موقع الشيخ دبيان الدبيان

الموقع الرسمي للشيخ دبيان الدبيان يعنى بالبحوث الفقهية المؤصلة، والنوازل المستجدة، وتحريرها وفق الأصول الشرعية المنضبطة، تحريرًا فقهيًا حديثيًا أصوليًا مقاصديًا.

جمعية الموظفين

المسألةُ الأولى: في جمعيةِ الموظفينَ إذا كانت خاليةً من الشروطِ

📌 المدخلُ إلى المسألةِ:

كل منفعة متمحضة للمقرض، أو كانت في جانب المقرض أقوى فهي حرام.
كل منفعة متمحضة للمقترض أو كانت في جانب المقترض أقوى فهي مباحة.

جمعيةُ الموظفينَ:
أن يتفقَ عددٌ من الموظفينَ يعملونَ في الغالبِ في جهةٍ واحدةٍ مدرسةٍ، أو دائرةٍ أو غيرِهما، على أن يدفعَ كلُّ واحدٍ منهم مبلغاً من المالِ مساوياً في العددِ لما يدفعُهُ الآخرونَ، وذلك عند نهايةِ كلِّ شهرٍ، ثم يُدْفَعُ المبلغُ كلُّهُ لواحدٍ منهم، وفي الشهرِ الثاني يُدْفَعُ لآخرَ، وهكذا حتى يتسلَّمَ كلُّ واحدٍ منهم مثلَ ما تسلَّمَهُ مَن قبلَهُ، سواءً بسواءٍ دونَ زيادةٍ أو نقصٍ[1].

فإذا كانت جمعيةُ الموظفينَ خاليةً من أيِّ شروطٍ زائدةٍ؛ بحيثُ يحقُّ لمن أرادَ من المشتركينَ أن ينسحبَ في الدورةِ الأولى قبلَ أن يقترضَ: جَازَ له ذلك.

أما من اقترضَ، فليس لهُ حقُّ الانسحابِ حتى تدورَ الجمعيةُ دورةً كاملةً، أو يسدِّدَ لكلِّ منهم ما اقترضَهُ منهُ عند طلبِهِ؛ لأنهُ بتسلُّمِهِ المبلغَ من الجمعيةِ أصبحَ مقترضاً من المشاركينَ، فيلزمُهُ تسديدُ ما اقترضَهُ منهم.

وقد اختلفَ العلماءُ المعاصرونَ في حكمِ هذهِ الصورةِ على قولينِ:

القولُ الأولُ: القولُ بـالجوازِ.
وبهِ قال من المتقدمينَ وليُّ الدينِ العراقيُّ، والقليوبيُّ من الشافعيةِ، وصدرَ بذلك قرارُ مجلسِ هيئةِ كبارِ العلماءِ السعوديةِ بالأكثريةِ، وهو قولُ الشيخينِ ابنِ بازٍ، وشيخِنا ابنِ عثيمينَ والشيخِ ابنِ جبرينَ[2].

جاءَ في «حاشيةِ قليوبيٍّ»:
«فرعٌ: الجمعةُ المشهورةُ بين النساءِ بأن تأخذَ امرأةٌ من كلِّ واحدةٍ من جماعةٍ منهنَّ قدراً معيناً في كلِّ جمعةٍ أو شهرٍ، وتدفعَهُ لواحدةٍ بعدَ واحدةٍ، إلى آخرِهنَّ جائزةٌ كما قالَهُ الوليُّ العراقيُّ»[3].

وجاءَ في قرارِ هيئةِ كبارِ العلماءِ الرسميينَ في السعوديةِ:
«جرت مداولاتٌ ومناقشاتٌ لم يظهرْ للمجلسِ بعدَها بالأكثريةِ ما يمنعُ هذا النوعَ من التعاملِ؛ لأنَّ المنفعةَ التي تحصلُ للمقرضِ، لا تُنْقِصُ المقترضَ شيئاً من مالِهِ، وإنما يحصلُ المقترضُ على منفعةٍ مساويةٍ لها؛ ولأنَّ فيهِ مصلحةً لهم جميعاً من غيرِ ضررٍ على واحدٍ منهم، أو زيادةِ نفعٍ لآخرَ. والشرعُ المطهرُ لا يَرِدُ بـتحريمِ المصالحِ التي لا مضرةَ فيها على أحدٍ بل وردَ بـمشروعيتِها»[4].

القولُ الثاني: لا يجوزُ.
وبهِ قال الشيخُ صالحُ بنُ فوزانَ الفوزانُ، وكذلك الشيخُ عبدُ العزيزِ آلُ الشيخِ مفتي المملكةِ[5].

دليلُ من قال: بـالجوازِ:
الدليلُ الأولُ:

الأصلُ في المعاملاتِ الحلُّ، فلا يُحَرَّمُ منها معاملةٌ إلا بدليلٍ من كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماعٍ، أو قولِ صاحبٍ لا مخالفَ لهُ، ولم يتوفرْ مثلُ هذا في هذهِ المعاملةِ.

الدليلُ الثاني:

كلُّ الأدلةِ الدالةِ على جوازِ القرضِ تدلُّ على جوازِ هذهِ المعاملةِ؛ لأنها قائمةٌ على إقراضٍ ووفاءٍ لما اقترضَهُ، ولم تشتملْ على أيِّ منفعةٍ للمقرضِ تعودُ بـالتحريمِ على هذهِ المعاملةِ.

الدليلُ الثالثُ:

أنَّ المنفعةَ التي تحصلُ للمقرضِ، لا تُنْقِصُ المقترضَ شيئاً من مالِهِ، وإنما يحصلُ المقترضُ على منفعةٍ مساويةٍ لها؛ ولأنَّ فيهِ مصلحةً لهم جميعاً من غيرِ ضررٍ على واحدٍ منهم، أو زيادةِ نفعٍ لآخرَ. والشرعُ المطهرُ لا يَرِدُ بـتحريمِ المصالحِ التي لا مضرةَ فيها على أحدٍ، بل وردَ بـمشروعيتِها[6].

الدليلُ الرابعُ:

أنَّ فيها بديلاً عن العينةِ، والتورقِ، بل وبديلاً عن القرضِ الربويِّ القائمِ على الفائدةِ، كما أنَّ بعضَ المشاركينَ قد يكونُ هدفُهُ من المشاركةِ حفظَ مالِهِ، أو نفعَ إخوانِهِ.

دليلُ من قال: لا يجوزُ:
الدليلُ الأولُ:

أنَّ هذهِ المعاملةَ هي نفسُ معاملةِ: أقرضكَ بشرطِ أن تقرضَني، وقد حُكِيَ الإجماعُ على تحريمِها، كما سبقَ في المسألةِ الماضيةِ.

ونُوقِشَ هذا:

بأنهُ لا يظهرُ أنَّ هذهِ المعاملةَ داخلةٌ في معاملةِ أقرضكَ بشرطِ أن تقرضَني، فالجمعيةُ يمكنُ تقسيمُ المشاركينَ فيها إلى ثلاثةِ أقسامٍ:

المستفيدُ الأولُ من الجمعيةِ:
فهو يعتبرُ مقترضاً من الأعضاءِ، ثم يقومُ بالأشهرِ اللاحقةِ بتسديدِ ما اقترضَهُ، فلا يدخلُ في معاملةِ (أُقرضكَ بشرطِ أن تقرضَني).

المستفيدُ الأخيرُ من الجمعيةِ:
فهو يعتبرُ مقرضاً في جميعِ الأشهرِ، فإذا جاءَ دورُهُ فهو استردادٌ لما أقرضَهُ لا غيرَ، فلا يدخلُ في معاملةِ (أقرضكَ بشرطِ أن تقرضَني).

القسمُ الثالثُ: وهو ما بين الأولِ والأخيرِ، فهو يجتمعُ فيهِ صفةُ الوفاءِ والاقتراضِ، فإذا أخذَ دورَهُ فقسمٌ من المبلغِ استردادٌ لما أقرضَهُ ممن أخذَ قبلَهُ، وقسمٌ منهُ اقترضَهُ من بقيةِ الأعضاءِ ممن لم يَأْتِ دورُهم بعدُ، وما يدفعُهُ بعدَ ذلك هو وفاءٌ للدينِ الذي في ذمتِهِ، فلا يدخلُ فيهِ أقرضكَ بشرطِ أن تقرضَني.

الدليلُ الثاني:

أنَّ الإقراضَ يجبُ ألا يجرَّ منفعةً للمقرضِ، وإقراضُ العضوِ لغيرِهِ في هذه الجمعيةِ يجرُّ منفعةً للمقرضِ، وهذا لا يجوزُ.

ويُناقَشُ:

بأنَّ المنفعةَ في عقدِ القرضِ تنقسمُ إلى أقسامٍ:

أحدُها: أن تكونَ المنفعةَ متمحضةً للمقرضِ.
وهذهِ حرامٌ بالإجماعِ.

الثاني: أن تكونَ المنفعةُ متمحضةً للمقترضِ.
وهذهِ صحيحةٌ بالاتفاقِ، ولهذا لو أبرأَهُ من القرضِ صحَّ بالاتفاقِ.

الثالثُ: أن تكونَ المنفعةُ مشتركةً.
وهذهِ ليست على درجةٍ واحدةٍ، بل هي على ثلاثةِ أنواعٍ:

• أن يكونَ اشتراكُهما في المنفعةِ على حدٍّ سواءٍ:
ففيها خلافٌ، والصحيحُ جوازُها قياساً على صحةِ عقدِ السفتجةِ، وسيأتي بحثُها.

• أن تكونَ المنفعةُ مشتركةً، إلا أنها في جانبِ المقرضِ أقوى:
فهذهِ منفعةٌ محرمةٌ إلحاقاً لها بالمنفعةِ المتمحضةِ للمقرضِ.

• أن تكونَ المنفعةُ مشتركةً، إلا أنها في جانبِ المقترضِ أقوى:
فهذهِ جائزةٌ إلحاقاً لها بالمنفعةِ المتمحضةِ للمقترضِ، كما لو أقرضَ الوليُّ مالَ اليتيمِ، في وقتِ النهبِ والسلبِ، وكان غرضُهُ حفظَ مالِ اليتيمِ لكونِ القرضِ مضموناً على المقترضِ بخلافِ إيداعِهِ، فهنا منفعةُ المقترضِ أقوى من المقرضِ.

💡فمن خلالِ هذا التقسيمِ تكونُ المنفعةُ المحرمةُ:
هي في كلِّ منفعةٍ متمحضةٍ للمقرضِ، أو كانت المنفعةُ في جانبِ المقرضِ أقوى، وما عداها فهي جائزةُ.

فإذا حرَّرنا المنفعةَ في جمعيةِ الموظفينَ رأينا أنَّ المنفعةَ التي تحصلُ للمقرضِ تحصلُ للمقترضِ بدرجةٍ مساويةٍ لهُ، فعلى هذا لا تكونُ المنفعةُ الموجودةُ في جمعيةِ الموظفينَ مدعاةً للـتحريمِ، فإذا أُضِيفَ إلى ذلك أنَّ المنفعةَ المساويةَ التي يحصلُ عليها المقرضُ لا يقدمُها المقترضُ، بل يقدمُها غيرُهُ من الأعضاءِ صارَ المنفعةُ أَوْلَى بـالجوازِ، واللهُ أعلمُ.

الدليلُ الثالثُ:

أنَّ المقصودَ بالقرضِ هو الإرفاقُ بالمقترضِ، بينما الحاملُ لهؤلاءِ الأعضاءِ المجتمعينَ أن ينفعوا أنفسَهم، وهذا خروجٌ بالقرضِ عن مقتضاهُ.

ويُناقَشُ:

بأنَّ الإرفاقَ بالمقترضِ هو الأصلُ، ولكنهُ ليس شرطاً لـجوازِ القرضِ، فقد أجازَ بعضُ الفقهاءِ أن يكونَ الإرفاقُ في حقِّ المقرضِ، وليس في حقِّ المقترضِ.

جاءَ في «المغني»:
«فأما قرضُ مالِ اليتيمِ؛ فإذا لم يكن فيهِ حظٌّ لهُ، لم يجزْ قرضُهُ…..

قال أحمدُ:
لا يُقْرَضُ مالُ اليتيمِ لأحدٍ يريدُ مكافأتَهُ، ومودتَهُ، ويُقْرَضُ على النظرِ، والشفقةِ، كما صنعَ ابنُ عمرَ.

وقيلَ لـأحمدَ: إنَّ عمرَ استقرضَ مالَ اليتيمِ؟ قال: إنما استقرضَ نظراً لليتيمِ، واحتياطاً، إن أصابَهُ بشيءٍ غرمَهُ.

قال القاضي:
ومعنى الحظِّ أن يكونَ لليتيمِ مالٌ في بلدِهِ، فيريدُ نقلَهُ إلى بلدٍ آخرَ، فيقرضُهُ من رجلٍ في ذلك البلدِ، ليقضيَهُ بدلَهُ في بلدِهِ، يقصدُ بذلك حفظَهُ من الغررِ في نقلِهِ، أو يخافُ عليهِ الهلاكَ من نهبٍ، أو غرقٍ، أو نحوهما، أو يكونَ مما يتلفُ بتطاولِ مدتِهِ، أو حديثُهُ خيرٌ من قديمِهِ، كالحنطةِ ونحوِها، فيقرضُهُ خوفاً أن يسوسَ، أو تنقصَ قيمتُهُ، وأشباهُ هذا، فيـيجوزُ القرضُ؛ لأنهُ مما لليتيمِ فيهِ حظٌّ فـجازَ، كالتجارةِ بهِ.

وإن لم يكن فيهِ حظٌّ، وإنما قَصَدَ إرفاقَ المقترضِ، وقضاءَ حاجتِهِ، فهذا غيرُ جائزٍ؛ لأنهُ تبرعٌ بمالِ اليتيمِ، فلم يجزْ كهبتِهِ»[7].

الدليلُ الخامسُ:

ما رواهُ أحمدُ، قال: حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: حدثنا محمدُ بنُ عمروٍ، قال: حدثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: «نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعتينِ في بيعةٍ، وعن لبستينِ: أن يشتملَ أحدُكم الصماءَ في ثوبٍ واحدٍ، أو يحتبيَ بثوبٍ واحدٍ، ليس بينهُ وبينَ السماءِ شيءٌ»[8].

[تفردَ محمدُ بنُ عمروٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ بزيادةِ (في بيعةٍ) وقد رواهُ أصحابُ أبي هريرةَ بلفظِ: «نهى عن بيعتينِ وعن لبستينِ»، وهو المحفوظُ][9].

ويُناقَشُ هذا الاستدلالُ من وجوهٍ:
الوجهُ الأولُ:

الحديثُ فيهِ شذوذٌ كما تَقدَّم، فقد رأينا كيف تفردَ محمدُ بنُ عمروٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ بزيادةِ (في بيعةٍ) وأنَّ المحفوظَ: «نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعتينِ، وعن لبستينِ».

الوجهُ الثاني:

أنَّ النهيَ عن بيعتينِ في بيعةٍ، لم يَرِدْ في الشرعِ ما يفسرُ معنى الحديثِ، وليس هناك في اللغةِ، أو في العرفِ تفسيرٌ لهُ يمكنُ التحاكمُ إليهِ.

وقد اختلفَ العلماءُ في تفسيرِها على أقوالٍ كثيرةٍ، وصلتْ إلى أكثرَ من ستةِ أقوالٍ ذكرتُها في (حكمِ بيعِ العينةِ) فارجعْ إليهِ إن شئتَ.

الوجهُ الثالثُ:

على فرضِ أن يكونَ هناك نهيٌ عن بيعتينِ في بيعةٍ: فالحديثُ يتكلمُ عن البيعِ، فكيف حُمِلَ القرضُ على البيعِ، مع أننا لو حملنا القرضَ على البيعِ لـمنعنا القرضَ أصلاً.

الوجهُ الرابعُ:
📖 المقصودُ بالنهيِ عن بيعتينِ في بيعةٍ:
كلُّ عقدينِ جُمِعا في عقدٍ واحدٍ وترتبَ على جمعِهما محذورٌ شرعيٌّ.

ومنهُ: ما ذكرَهُ ابنُ تيميةَ وابنُ القيمِ في صورةِ بيعِ العينةِ.

ومنهُ: لو باعَ عليهِ ذهباً، واشترطَ عليهِ أن يشتريَ منهُ بثمنِهِ ذهباً آخرَ، فإنهُ حيلةٌ لمبادلةِ الذهبِ بالذهبِ مع التفاضلِ.

ومنهُ كذلك: لو باعَ عليهِ سلعةً بشرطِ أن يقرضَهُ، فإنهُ يدخلُ في القرضِ إذا جرَّ نفعاً، وهكذا.

ولا يدخلُ في ذلك العقدانِ الذي لم يترتبْ على جمعِهما محذورٌ شرعيٌّ؛ كما لو باعَهُ سيارتَهُ بشرطِ أن يبيعَهُ دارَهُ، أو عرضَ عليهِ السلعةَ بنقدٍ بكذا، وبنسيئةٍ بكذا؛ لأنهُ لا مفسدةَ ولا محذورَ في جمعِ هذينِ العقدينِ في عقدٍ واحدٍ، لأنَّ العقدَ في الحقيقةِ واحدٌ، واللهُ أعلمُ.

الوجهُ الخامسُ:

على التسليمِ بأنَّ القرضَ حكمُهُ حكمُ البيعِ، وأنَّ حديثَ النهيِ عن بيعتينِ في بيعةٍ يدخلُ فيهِ القرضُ، فإنَّ جمعيةَ الموظفينَ لا يمكنُ تأويلُهُ على أنهُ بيعتينِ في بيعةٍ، فهو عقدٌ واحدٌ قائمٌ على الاقتراضِ، وأما الوفاءُ فلا يُعْتَبَرُ عقداً حتى يُفَسَّرَ بأنهُ بيعتينِ في بيعةٍ.

الراجحُ:

أرى أنَّ القولَ بـجوازِ جمعيةِ الموظفينَ الخاليةِ من أيِّ شروطٍ في عقدِها، واللهُ أعلمُ.

🔸🔸🔸

المسألةُ الثانيةُ: في جمعيةِ الموظفينَ إذا اقترنت بالشروطِ

المطلبُ الأولُ: أن يُشْتَرَطَ في العقدِ ألا ينسحبَ أحدٌ

📖 إذا اتفقَ عددٌ من الأشخاصِ على أن يدفعَ كلُّ واحدٍ منهم مبلغاً من المالِ متساوياً عند نهايةِ كلِّ شهرٍ أو شهرينِ مع اشتراطِ ألا ينسحبَ أحدٌ منهم حتى يدورَ عليهم الأخذُ.

فالذين يحرِّمونَ الصورةَ الأولى فإنهم يحرِّمونَ الصورةَ الثانيةَ لعدمِ الفارقِ.

وكذلك فإنَّ الذين يجيزونَ الصورةَ الأولى يجيزونَ هذهِ الصورةَ، كالشيخِ ابنِ عثيمينَ، والشيخِ عبدِ اللهِ بنِ جبرينَ؛ والشيخِ عبدِ اللهِ العمرانيِّ وغيرِهم؛ لأنَّ المحذورَ كما أنهُ منتفٍ في الصورةِ الأولى أيضاً منتفٍ في الصورةِ الثانيةَ، فالمنفعةُ التي يستفيدُها المقرضُ أيضاً يستفيدُها المقترضُ في هذهِ الدورةِ؛ فهي منفعةٌ متبادلةٌ كما سبقَ، فإذا كان إتمامُ الدورةِ إذا تمَّ بدونِ اشتراطٍ لا محذورَ فيها كما تبينَ من خلالِ بحثِ الصورةِ الأولى، كذلك اشتراطُ إتمامِ هذهِ الدورةِ بدونِ انسحابٍ لا يشكلُ نفعاً خاصاً للمقرضِ، فالمنفعةُ للمقرضِ كما هي للمقترضِ على حدٍّ سواءٍ، فلا تكونُ منفعةً محرمةً.

المطلبُ الثاني: إذا اُشْتُرِطَ في العقدِ دورةٌ ثانيةٌ فأكثرَ

هذهِ هي الصورةُ الثالثةُ من جمعيةِ الموظفينَ:

📖وهي أن يتفقَ عددٌ من الأشخاصِ على أن يدفعَ كلُّ واحدٍ منهم مبلغاً من المالِ متساوياً يأخذُهُ أحدُهم عند نهايةِ كلِّ شهرٍ بشرطِ الاستمرارِ فيها أكثرَ من دورةٍ؛ كأن تستمرَّ الجمعيةُ لدورتينِ أو ثلاثٍ أو أكثرَ حسبَ الاتفاقِ.

• وقد ذهبَ إلى جوازِ هذهِ الصورةِ:
شيخُنا محمدُ بنُ عثيمينَ رحمهُ اللهُ، ولم يَرَ فرقاً بين هذهِ الصورةِ، وبين الصورتينِ السابقتينِ في الحكمِ[10].

واختارَ الشيخُ عبدُ اللهِ العمرانيُّ:
تحريمَ هذهِ الصورةِ، لأنها تتضمنُ أن يشترطَ المقرضُ على من سيقرضُهم في الدورةِ الأولى أن يقرضوهُ في الدورةِ الثانيةِ، فترجعُ المسألةُ إلى مسألةِ: (أقرضكَ بشرطِ أن تقرضَني)، وبعضُهم يطلقُ عليها: (أسلفْني وأسلفكَ)، وقد حُكِيَ الإجماعُ على تحريمِها، وهو مذهبُ المالكيةِ والشافعيةِ، والحنابلةِ.

وسبقَ بحثُ هذهِ المسألةِ، ورجحتُ فيها المنعَ، فأغنى ذلك عن إعادتِها هنا، وللهِ الحمدُ.

الحواشي والمراجع

[1] انظر قرار هيئة كبار العلماء في السعودية رقم: 164، وتاريخ 26/2/1410هـ.

[2] كان الشيخ ابن باز رحمه الله يرى التحريم، ثم راجعه فيها شيخنا ابن عثيمين فرجع إلى القول بـجوازها، وممن رأى القول بـالجواز الشيخ عبد الله بن جبرين يرحمه الله، انظر «المعاملات المالية المعاصرة» لفضيلة الشيخ الدكتور خالد المشيقح، وهي نسخة اكترونية على الانترنت.

[3] «حاشية قليوبي» (2/321).

[4] انظر قرار هيئة كبار العلماء في السعودية، رقم 164 في تاريخ 26/2/1410هـ.

[5] انظر «مجلة الدعوة»، العدد 1576 (ص: 36)، وانظر «المنفعة في القرض» لـالعمراني (ص: 619) «المعاملات المالية المعاصرة» لفضيلة الشيخ الدكتور خالد المشيقح، وهي نسخة إلكترونية على الانترنت.

[6] انظر قرار هيئة كبار العلماء، رقم 164 في تاريخ 26/2/1410هـ.

[7] «المغني» (4/167).

[8] «المسند» (2/432).

[9] كنت قد خرجت الحديث فيما سبق وأشرت إلى أن الحديث رواه أحمد (2/475)، وأبو داود (3461)، والترمذي في «السنن» (1231)، والنسائي في «المجتبى» (4632)، وابن الجارود في «المنتقى» (600)، وأبو يعلى في «المسند» (6124)، وابن حبان في «صحيحه» (4973)، والحاكم في «المستدرك» (2292)، والبيهقي في «السنن» (4/381) من طرق كثيرة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

وكنت قد حسَّنت الحديث فيما سبق، ثم ظهر لي أن محمد بن عمرو قد خالف غيره، ولو كان الأمر هو تفرده لاحتمل مع أنه خفيف الضبط، أما وقد خالف أخص أصحاب أبي هريرة كـالأعرج وابن سيرين وغيرهما فإنها لا تحتمل مخالفته.

وقد انتقد ابن معين روايته عن أبي سلمة، فقال حين سئل عنه: ما زال الناس يتقون حديثه.
قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به مرة أخرى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

فإذا كان الحديث قد رواه جماعة عن أبي هريرة في «الصحيحين» وغيرهما بلفظ: «نهى عن بيعتين ولبستين» بدون زيادة لفظ «في بيعة» فلا يشك الباحث في شذوذ هذه اللفظة.
وممن خالف محمد بن عمرو:

الأول: حفص بن عاصم كما في «صحيح البخاري» (584، 588)، وأكتفي بـالبخاري عن غيره.

الثاني: محمد بن سيرين كما في «صحيح البخاري» (2145)، وأكتفي بـالبخاري.

الثالث: الأعرج، كما في «صحيح البخاري» (2146)، و«صحيح مسلم» (1511) وأكتفي بهما عن غيرهما.

الرابع: عطاء بن ميناء، كما في «صحيح مسلم» (1511).

الخامس: ذكوان أبو صالح السمان، كما في «مسند أحمد» (2/380)، و«سنن أبي داود» (4080)، و«سنن الترمذي» (1758)، و«مشكل الآثار» لـالطحاوي (5476، 5475).

السادس: محمد بن عمير، كما في «سنن النسائي الكبرى» (9667)، و«شرح معاني الآثار» (4/363)، و«معجم ابن المقرئ» (665)، و«تاريخ دمشق» (7/134).

فلو كانت زيادة «في بيعة» محفوظة لذكرها أصحاب أبي هريرة، فلما تفرد بها محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، وكل من رواه عن أبي هريرة رواه بلفظ: «نهى عن بيعتين وعن لبستين» تبين لي شذوذ ما رواه محمد بن عمرو.

[10] انظر «المعاملات المالية المعاصرة» لفضيلة الشيخ الدكتور خالد المشيقح، نقلته من نسخة اكترونية على الانترنت.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *