهِ، ومن روايةِ عروةَ عنها، ورواهُ البخاريُّ معلقاً عن عائشةَ مجزوماً بهِ][54].

ونُوقِشَ هذا:

بأنَّ أثرَ عائشةَ في النفلِ، والنفلُ أوسعُ من الفرضِ، ويُغْتَفَرُ فيهِ ما لا يُغْتَفَرُ في الفرضِ، ولهذا صحَّ النفلُ راكباً، ومتجهاً لغيرِ القبلةِ، وجالساً مع القدرةِ على القيامِ بخلافِ الفريضةِ، والحاجةُ إلى فعلِهِ في النافلةِ أكثرُ؛ لطولِ القيامِ وكثرةِ القراءةِ، بخلافِ الفريضةِ، فإنه مأمورٌ بتخفيفِها إذا صلى بالناسِ.

وَرُدَّ هذا النقاشُ:

بأنَّ النفلَ والفرضَ عبادتانِ من جنسٍ واحدٍ، فما صحَّ في أحدهما صحَّ في الأخرى إلا بدليلٍ يدلُّ على افتراقِ النافلةِ عن الفريضةِ، وما ذُكِرَ من صحةِ النفلِ راكباً وقاعداً من غيرِ عذرٍ كلُّ ذلك ثبتَ بالنصِّ الخاصِّ الصريحِ على افتراقِ الفريضةِ عن النافلةِ، فأين النصُّ الخاصُّ الصريحُ على اختصاصِ القراءةِ من المُصْحَفِ بالنافلةِ حتى يُقَالَ بمقتضاهُ، فلا اختصاصَ لأحدهما بصفةٍ إلا بنصٍّ، وما لم يَرِدْ فيه نصٌّ فالأصلُ أنَّ صفتَهما واحدةٌ، فيما يَجِبُ، ويُسْتَحَبُّ، ويُكْرَهُ، ويُبَاحُ.

فإن قيلَ: لم يكن من عملِ الناسِ في الفريضةِ، والأصلُ في العباداتِ المنعُ.
فالجوابُ:

هذا صحيحٌ لو أنه لم يثبتْ فعلُهُ في النافلةِ من قبلِ بعضِ الصحابةِ، أما وقد صحَّ ذلك في النافلةِ فإبطالُ العبادةِ أو كراهتُها يفتقرُ إلى دليلٍ، والأصلُ صحةُ العبادةِ.

الدليلُ الثالثُ:

ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، من طريقِ عيسى بنِ طهمانَ، قال: حدثني ثابتٌ البنانيُّ، قال: «كان أنسٌ يصلي، وغلامُهُ يمسكُ المُصْحَفَ خلفَهُ، فإذا تَعَايَا في آيةٍ فتحَ عليهِ»[55].
[حسنٌ][56].

لو كان في حملِ المُصْحَفِ في الصلاةِ مفسدةٌ لما جازَ حملُهُ لمصلحةٍ مظنونةٍ، فقد يحتاجُ الإمامُ إلى الفتحِ وقد لا يحتاجُ، وكان يمكنُ للإمامِ إذا ارتجَّتْ عليهِ الآيةُ أن يدَعَها وينتقلَ لغيرِها، وإذا ارتجَّتْ عليهِ السورةُ انتقلَ إلى سورةٍ أخرى، فإذا جازَ حملُ المُصْحَفِ للفتحِ على الإمامِ جازَ حملُ المُصْحَفِ لـالقراءةِ من بابِ أولى.

الدليلُ الرابعُ:

وقال أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ نصرِ بنِ الحجاجِ المروزيُّ (المتوفى: 294)، في «قيامِ الليلِ» (كما في المختصر):
«سُئِلَ ابنُ شهابٍ -رحمه الله- عن الرجلِ يؤمُّ الناسَ في رمضانَ في المُصْحَفِ قال: ما زالوا يفعلونَ ذلك منذ كان الإسلامُ كان خيارُنا يقرءونَ في المصاحفِ»[57].
[تفرَّدَ به ابنُ أخي الزهريِّ عن عمِّهِ ولعلهُ يُحْتَمَلُ في نقلِ مثلِ هذا الأثرِ][58].

الدليلُ الخامسُ:

النهيُ عن القراءةِ من المُصْحَفِ في الصلاةِ راجعٌ إلى أحدِ أمرينِ:

إما: لحملِ المُصْحَفِ وقلبِ الصفحةِ إذا فرغَ من قراءتِها، ووضعِهِ إذا ركعَ، وأخذِهِ إذا رفعَ.

وإما: إلى النظرِ في المُصْحَفِ والقراءةِ منهُ.

فأما الأولُ: فقد دلَّ الدليلُ على أنَّ جنسَهُ لا يفسدُ الصلاةَ:

فقد روى الشيخانِ من طريقِ مالكٍ، عن عامرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، عن عمروِ بنِ سليمٍ الزرقيِّ، عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ، «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يصلي، وهو حاملٌ أمامةَ بنتَ زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ، ولأبي العاصِ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ فإذا سجدَ وضعَها، وإذا قامَ حملَها»[59].

فإذا لم يؤثرِ الحملُ والوضعُ والرفعُ فيما ليس من مصلحةِ الصلاةِ، كان حملُ المُصْحَفِ ووضعُهُ ورفعُهُ لا يؤثرُ من بابِ أولى؛ لكونِهِ لمصلحةِ الصلاةِ، وأداءِ سنةِ القراءةِ، فلم يبقَ إلا قلبُ الورقةِ من المُصْحَفِ إذا فرغَ من قراءتِها، وهو عملٌ يسيرٌ جداً، لا يمكنُ أن يعودَ على الصلاةِ بالبطلانِ.

ولو سلَّمنا أنه من العملِ الكثيرِ:
فإنه ليس من الكثيرِ المتصلِ، فإذا تفرَّقَ العملُ الكثيرُ لم يؤثرْ.
ومع التسليمِ بأنه لا فرقَ بين الكثيرِ المتصلِ والمتفرِّقِ، فإنَّ الكثيرَ إذا كان في مصلحةِ الصلاةِ ويُؤَدَّى به فرضُها لا يُبطلُها.
وسوف تكونُ الحركةُ في الصلاةِ موضعَ بحثٍ إن شاءَ اللهُ تعالى في مبحثٍ مستقلٍّ.

وأما النظرُ في المُصْحَفِ والقراءةُ منهُ:
فليس من مبطلاتِ الصلاةِ؛ لأنَّ المنعَ إن كان من أجلِ النظرِ في المُصْحَفِ فإنَّ نظرَهُ إلى المُصْحَفِ كنظرِهِ إلى سائرِ الأشياءِ التي ينظرُ إليها في صلاتِهِ، الأصلُ فيهِ الإباحةُ، والمحرمُ منه رفعُ بصرِهِ إلى السماءِ كما في الحديثِ الصحيحِ: «ما بالُ أقوامٍ يرفَعونَ أبصارَهم إلى السماءِ في صلاتِهم، فاشتَدَّ قولُهُ في ذلك حتى قال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارُهم»، وهذا ليس منه، ولأنه لو نظرَ إلى مكتوبٍ، وفهمَهُ بقلبِهِ لم تَفْسُدْ صلاتُهُ بـالإجماعِ، فكذلك نظرُهُ إلى المُصْحَفِ.

💡 وإذا كان النظرُ والفكرُ لا يُبْطِلُ الصلاةَ بالاتفاقِ في غيرِ المُصْحَفِ، ففيهِ أولى، فقد حكى أبو الطيبِ الطبريُّ وغيرُهُ من الشافعيةِ الإجماعَ على أنه لو تفكَّرَ طويلاً، أو نظرَ طويلاً لم تَبْطُلْ صلاتُهُ، فكذلك إذا جمعَ بينهما.

وإن كان المنعُ من أجلِ القراءةِ من المُصْحَفِ، لا من أجلِ النظرِ إليهِ، فإنَّ قراءةَ القرآنِ هي من عملِ الصلاةِ، فكيف تكونُ سبباً في المنعِ، واللهُ أعلمُ.

الدليلُ السادسُ:

أكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ النظرَ في المُصْحَفِ عبادةٌ.

قال النوويُّ: لم أرَ فيه خلافاً، فإذا نظرَ فيه، فقرأَ بلسانِهِ ما يُشْرَعُ له قراءتُهُ لم تَبْطُلْ صلاتُهُ؛ لأنَّ انضمامَ العبادةِ إلى عبادةٍ أخرى لا يُفْسِدُها.

دليلُ من فَرَّقَ بين الفرضِ والنفلِ:

أثرُ عائشةَ وأثرُ أنسٍ -رضي الله عنهما- في القراءةِ من المُصْحَفِ ثابتٌ في صلاةِ النفلِ، ولم يأتِ دليلٌ على إباحتِهِ في الفريضةِ، والأصلُ في العباداتِ المنعُ، ولا يَصِحُّ قياسُ الفريضةِ على النافلةِ؛ لأنه من قياسِ الأعلى على الأدنى، والنفلُ أوسعُ من الفرضِ، ويُغْتَفَرُ فيهِ ما لا يُغْتَفَرُ في الفرضِ.

ولأنَّ النفلَ خاصةً قيامَ الليلِ يحتاجُ فيه المصلي إلى تطويلِ القراءةِ، فَيُحْتَاجُ القراءةُ من المُصْحَفِ بخلافِ الفريضةِ، ولأنَّ القراءةِ من المُصْحَفِ فيها فضيلةُ قراءةِ كاملِ القرآنِ، فيستفيدُ المسلمُ من تدبُّرِ كاملِ الكتابِ، والإفادةِ من مواعظِهِ بخلافِ القراءةِ من الحفظِ، فأكثرُ المسلمينَ لا يحفظونَ القرآنَ.

وسبقَ الجوابُ على هذا الدليلِ بما يكفي في أدلةِ القائلينَ بـالجوازِ.

التفريقُ بين الحافظِ وغيرِهِ:

أنَّ الحافظَ ليس محتاجاً لحملِ المُصْحَفِ والقراءةِ منهُ، فـيَحْرُمُ أو يُكْرَهُ له -بحسبِ الخلافِ- حملُ المُصْحَفِ والنظرُ إليهِ، بخلافِ غيرِ الحافظِ فإنه محتاجٌ للنظرِ إلى المُصْحَفِ.

دليلُ من قال يُكْرَهُ في الفرضِ وفي أثناءِ النفلِ دونَ أولِهِ:
أما كراهتُهُ في الفرضِ:

فسبقَ ذكرُ الأدلةِ والجوابُ عليهِ.

وأما التفريقُ بين جوازِ النظرِ في المُصْحَفِ من ابتداءِ النفلِ لا في أثنائِهِ:

فذلك أنَّ الذي ينظرُ في المُصْحَفِ في أثناءِ النفلِ إذا شكَّ في قراءتِهِ فسيحملُهُ ذلك على تقليبِ صفحاتِ المُصْحَفِ إلى أن يصلَ إلى موضعِ قراءتِهِ، فكان ذلك شغلاً في صلاتِهِ، والذي يصلي في المُصْحَفِ من ابتداءِ النفلِ سوف يفتحُهُ قبل أن يدخلَ في الصلاةِ، ويجعلُ أمامَهُ الموضعَ الذي يريدُ قراءتَهُ في صلاتِهِ، فينظرُ من غيرِ أن يشتغلَ بشيءٍ إلا بتحويلِ الورقةِ التي أكملَ قراءتَها، وذلك يسيرٌ[60].

الراجحُ:

أنَّ النظرَ في المُصْحَفِ لا بأسَ بهِ مطلقاً في الفرضِ والنفلِ، وكونُ الحاجةِ إليهِ في النفلِ أكثرَ منهُ في الفرضِ فذلك لا يعني كراهتَهُ في الفرضِ، فـالكراهةُ حكمٌ شرعيٌّ يحتاجُ إلى دليلٍ شرعيٍّ، وهي تقومُ على أمرينِ:

إما: النهيُ غيرُ الجازمِ، ولم يُحْفَظْ ذلك في النصوصِ الشرعيةِ.

وإما: أن يترتَّبَ على الفعلِ تركُ سننٍ مؤكدةٍ بلا مصلحةٍ تعودُ للعبادةِ، وهو ما يُعَبَّرُ به عند الأصوليينَ بـخلافِ الأولى، وهو أدنى درجاتِ الكراهةِ، كما في قولِهِ ﷺ: «إني كرهتُ أن أذكرَ اللهَ على غيرِ طُهْرٍ» حين تيمَّمَ لردِّ السلامِ، فذكرُ اللهِ لا يُكْرَهُ أبداً؛ ولكنَّهُ في الطهرِ أكملُ، فعَبَّرَ عنه الفقهاءُ بخلافِ الأكملِ والأولى، وهذا أيضاً لا يتحقَّقُ في حملِ المُصْحَفِ في الفريضةِ، وإذا تركَ وضعَ اليدينِ بعضِهما على بعضٍ في الصلاةِ بسببِ حملِ المُصْحَفِ فقد ترَكَهما إلى ما هو أولى منهما في العبادةِ، من كثرةِ القراءةِ وطولِ القيامِ، والمصاحفُ اليومَ خفيفةُ الحملِ، تُحْمَلُ في الجيبِ، وبقدرِ الكفِّ، فلو أنَّ رجلاً نظرَ في المُصْحَفِ في صلاةِ الصبحِ لم أكْرَهْ له هذا الفعلَ إنِ احتاجَ إلى ذلك، واللهُ أعلمُ.

الحواشي والمراجع

[1] «التبيان في حملة القرآن» (ص: 100)، وانظر: «تفسير القرطبي» (1/28)، «إحياء علوم الدين» (1/279).

[2] «المصنف» (8558).

[3] ورواه عبد الرزاق في «المصنف» (5979)، والفريابي في «فضائل القرآن» (15، 149) ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (9/139، 141) ح 8687، 8696، والبيهقي في «الشعب» (2028).

[4] «فضائل القرآن» (ص: 104).

[5] فيه أكثر من علة، في إسناده بقية بن الوليد، [مدلس تدليس تسوية].

وفي إسناده معاوية بن يحيى، قال ابن كثير:
وهذا الإسناد [ضعيف]؛ فإن معاوية بن يحيى وهو الصدفي، أو الأطرابلسي، وأيًّا ما كان فهو [ضعيف]. انظر «فضائل القرآن» لـابن كثير (ص: 210).

[6] الطبراني في «الكبير» (1/221) ح 601، والبيهقي في «الشعب» (2026).

[7] «العلل» لـابن أبي حاتم (6271)،

في إسناده أبو سعيد بن عوذ المكي، قال ابن عدي في «الكامل» (9/206):
«ولـأبي سعيد بن عوذ هذا غير ما ذكرت، ومقدار ما يرويه [غير محفوظ]».

وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/165):
«رواه الطبراني، وفيه أبو سعيد بن عوذ، وثقه ابن معين في رواية، وضعفه في أخرى، وبقية رجاله ثقات».

[8] «معجم ابن المقرئ» (498)، و«شعب الإيمان» لـالبيهقي (2027)، و«حلية الأولياء» (7/109).

[9] «ميزان الاعتدال» (1/471).

وقال في «ديوان الضعفاء» (874):
له حديث [منكر] في قراءة المصحف.

وقال أبو نعيم في «الحلية» (7/209):
[غريب]، تفرد به الحر بن مالك. اهـ

قلت: لو كان هذا من حديث شعبة لحفظه عنه أصحابه، ولمَّا تفرد به الحر بن مالك.

وقال ابن عدي في «الكامل» (3/387):
«وللحر عن شعبة، وعن غيره أحاديث ليست بالكثيرة، وأما هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد فـ[منكر]».

وقال أبو حاتم عن الحر بن مالك:
لا بأس به.

وذكره ابن حبان في «الثقات».

وقال ابن حجر في «التقريب»:
صدوق.

وأعله الذهبي بأن المصاحف اتخذت بعد النبي ﷺ.

قال ابن حجر في «لسان الميزان»:
وهذا التعليل [ضعيف]، ففي «الصحيحين»: أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو، وما المانع أن يكون الله أطلع نبيه على أن أصحابه سيتخذون المصاحف؟ لكن الحر [مجهول الحال].

قلت: ليس مجهولًا، وقد قال فيه أبو حاتم على تشدده: لا بأس به، لكن لا يحتمل تفرده عن شعبة بمثل هذا الحديث، وهو ما جعل ابن عدي يقول: إنه [منكر].

[10] «شعب الإيمان» (2029).

[11] في إسناده عنبسة بن عبد الرحمن الكوفي، قال أبو حاتم:
[متروك الحديث]، كان [يضع الحديث].

وقال ابن حبان:
هو صاحب أشياء [موضوعة]، لا يحل الاحتجاج به.

ونقل الترمذي في «السنن» (5/60)، عن البخاري أنه قال:
[ضعيف في الحديث ذاهب].

والراوي عنه حفص بن عمر [ضعيف الحديث].

وعزاه السيوطي في «الجامع الصغير» من رواية الحكيم الترمذي والبيهقي في «الشعب».

[12] رواه عفيف الدين أبو المعالي في «فضل العلم» (1/115) نقلاً من «السلسلة الضعيفة» لـالألباني (4/201)، وقال:
هذا إسناد [ضعيف جدًّا]، سليمان بن الربيع النهدي تركه الدارقطني، ومثله شيخه همام بن مسلم.

[13] انظر: «تفسير ابن كثير» ت سلامة (1/68).

[14] «البرهان في علوم القرآن» لـالزركشي (1/463).

[15] «البرهان في علوم القرآن» لـالزركشي (1/463).

[16] «صحيح البخاري» (5030)، و«صحيح مسلم» (1425-76).

[17] «تفسير ابن كثير» ت سلامة (1/68).

[18] «فتح الباري» لـابن حجر (9/78).

[19] اختلف فيه على حميد بن هلال:

فقيل: عنه، عن هشام بن عمر.

رواه أحمد (4/16) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص: 91)، وأبو داود (3215)، والنسائي في «المجتبى» (2015)، وفي «الكبرى» (2153)، وأبو يعلى في «المسند» (1553)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (2144)، والطبراني في «الكبير» (22/173) ح 449، وعمر بن شبة في «تاريخ المدينة» (1/131)، وأبو نعيم في «الحلية» (9/29)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/580)، من طريق سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر.

ورواه أيوب السختياني، عن حميد بن هلال، واختلف على أيوب:

فقيل: عنه، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر. كرواية سليمان بن المغيرة.

• رواه سفيان الثوري كما في «سنن أبي داود» (3216)، و«المعرفة والتاريخ» لـيعقوب بن سفيان (3/155)، والنسائي في «المجتبى» (2010، 2018،)، وفي «الكبرى» (2148)، والطبري في «تهذيب الآثار، مسند عمر» (751)، والطبراني في «الكبير» (22/172) ح 447، والبيهقي في «الدلائل» (3/296)، وفي «السنن الكبرى» (3/580).

• وسفيان بن عيينة كما في «مصنف عبد الرزاق» (6501)، وأحمد (4/19)، والنسائي في «المجتبى» (2018)، وفي «الكبرى» (2156)، والطبراني في «الكبير» (22/172) ح444،

• ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (4/55) من طريق الفريابي، حدثنا سفيان به. ولم يتميز لي سفيان، فيحتمل أنه الثوري، ويحتمل أنه ابن عيينة، وكلاهما روى عنه الفريابي، وكلاهما روى الحديث عن أيوب، وأيًّا كان فالمدار على ثقة.

• وإسماعيل بن علية، كما في «مسند أحمد» (4/20)، و«فضائل القرآن» لـأبي عبيد (ص: 09)، و«سنن سعيد بن منصور» (2582)، و«تهذيب الآثار» لـالطبري مسند عمر (947)،

• ومعمر بن راشد كما في «مصنف عبد الرزاق» مقرونًا بغيره (6501)، وعنه أحمد (4/02)، والطبراني في «الكبير» (22/172) ح 444.

أربعتهم (الثوري، وابن علية، ومعمر وابن عيينة) عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر كرواية سليمان بن المغيرة.

قال ابن أبي حاتم في «المراسيل» (171):
سمعت أبي يقول: حميد بن هلال لم يَلْقَ هشام بن عامر، يدخل بينه وبين هشام أبو قتادة العدوي. ويقول بعضهم: عن أبي الدهماء. والحفاظ لا يدخلون بينهم أحدًا: حميد عن هشام. قيل له: فأي ذلك أصح؟ قال: ما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد عن هشام». اهـ فعلى هذا يكون أبو حاتم قد رجح أنه منقطع.

وقد قال في «الجرح والتعديل» (9/63):
هشام بن عامر بن عمار روى عنه حميد بن هلال مرسل.

قلت: قد صرح حميد بالإخبار عن هشام بن عامر من رواية معمر، عن أيوب، إلا أن الباحث يخشى أن يكون هذا من تصرف الرواة عن حميد.

وقد خالف هؤلاء الأربعة عبد الوارث بن سعيد، فرواه عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي الدهماء (قِرْفة بن بُهَيْس، وقيل: بُهَيْس) عن هشام بن عامر، فزاد في إسناده أبا الدهماء.

رواه أحمد (4/20)، وأبو يعلى في «المسند» (1558) عن عبد الصمد. والترمذي (1713)، وابن ماجه (1560) حدثنا أزهر بن مروان، والنسائي في «المجتبى» (2017)، وفي «الكبرى» (2155)، والطبراني في «الكبير» (22/173) ح 448، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/55)، من طريق مسدد، ثلاثتهم (عبد الصمد، وأزهر، ومسدد) عن عبد الوارث، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي الدهماء به.

وزيادة أبي الدهماء زيادة [شاذة]؛ لمخالفة عبد الوارث أربعة من أصحاب أيوب: وهم: الثوري، وابن عيينة، ومعمر، وابن علية، والله أعلم.

وقيل فيه: عن حميد بن هلال، عن سعد بن هشام بن عامر، عن أبيه هشام بن عامر.

أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (88763)، وابن شبة في «تاريخ المدينة» (1/131)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (3/551)، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني كما في «المجتبى من سنن النسائي» (2016)، وفي «الكبرى» (2154). وإسماعيل بن إسحاق القاضي كما في «السنن الكبرى» لـالبيهقي (4/55). وأحمد بن ملاعب البغدادي كما في «الدلائل» لـالبيهقي (3/297) ستتهم رووه عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد، عن سعد بن هشام بن عامر، عن أبيه.

وتابعه جرير بن حازم، فرواه عن حميد، عن سعد بن هشام به.

رواه أحمد (4/20)، وأبو داود (3217)، والنسائي في «المجتبى» (2011)، وفي «الكبرى» (2149)، والطبري في «تهذيب الآثار، مسند عمر» (2/524)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/580)، من طريق جرير بن حازم، عن حميد بن هلال، عن سعد بن هشام به.

قال أبو حاتم الرازي كما في «العلل» لابنه (1043):
أيوب وسليمان بن المغيرة أحفظ من جرير بن حازم، إشارة إلى ترجيح رواية حميد، عن هشام بن عامر على الانقطاع.

وخالفهم أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي، رواه الطبراني (22/172)، عنه، والحارث بن أبي أسامة كما في «معرفة الصحابة» لـأبي نعيم (5174)، كلاهما عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر.

وهذه متابعة لرواية سليمان بن المغيرة، وأيوب من رواية الثوري، وابن علية، ومعمر وابن عيينة عنه، وقد تم تخريجها.

فصار سليمان بن حرب تارة يرويه عن حماد بن زيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن هشام.

وتارة يرويه عن حماد، عن أيوب، عن حميد، عن سعد بن هشام، عن أبيه.

فالذي يظهر لي أن الراجح في الحديث: أنه [معلول] بالانقطاع كما قال أبو حاتم الرازي، والله أعلم.

[20] «المسند» (1/223).

[21] رواه أحمد (1/223)، ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (9/232)، والدارمي (9433)، والترمذي (2913)، والطبراني في «الكبير» (12/109) ح 12619، والحاكم في «المستدرك» (2037)، والبيهقي في «الشعب» (1793)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (186)، وابن بطة في «الإبانة» (166)، وغيرهم من طريق جرير بن عبد الحميد به.

قال الترمذي:
هذا حديث [حسن صحيح].

وصححه الحاكم، واستدرك عليه الذهبي وابن الملقن، فقالا:
فيه قابوس أحد رواته، وهو [لين].

وضعفه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (4/660).

[22] «صحيح البخاري» (2990)، و«مسلم» (1869) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر.

ورواه مسلم من طريق أخرى عن نافع.

[23] «فتح الباري» (9/79)، «البرهان في علوم القرآن» (1/463)، «الإتقان في علوم القرآن» (374/1).

[24] «الأذكار» لـالنووي ط ابن حزم (ص: 206).

[25] «الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير» (ص: 97)، «الأصل» لـالشيباني ط القطرية (1/771)، «المبسوط» (1/201)، «النتف في الفتاوى» لـالسغدي (1/51)، «بدائع الصنائع» (1/632)، «الهداية شرح البداية» (1/63)، «العناية شرح الهداية» (1/402)، «البحر الرائق» (2/11).

واختلف عن أبي حنيفة في القدر المبطل:

فالمشهور أنها تبطل بالقليل والكثير.

وقيل: بالآية، وقيل: بقدر الفاتحة. انظر «فتح القدير» (1/402).

وقال ابن مفلح في «الفروع» (2/268):
و«عنه تبطل فرضًا، وقيل: ونفلًا وفاقًا لـأبي حنيفة».

وانظر: «المبدع» (1/440)، «الإنصاف» (2/109).

[26] «المحلى»، مسألة (401).

[27] «المبدع» (1/440)، «الإنصاف» (2/109)، «الفروع» (2/268).

[28] «فتح العزيز» (4/130)، «المجموع» (4/95)، «حلية العلماء» (2/89)، «روضة الطالبين» (1/294)، «البيان» لـالعمراني (2/311)، «أسنى المطالب» (1/149)، «تحفة المحتاج» (2/34)، «مغني المحتاج» (1/353)، «الإنصاف» (2/109)، «شرح منتهى الإرادات» (1/211)، «الإقناع» (1/132)، «كشاف القناع» (1/384).

[29] «المجموع» (4/95).

[30] «المبسوط» (1/201)، «بدائع الصنائع» (1/236)، «البحر الرائق» (2/11).

[31] «مختصر خليل» (ص: 39)، «التهذيب في اختصار المدونة» (1/374، 375)، «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (1/316)، «الإنصاف» (2/109)، «المبدع» (1/440).

[32] «الإنصاف» (2/109)، «المبدع» (1/440)، «مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج» (495).

[33] «شرح منتهى الإرادات» (1/211).

[34] قال خليل في «مختصره» في معرض بيان ما يكره (ص: 39):
«ونظر بمصحف في فرض، أو أثناء نفل، لا أوله».

وقال الخرشي (2/11):
«يكره قراءة المصلي في المصحف في صلاة الفرض، ولو دخل على ذلك من أوله؛ لاشتغاله غالبًا، ويجوز ذلك في النافلة إذا ابتدأ القراءة في المصحف، لا في الأثناء فـيكره».

وانظر: «المدونة» (1/288)، «الجامع لمسائل المدونة» (3/1190)، «التاج والإكليل» (2/382)، «الذخيرة» لـالقرافي (2/408)، «منح الجليل» (1/345)، «جامع الأمهات» (ص: 133)، «شرح الزرقاني في مختصر خليل» (1/501).

[35] «المغني» (1/411)، «الإنصاف» (2/109)، «الفروع» (2/268).

[36] «صحيح البخاري» (1216).

[37] «صحيح البخاري» (1216).

[38] «المبسوط» (1/201)، «مجمع الأنهر» (1/120)، «بدائع الصنائع» (1/236)، «البحر الرائق» (2/11).

[39] «المبسوط» (1/201)، «البحر الرائق» (2/11).

[40] «حاشية ابن عابدين» (1/624)، «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح» (ص: 336)، «تبيين الحقائق» (1/158)، «فتح القدير» (1/402).

[41] «المبدع» (1/440).

[42] «المجموع» (4/95).

[43] «المصنف» (7224).

[44] «المصاحف» لـابن أبي داود (ص: 453).

[45] «المصاحف» لـابن أبي داود (449).

[46] في إسناده علتان:

إحداهما: نهشل بن سعيد، [متروك]، وكذبه إسحاق.

الثانية: أن الضحاك قد صرح بأنه لم يسمع من ابن عباس -رضي الله عنهما-، انظر «تهذيب الكمال» (13/293، 294).

وقال يحيى القطان:
كان شعبة ينكر أن يكون الضحاك لقي ابن عباس قط.

[47] «تاريخ بغداد» (9/130).

[48] في إسناده أبو بلال الأشعري ضعفه الدارقطني.

وعباس بن عمرو العامري الصحيح عياش بن عمرو العامري.

ونعيم بن حنظلة البكري وثقه العجلي وابن حبان، وقال الذهبي في «الميزان» (4/270): لا يعرف.

وأظن أن هذا التخليط من أبي بلال الأشعري، فإن الأثر روي عن عياش بن عمرو العامري، عن سويد بن حنظلة من قوله، وليس عن نعيم بن حنظلة، وليس فيه عمار بن ياسر، وقد سبق تخريجه، والله أعلم.

[49] «الآثار» لـأبو يوسف (171).

[50] «المصنف» (7226).

[51] أما أثر الزهري فسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في أدلة القائلين بـالجواز، وأما الآثار عن غيره، فإليك تخريجها:

فقد روى ابن أبي شيبة في «المصنف» (7215)، قال: حدثنا الثقفي، عن أيوب، قال: كان محمد (ابن سيرين) لا يرى بأسًا أن يؤم الرجل القوم في المصحف. وسنده صحيح.

وروى ابن أبي شيبة أيضًا (7219)، حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن الحكم في الرجل يؤم في رمضان يقرأ في المصحف، رخص فيه. وسنده صحيح.

وروى ابن أبي شيبة (7220) حدثنا أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور، عن الحسن ومحمد، قالا: لا بأس به. وسنده صحيح.

وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» (7221) حدثنا أبو داود، عن رباح بن أبي معروف، عن عطاء، قال: لا بأس به. ورباح ضعفه ابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم وأبو زرعة وأحمد: صالح. وحدث عنه أحمد.

وقال ابن عدي:
ما أرى بروايته بأسًا، ولم أجد له حديثًا منكرًا.

وفي «التقريب»:
[صدوق له أوهام].

وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» (7218) حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عائشة ابنة طلحة أنها كانت تأمر غلامًا أو إنسانًا يقرأ في المصحف يؤمها في رمضان. وسنده صحيح.

[52] «صحيح البخاري» (756)، و«صحيح مسلم» (394-34).

[53] «المصنف» (7217).

[54] ورواه أبو بكر بن أبي داود (457) من طريق وكيع به.

ورواه ابن وهب في «الجامع» (305)، وفي «موطئه» (303)، وأبو بكر بن أبي داود في «المصاحف» (457)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/359)، وفي «الخلافيات» (2168)، من طريق أيوب السختياني، عن ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي ﷺ كان يؤمها غلامها ذكوان من المصحف.

ورواه البخاري تعليقًا مجزومًا به (1/140)، قال في «صحيحه»:
وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف.

جاء في «فتح الباري» لـابن رجب (6/169):
«رواه عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، وذكر أحمد أنه أصح من حديث ابن أبي مليكة؛ لأن هشام بن عروة لم يسمعه من ابن أبي مليكة، إنما بلغه عنه».

قلت: رواه هشام بن عروة عن أبيه أيضًا في «موطأ مالك»، فقد رواه مالك في «الموطأ» (1/116) عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن ذكوان أبا عمرو، وكان عبدًا لـعائشة زوج النبي ﷺ، فأعتقته عن دبر منها، كان يقوم يقرأ لها في رمضان. اهـ ولم يذكر المصحف.

[55] «المصنف» (7223).

[56] عيسى بن طهمان [حسن الحديث]، قال النسائي وابن معين وأبو حاتم: لا بأس به، وخالفهم ابن حبان، فقال بضعفه.

[57] «مختصر قيام الليل» (ص: 233).

[58] رواه أبو بكر بن أبي داود في «المصاحف» (460) من طريق أبي الطاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد الله ابن أخي ابن شهاب، عن عمه: عن رجل يصلي لنفسه، أو يؤم قومًا، هل يقرأ في المصحف؟ … وذكر الأثر دون قوله: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف.

[59] «صحيح البخاري» (516)، و«صحيح مسلم» (543-41).

[60] انظر «البيان والتحصيل» (1/463).

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *