📌 المدخلُ إلى المسألةِ:
إذا عزم المسافر على الإقامة مدة معلومة في أثناء سفره، فهل يعطى حكم المقيم أو يعطى حكم المسافر؟
اختلفَ الفقهاءُ في هذهِ المسألةِ:
حكاهُ الإمامُ إسحاقُ عن الأقلينَ من أهلِ العلمِ، واختارَهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ وتلميذُهُ ابنُ القيمِ[1].
وكيف نسبَ إسحاقُ هذا القولَ للأقلينَ من أهلِ العلمِ، وهو نفسُهُ يقولُ:
«وأكثرُ أصحابِ النبيِّ ﷺ والتابعينَ على أنهم كانوا يقيمونَ في أسفارِهم الأشهرَ والسنةَ والسنتينِ لا يصلونَ إلا ركعتينِ»[2].
وممن صحَّ عنهُ هذهِ القولُ من سادةِ التابعينَ:
مسروقُ بنُ الأجدعِ، والإمامُ الحسنُ البصريُّ، علقمةُ بنُ قيسٍ النخعيُّ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وعامرٌ الشعبيُّ[3].
وهو قولُ الأئمةِ الأربعةِ.
وبهِ قال بعضُ الصحابةِ، وكثيرٌ من مجتهدي هذهِ الأمةِ.
على اختلاف بينهم في تحديد المدة التي إذا عزم على إقامتها انقطع سفره:
وهذا مذهبُ الحنفيةِ، وأحدُ الأقوالِ عن سعيدِ بنِ المسيبِ، وبهِ قال الإمامُ الثوريُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والمزنيُّ من الشافعيةِ[4].
وهو مذهبُ المالكيةِ، والشافعيةِ، وروايةٌ عن أحمدَ، وبهِ قال أبو ثورٍ، وداودُ وأحدُ أقوالِ ابنِ المسيبِ، ولا يُحْسَبُ يومُ الدخولِ ويومُ الخروجِ عند الشافعيةِ، وعند ابنِ القاسمِ من المالكيةِ، واعتمدَهُ خليلٌ في «مختصرِهِ»[5].
قال الشيرازيُّ في «التنبيهِ»:
«وإن نوى المسافرُ إقامةَ أربعةِ أيامٍ غيرَ يومِ الدخولِ ويومِ الخروجِ أتمَّ»[6].
قال بهِ سحنونٌ وابنُ الماجشونِ وابنُ نافعٍ، وابنُ الموازِ من المالكيةِ، ورجَّحَهُ أبو زيدٍ القيروانيُّ في «الرسالةِ».
والفرقُ بين قولِهم وقولِ ابنِ القاسمِ:
أنهم اعتدوا بيومَي الدخولِ والخروجِ[7].
إذا نوى الإقامةَ أكثرَ من أربعةِ أيامٍ، وهما بمعنىً.
وهذا هو المشهورُ عند متأخري الحنابلةِ، نصَّ عليهِ صاحبا «الإقناعِ» و«المنتهى»[8].
وعلى التعبيرِ بالأيامِ يُحْسَبُ يومُ الدخولِ ويومُ الخروجِ على الصحيحِ من المذهبِ عند الحنابلةِ، وهو وجهٌ عند الشافعيةِ في مقابلِ الأصحِّ[9].
وهو روايةٌ عن أحمدَ، اختارَها الخرقيُّ، وابنُ قدامةَ، وقال:
هذا المشهورُ عن أحمدَ.
وقال ابنُ رجبٍ:
هذا مذهبُ أحمدَ المشهورُ عنهُ، واختيارُ أصحابِهِ[10].
جاءَ في «الفروعِ»:
«وإن نوى إقامةَ أكثرَ من إحدى وعشرينَ صلاةً لم يترخصْ، وإن نوى إقامةَ إحدى وعشرينَ صلاةً فعلى روايتينِ، وإن لم ينوِ إقامةَ مدةٍ معينةٍ بل أقامَ لحاجتِهِ ترخصَ وإن طالَ الزمانُ»[11].
وهو مذهبُ ابنِ عباسٍ، وإسحاقَ بنِ راهويهِ، واختارَهُ الخطابيُّ[12].
وهذا اختيارُ ابنِ حزمٍ[13].
وهو مذهبُ الأوزاعيِّ[14].
وهو قولُ ربيعةَ الرأيِ[15].
هل الأصلُ:
أنَّ كلَّ من أقامَ في أثناءِ سفرِهِ، لزمَهُ الإتمامُ؛ لأنَّ المقيمَ خلافُ المسافرِ، إلا ما نُقِلَ عن النبيِّ ﷺ أنهُ أقامَ وقصرَ الصلاةَ، فذلك مستثنىً بالنصِّ، وقِيلَ: وبالإجماعِ؟
أو أنَّ الأصلَ:
أنَّ المسافرَ باقٍ على سفرِهِ، فيُسْتَصْحَبُ هذا الحكمُ، ولا ينقطعُ بـالإقامةِ ما لم ينوِ إقامةً مطلقةً باتخاذِ ذلك الموضعِ وطناً، أو يرجعَ إلى بلدِهِ؟
وقد أقامَ النبيُّ ﷺ في سفرِهِ وقصرَ الصلاةَ، وهي مجردُ أفعالٍ، ولم يُحْفَظْ في النصوصِ أنَّ النبيَّ ﷺ أتمَّ في أثناءِ إقامتِهِ في سفرِهِ.
فهل يُسْتَفَادُ من هذا الفعلِ حدٌّ بين الإقامةِ التي لا تنافي القصرَ، والإقامةِ التي توجبُ الإتمامَ، وهي مجردُ حكايةِ فعلٍ؟
وهل الاحتياطُ فيما زادَ على هذهِ المدةِ الإتمامُ؛ لأنهُ قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، ومنهم الأئمةُ الأربعةُ، وصرَّحَ بهِ ابنُ عمرَ وابنُ عباسٍ وعليٌّ -رضيَ اللهُ عنهم-، ونسبَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ القولَ بهِ لـعثمانَ بنِ عفانَ -رضيَ اللهُ عنهُ-[17]؟
ولأنَّ الأصلَ الإتمامُ عند الترددِ.
ولأنَّ القصرَ سنةٌ على الصحيحِ، والإتمامُ جائزٌ مطلقاً.
فيكفَ إذا كان الإتمامُ للاحتياطِ لصحةِ الصلاةِ ومراعاةً لخلافِ أكثرِ أهلِ العلمِ؟
أو يُقَالُ: إنَّ القصرَ جائزٌ؛ فإذا لم تمنعْ إقامةُ النبيِّ ﷺ في السفرِ من القصرِ، لم تمنعْ منهُ فيما زادَ على ما وردَ؛ لأنَّ الأفعالَ لا تقتضي التحديدَ.
فمن أين لنا أنَّ النبيَّ ﷺ لو زادَ يوماً واحداً على مقامِهِ ذلك أتمَّ؟
ولأنَّ الإقامةَ في أثناءِ السفرِ لو كانت تقطعُ حكمَ السفرِ لـوجبَ بيانُ ذلك في النصوصِ حتى يتبينَ للناسِ ما يتقونَ، فالمسألةُ تتعلقُ بالصلاةِ والصيامِ، وهما من أركانِ الإسلامِ.
ولأنَّ التسويةَ بين الإقامةِ في بلدِهِ وبين الإقامةِ في أثناءِ سفرِهِ مخالفٌ للسنةِ، ولما عليهِ أكثرُ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم.
ولأنَّ القائلينَ بانقطاعِ أحكامِ السفرِ بالإقامةِ قد اختلفوا في تقديرِ هذهِ المدةِ اختلافاً كثيراً، من لدنِ الصحابةِ فمن بعدَهم، ولو كان فيهِ توقيفٌ لم يختلفوا على هذا النحوِ، حتى بلغتِ الأقوالُ فيها إلى أكثرَ من عشرينَ قولاً، بل تجدُ الصحابيَّ الواحدَ لهُ في المسألةِ أكثرُ من قولٍ. واللهُ أعلمُ.
قال ابنُ رشدٍ:
«وسببُ الخلافِ: أنهُ أمرٌ مسكوتٌ عنهُ في الشرعِ، والقياسُ على التحديدِ ضعيفٌ عند الجميعِ، ولذلك رامَ هؤلاءِ كلُّهم أن يستدلوا لمذهبِهم من الأحوالِ التي نُقِلَتْ عنهُ ﷺ أنهُ أقامَ فيها مقصِّراً، أو أنهُ جعلَ لها حكمَ المسافرِ»[18].
إذا وقفتَ على سببِ الخلافِ نأتي إلى ذكرِ الأدلةِ.
قال اللهُ تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ﴾ [النساء: 101].
وسوف يأتي في الدليلِ التالي مقامُ النبيِّ ﷺ في حجةِ الوداعِ، ووجهُ الاستدلالِ بهِ على هذهِ المدةِ إن شاءَ اللهُ تعالى.
وأُجِيبَ عن ذلك:
فقولُهُ: (على سفرٍ) يشملُ المسافرَ إذا جَدَّ بهِ السيرُ، والمسافرَ في حالِ إقامتِهِ أثناءَ سفرِهِ، فكلاهما على سفرٍ، وما أباحَ الفطرَ أباحَ القصرَ.
ولو كان الترخصُ لا يُبَاحُ إلا حالَ الضربِ لامتنعَ القصرُ والفطرُ مع الإقامةِ مطلقاً، وقد قصرَ النبيُّ ﷺ مع الإقامةِ في حجةِ الوداعِ، وفي فتحِ مكةَ، وفي غزوةِ تبوكَ، والسنةُ تبيِّنُ القرآنَ.
ولم يُنْقَلْ عن النبيِّ ﷺ قطُّ أنهُ أتمَّ في سفرِهِ بسببِ الإقامةِ، وقصرَ ابنُ عمرَ ستةَ أشهرٍ حين حبسَهُ الثلجُ في أذربيجانَ، فدلَّ على أنَّ المقيمَ في أثناءِ السفرِ لا ينتفي عنهُ وصفُ السفرِ، فإذا تحقَّقَ الضربُ في الأرضِ المبيحُ للقصرِ فلا جناحَ عليهِ أن يقصرَ من الصلاةِ، ولو أقامَ في أثناءِ سفرِهِ.
والقولُ (بأنَّ هذهِ إقامةٌ لا يدري معها متى يرجعُ):
هذا التقييدُ للنصوصِ لم يَأْتِ بهِ نصٌّ، والنصُّ الشرعيُّ لا يقيدُهُ، ولا يخصصُهُ إلا نصٌّ مثلُهُ أو إجماعٌ، ولا نصَّ ولا إجماعَ.
وقال تعالى ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [المزمل: 20].
فـأباحَ اللهُ تعالى القصرَ للضاربينَ في الأرضِ مطلقاً، ومن المعلومِ أنَّ بعضَ التجارِ ينوي البقاءَ أكثرَ من أربعةِ أيامٍ لشراءِ السلعِ، وبيعِ ما معهُ منها، ويتحرى التجارُ هذهِ المواسمَ، ولم يَسْتَثْنِ اللهُ عزَّ وجلَّ ضارباً من ضاربٍ، ولا حالاً من حالٍ، فدلَّ على عمومِهِ، ولو كان ثَمَّتَ ضاربٌ يجبُ عليهِ الإتمامُ لبينَهُ اللهُ تعالى في كتابِهِ، أو على لسانِ رسولِهِ ﷺ، فلما لم يَأْتِ ما يخصصُ أو يقيدُ النصوصَ المقيدةَ والعامةَ وجبَ العملُ بإطلاقِها وعمومِها؛ لأنَّ كلَّ نصٍّ جاءَ مطلقاً أو عامّاً فإنهُ يجبُ إبقاؤُهُ على إطلاقِهِ وعمومِهِ حتى يقومَ دليلٌ على تقييدِهِ وتخصيصِهِ.
قال ابنُ تيميةَ:
«التاجرُ الذي يَقْدَمُ ليشتريَ سلعةً، أو يبيعَها ويذهبُ هو مسافرٌ عند الناسِ، وقد يشتري السلعةَ ويبيعُها في عدةِ أيامٍ، ولا يحدُّ الناسُ في ذلك حَدّاً»[19].
روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال: حدثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهما- قال: «باتَ النبيُّ ﷺ بذي طوى حتى أصبحَ، ثم دخلَ مكةَ»[20].
وروى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ وهيبٍ، حدثنا ابنُ طاوسٍ، عن أبيهِ، عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، قال: «… قدمَ النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ صبيحةَ رابعةٍ مهلينَ بالحجِّ …» الحديث[21].
فالنبيُّ ﷺ دخلَ مكةَ صبيحةَ يومِ الأحدِ بعدَ أن صلى الصبحَ خارجَ مكةَ، وكان عازماً على الإقامةِ فيها، إلى أن صلى فيها الصبحَ يومَ الخميسِ يومَ الترويةِ الموافقَ الثامنَ من ذي الحجةِ، ثم خرجَ منها إلى منى، كلُّ ذلك يقصرُ الصلاةَ، فكان مقامُهُ أقلَّ من أربعةِ أيامٍ، فما زادَ على ذلك قُصِرَ.
قال الإمامُ أحمدُ أيضاً:
«ما نعلمُ النبيَّ ﷺ أزمعَ المقامَ في شيءٍ من سفرِهِ إلا في حجتِهِ هذهِ»[22].
وقال ابنُ خزيمةَ:
«لستُ أحفظُ في شيءٍ من أخبارِ النبيِّ ﷺ أنهُ أزمعَ في شيءٍ من أسفارِهِ على إقامةِ أيامٍ معلومةٍ غيرَ هذهِ السفرةِ التي قَدِمَ فيها مكةَ لحجةِ الوداعِ …»[23].
فإذا كان لا يُعْلَمُ أنَّ النبيَّ ﷺ أزمعَ المقامَ في شيءٍ من سفرِهِ إلا في حجتِهِ تلكَ، وقد قصرَ في هذهِ المدةِ، فما زادَ فالأصلُ فيهِ الإتمامُ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ حكمَ الإقامةِ مخالفٌ لحكمِ السفرِ؛ وقد أجمعوا أنَّ المقيمَ يُتِمُّ الصلاةَ، فنأخذُ بما اجتمعوا عليهِ احتياطاً حتى يتبينَ حكمُ ما اختلفوا فيهِ.
وإنما لم يُحْسَبْ يومُ الدخولِ عند الشافعيةِ وابنِ القاسمِ من المالكيةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان شارفَ مكةَ اليومَ الثالثَ، فباتَ قبلَ دخولِها، والنهارُ لا اعتدادَ بهِ عند العربِ، فلما صلى الصبحَ دخلَ مكةَ، أو أنَّ النبيَّ ﷺ لما سارَ أولَ النهارِ حتى دخلَ مكةَ، والمسافرُ لا يستوعبُ النهارَ بالسيرِ، إنما يسيرُ في بعضِهِ، وهو في يوميِّ الدخولِ والخروجِ مسافرٌ في بعضِ النهارِ، فكان في حكمِ المسافرِ فيهما، وليس في حكمِ المقيمِ.
ولأنهُ في يومِ الدخولِ في شغلِ الحطِّ وتنضيدِ الأمتعةِ، ويومَ الخروجِ في شغلِ الارتحالِ، وهما من أشغالِ السفرِ.
فكان مقامُ النبيِّ ﷺ في مكةَ على هذا التقديرِ: ثلاثةَ أيامٍ، الخامسَ والسادسَ والسابعَ، ثم خرجَ في اليومِ الثامنِ بعدَ أن صلى الصبحَ، وهو فيهِ في حكمِ المسافرِ، فلم يقمْ بمكةَ أكثرَ من ثلاثةِ أيامٍ، فمن أقامَ مثلَ هذهِ المدةِ قصرَ الصلاةَ، ومن زادَ عليهِ لزمَهُ الإتمامُ احتياطاً.
ونُوقِشَ هذان الدليلانِ من وجوهٍ:
واضحٌ من النصوصِ أنَّ السفرَ على قسمينِ:
وهو الرجلُ ما دامَ على جادةِ سيرِهِ. وهذا لا نزاعَ فيهِ.
وهو: إعطاءُ حكمِ الإقامةِ حكمَ السفرِ، وهذا ثابتٌ في الإقامةِ أربعةَ أيامٍ من فعلِ النبيِّ ﷺ في حجةِ الوداعِ.
فإذا ثبتَ السفرُ الحكميُّ في بعضِ الإقامةِ كالأربعةِ أيامٍ فالأصلُ استصحابُهُ فيما زادَ على ذلك حتى يرجعَ إلى بلدِهِ أو ينويَ الاستيطانَ الدائمَ، ولا يُحْكَمُ بقطعِ السفرِ الحكميِّ مع بقاءِ نيةِ السفرِ إلا بدليلٍ صحيحٍ صريحٍ؛ لأنَّ الحكمَ بانقطاعِ السفرِ حكمٌ شرعيٌّ لا يقومُ إلا على دليلٍ شرعيٍّ، وقد ثبتَ حكمُ السفرِ بيقينٍ فلا يُرْفَعُ إلا بيقينٍ.
ولا يستوي إقامةُ الرجلِ في بلدِهِ وإقامةُ المسافرِ في أثناءِ سفرِهِ، ومن ساوى بينهما فقد خالفَ السنةَ، وما عليهِ أكثرُ الصحابةِ.
كونُ النبيِّ ﷺ وقعَ لهُ اتفاقاً البقاءُ في مكةَ أربعةَ أيامٍ هذا الفعلُ لا يُسْتَفَادُ منهُ التحديدُ، فلا يوجدُ نصٌّ مرفوعٌ يقضي بأنَّ المسافرَ إذا أقامَ أكثرَ من ذلك انقطعَ حكمُ سفرِهِ. وإذا كانت الإقامةُ ثلاثةَ أيامٍ أو أربعةَ أيامٍ على تقديرِ عشرينَ صلاةً لا تنفي حكمَ السفرِ، فكذلك ما زادَ عليها.
فمن أين لكم أنهُ لو قَدِمَ اليومَ الثالثَ أو الثانيَ كان عليهِ الإتمامُ في الصلاةِ؟
يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ:
«من أين لهم أنهُ لو قَدِمَ صبحَ ثالثةٍ وثانيةٍ كان يُتِمُّ ويأمرُ أصحابَهُ بالإتمامِ، ليس في قولِهِ وعملِهِ ما يدلُّ على ذلك. ولو كان هذا حَدّاً فاصلاً بين المقيمِ والمسافرِ لبيَّنَهُ للمسلمينَ»[24].
فمن أرادَ التفريقَ بين إقامةٍ وأخرى فعليهِ الدليلُ من النصوصِ، فالمقاديرُ المحدودةُ بعددٍ معينٍ لا بدَّ لها من توقيفٍ، ولا تُتْرَكُ هكذا، فكلُّ أحكامِ الشريعةِ التي عُلِّقَتْ بعددٍ معينٍ أو بمدةٍ معينةٍ تأتي النصوصُ فيها بينةً واضحةً كالمسحِ على الخفينِ في الإقامةِ والسفرِ، وبقاءِ المهاجرِ في مكةَ بعدَ الفراغِ من النسكِ بثلاثةِ أيامٍ، وبيانِ عدةِ المطلقةِ بأنواعِها، وبيانِ عدةِ المتوفى عنها زوجُها من حاملٍ وحائلٍ إلى غيرِها من الأحكامِ المعلقةِ بمددٍ معينةٍ، كلُّها تأتي النصوصُ فيها واضحةً بينةً.
فكيف يُهْمَلُ مثلُ ذلك في أعظمِ أركانِ الإسلامِ العمليةِ؟
قولُكم: (ما زادَ على مقامِ النبيِّ ﷺ في حجةِ الوداعِ فالأصلُ فيهِ الإتمامُ) غيرُ مُسَلَّمٍ؛ لأنهُ معارضٌ بما قدمنا: أنَّ الأصلَ بقاءُ حكمِ السفرِ، وما ثبتَ بيقينٍ لا يُرْفَعُ إلا بيقينٍ.
ولأنَّ السنةَ فرَّقتْ بين إقامةِ الرجلِ في بلدِهِ وبين إقامةِ المسافرِ أثناءَ السفرِ.
وإذا كانت إقامةُ عشرينَ صلاةً أربعةَ أيامٍ لا تقطعُ حكمَ السفرِ لم يقطعْهُ ما زادَ على ذلك إلا بدليلٍ، ولا دليلَ.
من المؤكدِ أنَّ هناك من أصحابِ النبيِّ ﷺ من جاءَ للحجِّ قبلَ النبيِّ ﷺ بيومٍ أو أكثرَ، فزادتْ إقامتُهم على أربعةِ أيامٍ، وهناك منهم من سيتأخرُ في مكةَ بعدَ الفراغِ من الحجِّ، فلو كان الحكمُ في حقِّهم وجوبَ الإتمامِ لـوَجَبَ على النبيِّ ﷺ أن يُبَيِّنَهُ لدُعاءِ الحاجةِ للبلاغِ والتبيينِ، كما قامَ النبيُّ ﷺ بإبلاغِ المهاجرِ ألا يقيمَ أكثرَ من ثلاثةِ أيامٍ، فلما لم يمنعْ النبيُّ ﷺ هؤلاءِ من الترخصِ، عُلِمَ أنَّ الإتمامَ ليس بـواجبٍ.
لو تنزلنا وقلنا: إنَّ الإقامةَ في أثناءِ السفرِ تقطعُ حكمَ السفرِ لم يصحَّ القولُ بانقطاعِهِ في أربعةِ أيامٍ، فالواردُ عن ابنِ عمرَ من روايةِ سالمٍ ونافعٍ: اثنا عشرَ يوماً، ومن روايةِ مجاهدٍ عنهُ: خمسةَ عشرَ يوماً.
والواردُ عن ابنِ عباسٍ: إقامةُ تسعةَ عشرَ يوماً.
والواردُ عن عليٍّ -رضيَ اللهُ عنهُ- إقامةُ عشرةِ أيامٍ، هذهِ هي الأقوالُ المسندةُ عن بعضِ الصحابةِ، ليس منها ما يقضي بانقطاعِ السفرِ في الإقامةِ أربعةَ أيامٍ، فأقلُّها عشرةُ أيامٍ، وأكثرُها تسعةَ عشرَ يوماً، وقد خرجتُها في المسألةِ التي قبلَ هذهِ.
نعم، نُسِبَ القولُ بإقامةِ أربعةِ أيامٍ إلى عثمانَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، إلا أني لم أقفْ عليهِ مسنداً عنهُ، والحجةُ إنما في المسندِ الصحيحِ، والثابتُ عن عثمانَ أنهُ أتمَّ في منى، وهي حكايةُ فعلٍ، ولم يكن هناك نصٌّ ثابتٌ عن عثمانَ عن سببِ إتمامِهِ بمنى، لهذا ذهبَ العلماءُ في تأويلِ فعلِ عثمانَ إلى أقوالٍ كثيرةٍ، لا يثبتُ منها شيءٌ عن عثمانَ[25].
قال ابنُ عبدِ البرِّ:
«ولا يصحُّ عندي منها إلا أنهُ اختارَ التمامَ؛ لعلمِهِ بصحةِ تخييرِ المسافرِ بين القصرِ والتمامِ»[26].
وقال النوويُّ في شرحِهِ على «مسلمٍ»:
«الصحيحُ الذي عليهِ المحققونَ أنهما -أي عثمانَ وعائشةَ– رأيا القصرَ جائزاً، والإتمامَ جائزاً، فأخذا بـأحدِ الجائزينِ، وهو الإتمامُ»[27].
وإذا لم يثبتِ الحدُّ بأربعةِ أيامٍ بنصٍّ مرفوعٍ صريحٍ، ولا بأثرٍ موقوفٍ صحيحٍ، ضَعُفَ منزعُ القولِ بهِ، وإن قال بهِ الجمهورُ، فإنَّ أئمتَنا يُسْتَدَلُّ لأقوالِهم ولا يُسْتَدَلُّ بها، ولو كان الاستدلالُ من إقامةِ النبيِّ ﷺ عامَ حجةِ الوداعِ صحيحاً، وأنَّ ذلك حدُّ ما بين المسافرِ والمقيمِ لكان أولى الناسِ في فهمِ هذا القولِ هم الصحابةُ رضوانُ اللهِ عنهم، فلما لم تجدْ أحداً من صحابةِ النبيِّ ﷺ يقولُ بانقطاعِ حكمِ السفرِ بالإقامةِ أربعةَ أيامٍ عُلِمَ أنَّ القولَ بهِ مرجوحٌ، وكلُّ قولٍ لا يُؤْثَرُ عن الصحابةِ في مسألةٍ وقعتْ في عصرِهم فما أشدَّ وهنَهُ، ولو قال بهِ الجمهورُ، فلا عصمةَ لقولِ الجمهورِ، وإن كانت الكثرةُ مظنةَ الإصابةِ غالباً.
ومالكٌ في «الموطأِ» لم يحتجَّ لهذا القولِ بسنةٍ، ولا بأثرٍ عن صحابيٍّ، وإنما ذكرَ أنَّ هذا هو قولُ سعيدِ بنِ المسيبِ، وهو أحبُّ ما سمعَ في المسألةِ.
روى مالكٌ في «الموطأِ»، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، أنهُ سمعَ سعيدَ بنَ المسيبِ قال:
«من أجمعَ إقامةَ أربعِ ليالٍ، وهو مسافرٌ أتمَّ الصلاةَ».
قال مالكٌ:
«وذلك أحبُّ ما سمعتُ إليَّ»[28].
فما كان للإمامِ مالكٍ أن يحتجَّ بقولِ سعيدِ بنِ المسيبِ، وهو من سادةِ التابعينَ لو كان في البابِ سنةٌ أو أثرٌ صحيحٌ.
وحاولَ ابنُ العربيِّ توجيهَ احتجاجِ مالكٍ في قولِ ابنِ المسيبِ، فقال:
«سعيدُ بنُ المسيبِ صحبَ سبعينَ بدرياً، ومن الصحابةِ جملةً وافرةً، ووعى علماً كثيراً فأفتى بهذهِ الفتوى، ولا يقتضيها النظرُ، ولا يعطيها القياسُ، فكانت حجةً على ما أشرنا إليهِ من أصلِهِ، واللهُ أعلمُ»[29].
يريدُ أن يقولَ: إنَّ قولَ سعيدٍ لا يُعْرَفُ بالرأيِ، فلهُ حكمُ الرفعِ.
أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ جعلَ إقامةَ النبيِّ ﷺ في المشاعرِ كلِّها التي حولَ مكةَ في حكمِ الإقامةِ في مكةَ، وكذلك نقلَ نافعٌ عن ابنِ عمرَ موقوفاً عليهِ، ولا يُعْلَمُ لهما مخالفٌ من الصحابةِ، وهو ظاهرُ النصوصِ أنَّ الحرمَ كلَّهُ مكانٌ واحدٌ، كما قدمتُ في المسألةِ التي قبلَ هذهِ.
روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ يحيى بنِ أبي إسحاقَ قال: سمعتُ أنساً يقولُ: «خرجنا مع النبيِّ ﷺ من المدينةِ إلى مكةَ، فكان يصلي ركعتينِ ركعتينِ، حتى رجعنا إلى المدينةِ. قلتُ: أقمتم بمكةَ شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً».
فاعتبرَ أنسٌ -رضيَ اللهُ عنهُ- مقامَ النبيِّ ﷺ في المشاعرِ من الإقامةِ بمكةَ.
وروى مالكٌ عن نافعٍ، أنَّ ابنَ عمرَ أقامَ بمكةَ عشرَ ليالٍ يقصرُ الصلاةَ، إلا أن يصليَها مع الإمامِ فيصليَها بصلاتِهِ. [صحيحٌ][30].
فقولُهُ: (أقامَ بمكةَ) أي: من أجلِ النسكِ؛ لأنَّ المهاجرَ ممنوعٌ من الإقامةِ بمكةَ عشراً، واتفقَ أنسٌ وابنُ عمرَ في جعلِ الإقامةِ بالمشاعرِ من الإقامةِ بمكةَ، فالتنقلُ بين المشاعرِ لا يُعَدُّ إحداثاً لسفرٍ جديدٍ، فكلُّها تابعةٌ لمكةَ، قال تعالى: ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾ [المائدة: 95].
وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 33]، فإذا بلغَ الهديُ أو الفديةُ أيَّ موضعٍ من الحرمِ فَنَحَرَ فيهِ فقد بلغَ الكعبةَ.
وقال تعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [الفتح: 25].
وإنما كان الصدُّ عن الحرمِ كلِّهِ.
وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 196].
وأهلُ الحرمِ من حاضري المسجدِ الحرامِ: والحاضرُ ضدُّ المسافرِ. وعلى هذا لو كان يُسْتَفَادُ من الفعلِ التحديدُ لقيلَ بالتحديدِ بالعشرةِ، فما زادَ فيُتِمُّ، واللهُ أعلمُ.
وكونُ الجمهورِ جعلوا توجهَ النبيِّ ﷺ من مكةَ إلى منى يومَ الترويةِ شروعاً في سفرٍ جديدٍ، وقطعاً لإقامتِهِ في مكةَ فهذا لم يُؤْثَرْ عن أحدٍ من الصحابةِ، وهو مخالفٌ لقولِ أنسٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، ومخالفٌ لما نقلَهُ نافعٌ، عن ابنِ عمرَ.
روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ عبدِ الرحمنِ بنِ حميدٍ، أنهُ سمعَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ يسألُ السائبَ بنَ يزيدَ، فقال السائبُ: سمعتُ العلاءَ بنَ الحضرميِّ يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «ثلاثُ ليالٍ يمكثُهن المهاجرُ بمكةَ بعدَ الصدرِ»[31].
وفي روايةٍ لـمسلمٍ: «يقيمُ المهاجرُ بمكةَ بعدَ قضاءِ نسكِهِ ثلاثاً»[32].
وقد روى مالكٌ في «الموطأِ» روايةَ أبي مصعبٍ، عن نافعٍ، عن أسلمَ، مولى عمرَ بنِ الخطابِ، «أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ضربَ لليهودِ والنصارى والمجوسِ بالمدينةِ إقامةَ ثلاثِ ليالٍ يتسوقونَ بها، ويقضونَ حوائجَهم، ولا يقيمُ أحدٌ منهم فوقَ ثلاثِ ليالٍ». [صحيحٌ][33].
قال ابنُ عبدِ البرِّ والمازريُّ:
وقد جعلَ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- لأهلِ الذمةِ لما أجلاهم من الحجازِ إذا قدموا أن يقيموا ثلاثاً، فدلَّ على أنَّ ما زادَ على الثلاثِ في حكمِ الإقامةِ.
وقد جعلَ اللهُ الثلاثةَ قريباً. قال تعالى: ﴿ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ [64] فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ [هود: 64-65][34].
ولما كان المسافرُ لا بدَّ لهُ من إقامةٍ تتخللُ سفرَهُ سقطَ اعتدادُ قليلِ الإقامةِ وافتقرَ إلى حدٍّ فاصلٍ بين القليلِ منها والكثيرِ، فكان التحديدُ بالثلاثِ أَوْلَى لما قدمناهُ من الأدلةِ.
هذهِ الأحاديثُ لم تُسَقْ في معرضِ بيانِ الفرقِ بين المسافرِ والمقيمِ حتى يمكنَ الاستدلالُ بها على مسألةِ إقامةِ المسافرِ، خاصةً أنَّ هذهِ الإقامةَ حدثتْ في سفرِ النبيِّ ﷺ، ولم تمنعْ من الترخصِ.
قال ابنُ تيميةَ:
«ليس في هذا ما يدلُّ على أنَّ هذهِ المدةَ فرقٌ بين المسافرِ والمقيمِ، بل المهاجرُ ممنوعٌ أن يقيمَ بمكةَ أكثرَ من ثلاثٍ بعدَ قضاءِ المناسكِ. فـعُلِمَ أنَّ الثلاثَ مقدارٌ يُرَخَّصُ فيهِ فيما كان محظورَ الجنسِ. قال ﷺ: «لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن تُحِدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاثٍ إلا على زوجٍ»[35].
وقال: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ»[36]»[37].
فلا يُقَاسُ ما كان جنسُهُ محظوراً، فـأُبِيحَ القليلُ منهُ، على حكمِ القصرِ، وهو مسنونٌ، فالمقيمُ لا يجوزُ لهُ القصرُ، ولو كان فرضاً واحداً، فلما اُسْتُحِبَّ القصرُ للمسافرِ مع الإقامةِ العارضةِ دلَّ على قيامِ سببِهِ، وهو السفرُ، ولا يقطعُهُ إلا الرجوعُ إلى بلدِهِ، أو نيةُ الإقامةِ الدائمةِ.
أنَّ هذا الحكمَ خاصٌّ من حيثُ الأشخاصُ بالمهاجرِ بخلافِ غيرِهِ فـيباحُ لهُ الإقامةُ بمكةَ أكثرَ من ثلاثٍ، وخاصٌّ من حيثُ المكانُ بمكةَ، فلا يشملُ غيرَها، وخاصٌّ من حيثُ الزمنُ بعدَ الفراغِ من النسكِ، فلو قدمَ المهاجرُ للحجِّ قبلَ الموسمِ بشهرٍ وبقيَ إلى الموسمِ لم يُمْنَعْ من البقاءِ في مكةَ، فلا يصحُّ تعميمُ ما كان خاصّاً بالأشخاصِ والزمنِ والمكانِ على جميعِ المسافرينَ ولجميعِ الأماكنِ، فالحكمُ لا علاقةَ لهُ بتحديدِ مدةِ الإقامةِ المانعةِ من الترخصِ، وإنما رُخِّصَ لهم بالثلاثِ بعدَ الفراغِ من النسكِ؛ لأنها مظنةُ قضاءِ الحاجةِ، والتهيؤِ للسفرِ.
هل يُظَنُّ أن تُعْنَى الشريعةُ بتحديدِ هذا مع خصوصِهِ في الزمانِ والمكانِ والأشخاصِ ثم تدعَ بيانَ حدِّ الإقامةِ مع عمومِهِ لهذهِ الأحوالِ؟
أنَّ وجوبَ الإتمامِ هو مقتضى الاحتياطِ للعبادةِ.
قال الأثرمُ:
«قلتُ لهُ -أي للإمامِ أحمدَ– : فلِمَ لم يقصرْ على ما زادَ من ذلك؟ قال: لأنهم اختلفوا فيأخذُ بالأحوطِ فيتمُّ»[38].
وقال ابنُ تيميةَ:
«وأحمدُ أمرَ بـالإتمامِ فيما زادَ على الأربعةِ احتياطاً»[39].
وقال أبو ثورٍ:
«لما أجمعوا على ما دونَ الأربعِ، أنهُ يقصرُ فيها، واختلفوا في الأربعِ فما فوقَها، كان عليهِ أن يتمَّ، وذلك أنَّ فرضَ التمامِ لا يزولُ باختلافٍ»[40].
وقال الإمامُ الشافعيُّ:
«أن يتمَّ ولهُ أن يقصرَ أحبُّ إلينا من أن يقصرَ، وعليهِ أن يتمَّ»[41].
إنما أجمعوا على المقيمِ الذي لم يحدثْ سفراً، ولم يجمعوا على المقيمِ في سفرِهِ، فالقولُ بأنهُ يلزمهُ الإتمامُ ليس أخذاً بما اجتمعوا عليهِ، بل هو أخذٌ بما اختلفوا فيهِ، وذلك أنَّ القصرَ واجبٌ عند الحنفيةِ ما لم ينوِ الإقامةَ خمسةَ عشرَ يوماً.
أيضاً الفقهاءُ لم يجمعوا على ما دونَ الأربعِ، حتى قال ربيعةُ:
من أقامَ يوماً وليلةً أتمَّ صلاتَهُ.
أنَّ الحكمةَ من مشروعيةِ القصرِ والفطرِ للمسافرِ تخفيفُ مشقةِ السفرِ، ومن أقامَ أربعةَ أيامٍ فقد ألقى عنهُ تعبَ السفرِ.
روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ سُمَيٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ قال: «السفرُ قطعةٌ من العذابِ، يمنعُ أحدَكم نومَهُ وطعامَهُ، فإذا قضى نهمتَهُ من وجهِهِ فليعجلْ إلى أهلِهِ»[42].
قال الشنقيطيُّ:
«القصرُ شُرِعَ لأجلِ تخفيفِ مشقةِ السفرِ، ومن أقامَ أربعةَ أيامٍ فإنها مظنةٌ لإذهابِ مشقةِ السفرِ عنهُ»[43].
والمسافرُ اليومَ يذهبُ بالطائرةِ، ويقيمُ في أفخمِ الفنادقِ التي توفرُ أطايبَ الطعامِ للمسافرِ، مما يجعلُ السفرَ راحةً ومتعةً تفوقُ راحةَ المقيمِ، وكلُّ ذلك لا يجعلُ القصرَ ممنوعاً على المسافرِ؛ لانتفاءِ المشقةِ، واللهُ أعلمُ.
وروى الإمامانِ البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ وهيبٍ، حدثنا ابنُ طاوسٍ، عن أبيهِ، عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، قال: «… قدمَ النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ صبيحةَ رابعةٍ مهلينَ بالحجِّ …» الحديث[44].
فصلى يومَ الأحدِ أربعةَ أوقاتٍ، وصلى يومَ الخميسِ الصبحَ، فمجموعُ ذلك خمسةُ أوقاتٍ، وصلى ثلاثةَ أيامٍ كاملةٍ: خمسَ عشرةَ صلاةً، فالمجموعُ عشرونَ صلاةً، أربعةُ أيامٍ، فإن زادَ مقامُهُ على أربعةِ أيامٍ أتمَّ.
وهذا القولُ قائمٌ على احتسابِ عددِ الصلواتِ، وهو أجودُ من إلغاءِ يوميِّ الدخولِ والخروجِ.
ويردُ على هذا القولِ ما وردَ على القولِ الأولِ؛ لأنَّ الخلافَ بينهما هو في طريقةِ احتسابِ مقامِهِ ﷺ في مكةَ، ويكفي أنَّ هذا القولَ لا يُؤْثَرُ عن صحابيٍّ، واللهُ أعلمُ.
هذا القولُ دليلُهُ دليلُ القولِ السابقِ، والخلافُ معهُ في طريقةِ احتسابِ الأيامِ، فعَدَّ صلاةَ يومِ الأحدِ يوماً كاملاً؛ لأنَّ بياتَهُ بذي طوى وصلاتَهُ الصبحَ فيها لا يخرجُهُ عن مقامِهِ في مكةَ؛ لأنَّ ذي طوى قريبةٌ جداً من المسجدِ الحرامِ، مع ثلاثةِ الأيامِ، فهذهِ أربعةُ أيامٍ، وصلاةُ الصبحِ يومَ الترويةِ في الأبطحِ تمامُ إحدى وعشرينَ صلاةً، وقد قصرَ النبيُّ ﷺ فيهن الصلاةَ، فما زادَ على ذلك لزمَهُ الإتمامُ.
وما نُقِلَ من قصرِ النبيِّ ﷺ في حجةِ الوداعِ، أو في فتحِ مكةَ، أو في غزوةِ تبوكَ -مع إقامتِهِ فيها مدداً مختلفةً- حكايةُ أفعالٍ تفيدُ جوازَ القصرِ في مثلِ هذا العددِ، ولا تفيدُ منعَ القصرِ فيما زادَ عليها، وإذا وُجِدَت أحكامُ السفرِ مع الإقامةِ في أثنائِهِ، دلَّ على أنَّ إقامةَ المسافرِ لا تنافي الترخصَ، فمن أرادَ أن يخرجَهُ من أحكامِ السفرِ في غيرِها من المددِ فعليهِ الدليلُ.
يقولُ شيخُ الإسلامِ:
«من جعلَ للمقامِ حَدّاً من الأيامِ: إما ثلاثةً، وإما أربعةً، وإما عشرةً، وإما اثني عشرَ، وإما خمسةَ عشرَ، فإنهُ قال قولاً لا دليلَ عليهِ من جهةِ الشرعِ، وهي تقديراتٌ متقابلةٌ. فقد تضمنتْ هذهِ الأقوالُ تقسيمَ الناسِ إلى مسافرٍ، ومقيمٍ …. وتقسيمَ المقيمِ إلى مستوطنٍ وغيرِ مستوطنٍ، وهذا التقسيمُ لا دليلَ عليهِ من جهةِ الشرعِ، فالناسُ إما مسافرٌ، وإما مقيمٌ»[45].
ومن خرجَ من بيتِهِ مسافراً فلهُ أن يترخصَ من غيرِ فرقٍ بين كونِهِ مقيماً في سفرِهِ، وبين كونِهِ قد جَدَّ بهِ السيرُ، ولا يقطعُ حكمَ السفرِ إلا أمرانِ: أن ينويَ الإقامةَ المطلقةَ، وذلك بتغييرِ محلِّ الإقامةِ، أو يرجعَ إلى بلدِهِ.
كلُّ حَدٍّ للعبادةِ بزمنٍ أو مكانٍ أو عددٍ فلا بدَّ لهُ من دليلٍ، ولم يُنْقَلْ أنَّ النبيَّ ﷺ حدَّدَ مدةَ الإقامةِ المبيحةِ لـلقصرِ من قولِهِ، ولا أنهُ أتمَّ في سفرِهِ إذا أقامَ في أثنائِهِ، ولو مرةً واحدةً، فـالإقامةُ في السفرِ إما أن تكونَ مع رفضِ السفرِ، أو لا، فالأولى تمنعُ من الترخصِ قولاً واحداً، بخلافِ الثانيةِ فلا تمنعُ؛ لبقاءِ نيةِ السفرِ.
قال عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- لأهلِ مكةَ: «أتمُّوا أهلَ مكةَ فإنا قومٌ سَفْرٌ»[46].
فأطلقَ عليهِ وصفَ السفرِ مع نيةِ الإقامةِ للمناسكِ، فإذا صدقَ اسمُ السفرِ على المقيمِ أثناءَ سفرِهِ لم يمنعْ من الترخصِ، فمن ادعى أنَّ إقامةَ المسافرِ في أثناءِ سفرِهِ ترفعُ عنهُ وصفَ السفرِ، وتمنعهُ من الترخصِ فعليهِ الدليلُ، ولا يكفي القولُ بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يقصرْ إلا في هذهِ المدةِ، فما زادَ عليها فلا يقصرُ؛ لأنَّ الأفعالَ التي تقعُ اتفاقاً لا يُسْتَفَادُ منها التحديدُ؛ ولأنَّ قصرَهُ ﷺ في تلك المدةِ لا ينفي القصرَ فيما زادَ عليها، واللهُ أعلمُ.
وروى الإمامُ أحمدُ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، حدثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي السفرِ، عن سعيدِ بنِ شفيٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعلَ الناسُ يسألونَهُ عن الصلاةِ في السفرِ، فقال: «كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خرجَ من أهلِهِ لم يصلِّ إلا ركعتينِ حتى يرجعَ إلى أهلِهِ». [صحيحٌ][47].
ولو كانت إقامةُ النبيِّ ﷺ في سفرِهِ يوماً أو بعضَ يومٍ لقيلَ ربما هذهِ إقامةٌ يسيرةٌ لا يسلمُ منها كلُّ مسافرٍ.
أما أن يقيمَ أربعةَ أيامٍ عشرينَ صلاةً، ثم لا يقطعَ ذلك حكمَ سفرِهِ، دلَّ على أنَّ الإقامةَ في السفرِ لا أثرَ لها في قطعِ الترخصِ.
روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ يحيى بنِ أبي إسحاقَ قال: سمعتُ أنساً يقولُ: «خرجنا مع النبيِّ ﷺ من المدينةِ إلى مكةَ، فكان يصلي ركعتينِ ركعتينِ، حتى رجعنا إلى المدينةِ. قلتُ: أقمتم بمكةَ شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً»[48].
وروى البخاريُّ من طريقِ أبي شهابٍ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: «أقمنا مع النبيِّ ﷺ في سفرٍ تسعَ عشرةَ نقصرُ الصلاةَ».
وقال ابنُ عباسٍ: «ونحن نقصرُ ما بيننا وبين تسعَ عشرةَ، فإذا زدنا أتممنا»[49].
[قولُهُ: (أقمنا تسعَ عشرةَ) هذا هو المحفوظُ من لفظِ الحديثِ].
وروى أحمدُ، قال: حدثنا عبدُ الرزاقِ، أخبرنا معمرٌ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثوبانَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: «أقامَ رسولُ اللهِ ﷺ بتبوكَ عشرينَ يوماً يقصرُ الصلاةَ». [المحفوظُ مرسلٌ][50].
ثبتَ أنهُ ﷺ أقامَ في أثناءِ سفرِهِ وقصرَ الصلاةَ، سواءٌ أكان ذلك في حجةِ الوداعِ، أم في فتحِ مكةَ، أم في غزوةِ تبوكَ. ولم يُنْقَلْ عن النبيِّ ﷺ أنَّ هذا الفعلَ منهُ هو منتهى ما يقصرُ فيهِ المسافرُ إذا أقامَ، ولا بيَّنَ ﷺ أنهُ قَصَرَ في فتحِ مكةَ؛ لأنهُ لم يُجْمِعْ إقامةً، ولا أنهُ قصرَ في تبوكَ؛ لأنهُ في انتظارِ حربٍ مع العدوِّ قد تطولُ، ولو كان قَصْرُ النبيِّ ﷺ في إقامتِهِ تلك لهذه العللِ لبيَّنَ النبيُّ ﷺ ذلك من قولِهِ حتى لا يُسْتَدَلَّ بهذه الأفعالِ على جوازِ القصرِ مطلقاً؛ وإذ لم يُبَيِّنْ ذلك فالأصلُ بقاءُ حكمِ السفرِ حتى يثبتَ عكسُهُ من صريحِ قولِ النبيِّ ﷺ، أو يثبتَ من فعلِهِ أنهُ أتمَّ في سفرِهِ بسببِ الإقامةِ العارضةِ، وإذا لم يثبتْ لا هذا ولا ذاك، فالأصلُ استصحابُ حكمِ السفرِ.
أنَّ هذهِ النصوصَ العامةَ والمطلقةَ باقيةٌ على عمومِها وإطلاقِها، ولا يقيدُ هذهِ النصوصَ ولا يخصصُها إلا نصوصٌ مثلُها أو إجماعٌ، أو قولُ صحابيٍّ اشتهرَ ولم يخالفْهُ أحدٌ.
فلم يجمعِ الإقامةَ مدةً معلومةً، ففي فتحِ مكةَ كان بقاؤُهُ فيها لغايتينِ: تنظيمِ شؤونِها بعدَ فتحِها، وتجهيزِ الجيشِ لغزوةِ حنينٍ، وهذا أمرٌ لا يُعْلَمُ متى يُفْرَغُ منهُ.
قال إسحاقُ بنُ منصورٍ:
«قِيلَ لـأحمدَ -رضيَ اللهُ عنهُ- : إنَّ النَّبيَّ ﷺ أقَامَ بمكةَ ثماني عشرةَ زمنَ الفتحِ، قال: إنَّما أرادَ حُنيناً لم يكُنْ ثمَّ إجماعٌ، وأقامَ بتبوكَ عشرينَ لمْ يكُنْ ثَمَّ إجماعٌ، ولكن إذا أُجْمِعَ على إقامةٍ زيادةً على أربعٍ أتَمَّ الصَّلاةَ»[51].
وأما إقامتُهُ في تبوكَ، فإنهم كانوا مقيمينَ بدارِ الحربِ، وينتظرونَ الرجوعَ في كلِّ يومٍ، فلم يجمعوا على الإقامةِ مدةً معلومةً.
وإذا لم يجمعِ المسافرُ المكثَ مدةً معلومةً فلهُ القصرُ، وحُكِيَ إجماعاً.
قال الترمذيُّ:
«أجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ المسافرَ يقصرُ ما لم يجمعْ إقامةً، وإن أتى عليهِ سنونَ»[52].
وقال مثلَهُ ابنُ المنذرِ[53].
وكان ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- القائلَ: المسافرُ يقصرُ ما لم يجمعْ مكثاً.
والقائلُ أيضاً: إذا أجمعَ على الإقامةِ اثني عشرَ يوماً أتمَّ حين حبسَهُ الثلجُ في أذربيجانَ ستةَ أشهرٍ قصرَ الصلاةَ، وإن كان يعلمُ أنهُ لا يذوبُ عن قربٍ، إلا أنهُ حين علقَ سفرَهُ على حاجةٍ لا يعلمُ متى تُقْضَى قصرَ، وليس فعلُ ابنِ عمرَ هذا مخالفاً لقولِهِ.
ومثلُهُ قولُ ابنِ عباسٍ فهو يرى أنهُ إذا أقامَ أكثرَ من تسعةَ عشرَ يوماً أتمَّ الصلاةَ، ومع ذلك صحَّ عنهُ أنهُ أفتى بالقصرِ لمن أقامَ في المدينةِ حَوْلاً كاملاً، وكذلك أفتى بالقصرِ لمن أقامَ خمسةَ أشهرٍ، وسبقَ تخريجُها، وسأعيدُها إن شاءَ اللهُ تعالى في الدليلِ التالي، وفتواهُ لا تعارضُ قولَهُ بـالإتمامِ إذا أقامَ أكثرَ من تسعةَ عشرَ يوماً، واللهُ أعلمُ.
فهو الفعلُ الوحيدُ الذي أجمعَ النبيُّ ﷺ على الإقامةِ فيهِ مدةً معلومةً.
فـأنسٌ عَدَّ مقامَهُ في المشاعرِ من مقامِهِ في مكةَ، فقال: أقمنا في مكةَ عشراً نقصرُ الصلاةَ، وكذلك نافعٌ فيما رواهُ عن ابنِ عمرَ، وقد سبقَ تخريجُهما، ولا يوجدُ من أقوالِ الصحابةِ ما يخالفُهما.
بأنَّ إقامتَهُ ﷺ بمكةَ لا استيطاناً لها لئلا تكونَ رجوعاً في الهجرةِ، وبأنَّ إقامتَهُ ﷺ بها عشراً كانت بنيةِ الرحيلِ، وكانت العوائقُ تمنعُهُ من ذلك، فما كان على نيةِ الرحيلِ، فإنهُ يقصرُ فيهِ، وإن أقامَ مدةً طويلةً بإجماعِ العلماءِ[54].
وأما الجمهورُ فجعلوا توجهَ النبيِّ ﷺ من مكةَ إلى منى شروعاً في سفرٍ جديدٍ، وقطعاً لإقامتِهِ في مكةَ، وقد أقامَ النبيُّ ﷺ في مكةَ يقصرُ الصلاةَ، فما زادَ عليها لزمَهُ الإتمامُ احتياطاً.
قال الأثرمُ:
«سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يذكرُ حديثَ أنسٍ في الإجماعِ على الإقامةِ للمسافرِ. فقال: هو كلامٌ ليس يفقهُهُ كلُّ أحدٍ … فإنما وجهُ حديثِ أنسٍ أنهُ حسبَ مقامَ النبيِّ ﷺ بمكةَ ومنى، وإلا فلا وجهَ لهُ عندي غيرَ هذا»[55].
أتحسبُ بعددِ الصلواتِ التي صلاها في الأبطحِ، أم تحسبُ بعددِ الأيامِ؟
والقائلونَ بالأيامِ اختلفوا في احتسابِ يوميِّ الدخولِ والخروجِ من المدةِ، ولهذا اختلفت أقوالُهم في مدةِ إقامتِهِ بالأبطحِ على ما سبقَ ذكرُهُ.
وما رُوِيَ عن الصحابةِ من قصرِ الصلاةِ مع الإقامةِ الطويلةِ محمولٌ على أنهم لم يعزموا على الإقامةِ مدةً طويلةً، وإنما كانوا ينتظرونَ قضاءَ حاجاتِهم؛ لأنها حكايةُ أفعالٍ، فهي تشبهُ فعلَ ابنِ عمرَ حين قصرَ الصلاةَ بسببِ الثلجِ.
فـالأصحُّ في مذهبِ الشافعيةِ أنَّ المسافرَ إذا أقامَ، وهو لا يعلمُ متى تنقضي حاجتُهُ، فإنهُ يقصرُ ثمانيةَ عشرَ يوماً، ثم يُتِمُّ، لا فرقَ بين المقيمِ لقتالٍ أو خوفٍ أو تجارةٍ أو غيرِها.
قال النوويُّ:
«لو أقامَ ببلدٍ بنيةِ أن يرحلَ إذا حصلتْ حاجةٌ يتوقعُها كلَّ وقتٍ قصرَ ثمانيةَ عشرَ يوماً…..»[56].
وقال ابنُ عباسٍ بـجوازِ القصرِ تسعةَ عشرَ يوماً تأسياً بفعلِ النبيِّ ﷺ في حجةِ الوداعِ مطلقاً، ولم يشترطْ أن يكونَ المسافرُ لم يجمعْ مكثاً.
وإذا كانت الإقامةُ تسعةَ عشرَ يوماً لا تقطعُ أحكامَ السفرِ لم يقطعْ أحكامَ السفرِ ما زادَ عليها؛ فما الفرقُ بين الإقامةِ في اليومِ التاسعِ عشرَ وبين اليومِ العشرينَ؟
ولأنَّ إبطالَ حكمِ القصرِ حكمٌ وضعيٌّ، فإذا كانت الإقامةُ تبطلُهُ لم يكن هناك فرقٌ بين الأربعةِ أيامٍ أو العشرةِ أو الخمسةِ عشرَ، أو التسعةِ عشرَ، أو أقلَّ أو أكثرَ.
لم يبيِّنْ النبيُّ ﷺ أنهُ قصرَ في فتحِ مكةَ؛ لأنهُ لم يجمعِ الإقامةَ، ولا أنهُ قصرَ في تبوكَ؛ لأنهُ في انتظارِ حربٍ لا يُعْلَمُ متى تنتهي، ولو كان هذا شرطاً للقصرِ مع الإقامةِ لبيَّنَهُ النبيُّ ﷺ؛ لأنَّ شروطَ العبادةِ توقيفيةٌ، وحتى لا يلتبسَ على الناسِ أمرُ دينِهم في أعظمِ أركانِ الإسلامِ بعدَ الشهادتينِ، وحتى لا يتأسى بهِ أحدٌ ممن لم يتوفرْ فيهِ هذا الشرطُ.
لم يصحَّ عن أحدٍ من الصحابةِ أنَّ المسافرَ إذا عزمَ على إقامةٍ معلومةٍ أتمَّ إلا عن ابنِ عمرَ وحدَهُ.
فقال ابنُ عمرَ: يتمُّ إذا أجمعَ على الإقامةِ اثني عشرَ يوماً.
وسبقَ تخريجُهُ.
وأما الأثرُ عن عليٍّ -رضيَ اللهُ عنهُ-، فمع مخالفتِهِ لـابنِ عمرَ في تقديرِ المدةِ فإنَّ الأثرَ عنهُ منقطعٌ:
فقد روى عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيهِ، عن عليٍّ قال: «إذا أقمتَ بأرضٍ عشراً فأتمَّ، فإن قلتَ: أخرجُ اليومَ أو غداً، فصلِّ ركعتينِ، وإن أقمتَ شهراً». [رجالُهُ ثقاتٌ إلا أنهُ منقطعٌ][57].
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، ولم يصحَّ عنهُ.
فقد روى الطبريُّ من طريقِ عبدِ الوارثِ بنِ سعيدٍ، حدثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: «إذا قدمتَ أرضاً لا تدري متى تخرجُ، فأتمَّ الصلاةَ، وإذا قلتَ: أخرجُ اليومَ أخرجُ غداً فَقَصْرُ ما بينكَ وبين عشرٍ ثم أتمَّ الصلاةَ». [منكرٌ][58].
لمخالفتِهِ ما رواهُ البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ، من طريقِ أبي شهابٍ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: «أقمنا مع النبيِّ ﷺ في سفرٍ تسعَ عشرةَ نقصرُ الصلاةَ».
وقال ابنُ عباسٍ: «ونحن نقصرُ ما بيننا وبين تسعَ عشرةَ، فإذا زدنا أتممنا»[59].
وظاهرُهُ من غيرِ فرقٍ بين كونِهِ عزمَ على الإقامةِ مدةً معلومةً أو لا.
ونُقِلَ عن جماعةٍ من الصحابةِ القصرُ مطلقاً مع الإقامةِ الطويلةِ، منهم ابنُ عباسٍ، وعبدُ الرحمنِ بنِ مسورٍ، وأنسُ بنُ مالكٍ، وسعدُ بنُ أبي وقاصٍ، وابنُ مسعودٍ وغيرُهم، وسبقَ تخريجُها في المسألةِ السابقةِ.
وأخذَ بهِ بعضُ التابعينَ، منهم: الحسنُ البصريُّ، والشعبيُّ، وإبراهيمُ النخعيُّ، ومسروقٌ، وأبو وائلٍ شقيقُ بنُ سلمةَ، وقد وثقتُ ذلك في الأقوالِ في المسألةِ السابقةِ.
هذا هو ما يُؤْثَرُ عن الصحابةِ، فلا يصحُّ القولُ بأنهُ إذا أجمعَ إقامةً أتمَّ إلا عن ابنِ عمرَ وحدَهُ، وإذا كان قولُ ابنِ عمرَ مخالفاً لما رواهُ جمعٌ من الصحابةِ جزمَ الباحثُ أنَّ قولَهُ صادرٌ عن اجتهادٍ، وليس عن سنةٍ.
والقائلونَ بانقطاعِ أحكامِ السفرِ بـالإقامةِ قد اختلفوا في تقديرِ هذهِ المدةِ اختلافاً كثيراً، من لدنِ الصحابةِ فمن بعدَهم، ولو كان فيهِ توقيفٌ لم يختلفوا على هذا النحوِ، حتى بلغتِ الأقوالُ فيها إلى أكثرَ من عشرينَ قولاً، بل تجدُ الصحابيَّ الواحدَ لهُ في المسألةِ أكثرُ من قولٍ.
لهذا كلِّهِ أرى أنَّ التمسكَ بمطلقِ فعلِ النبيِّ ﷺ هو الأَوْلَى، ولا يقيدُ فعلَ النبيِّ ﷺ إلا نصٌّ مثلُهُ أو إجماعٌ، أو قولُ صحابيٍّ اشتهرَ، ولا معارضَ لهُ، واللهُ أعلمُ.
أنَّ الجمهورَ اشترطوا لصحةِ القصرِ مع الإقامةِ شرطينِ:
أحدهما: ألا يعلمَ متى تنقضي حاجتُهُ.
الثاني: أن يُحْتَمَلَ انقضاؤُها في المدةِ التي لا ينقطعُ بها حكمُ السفرِ على إحدى القولينِ.
ومتى اختلَّ شرطٌ من هذينِ الشرطينِ لزمَهُ الإتمامُ[60].
قال شيخُ الإسلامِ في معرضِ الردِّ عليهم:
«أقامَ النبيُّ ﷺ في غزوةِ الفتحِ تسعةَ عشرَ يوماً يقصرُ الصلاةَ، وأقامَ بتبوكَ عشرينَ يوماً يقصرُ الصلاةَ، ومعلومٌ بالعادةِ أنَّ ما كان يُفْعَلُ بمكةَ وتبوكَ لم يكن ينقضي في ثلاثةِ أيامٍ ولا أربعةٍ، حتى يُقَالَ: إنهُ كان يقولُ: اليومَ أسافرُ، غداً أسافرُ! بل فَتَحَ مكةَ، وأهلُها وما حولَها كفارٌ محاربونَ لهُ، وهي أعظمُ مدينةٍ فتحَها، وبفتحِها ذلتِ الأعداءُ وأسلمتِ العربُ، وسرَّى السرايا إلى النواحي ينتظرُ قدومَهم، ومثلُ هذهِ الأمورِ مما يُعْلَمُ أنها لا تنقضي في أربعةِ أيامٍ، فـعُلِمَ أنهُ أقامَ لأمورٍ يُعْلَمُ أنها لا تنقضي في أربعةٍ، وكذلك في تبوكَ»[61].
ويقولُ شيخُ الإسلامِ:
«أقامَ المسلمونَ بنهاوندَ ستةَ أشهرٍ يقصرونَ الصلاةَ وكانوا يقصرونَ الصلاةَ مع علمِهم أنَّ حاجتَهم لا تنقضي في أربعةِ أيامٍ ولا أكثرَ. كما أقامَ النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ بعدَ فتحِ مكةَ قريباً من عشرينَ يوماً يقصرونَ الصلاةَ وأقاموا بمكةَ عشرةَ أيامٍ يفطرونَ في رمضانَ. وكان النبيُّ ﷺ لما فتحَ مكةَ يعلمُ أنهُ يحتاجُ أن يقيمَ بها أكثرَ من أربعةِ أيامٍ»[62].
صحَّ عن جماعةٍ من الصحابةِ أنهم قصروا الصلاةَ مع الإقامةِ الطويلةِ أثناءَ السفرِ، من ذلك:
ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن سماكِ بنِ سلمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: «إن أقمتَ في بلدٍ خمسةَ أشهرٍ فاقصرِ الصلاةَ».
ولفظُهُ عند الطبريِّ: سُئِلَ ابنُ عباسٍ عن قَصْرِ الصلاةِ، فقال: «قَصِّرْ وإن كنتَ في أرضٍ خمسةَ أشهرٍ». [صحيحٌ][63].
وروى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، قال: حدثنا وكيعٌ قال: حدثنا المثنى بنُ سعيدٍ عن أبي جمرةَ نصرِ بنِ عمرانَ قال: قلتُ لـابنِ عباسٍ: إنا نطيلُ القيامَ بالغزوِ بخراسانَ فكيف ترى؟ فقال: «صلِّ ركعتينِ، وإن أقمتَ عشرَ سنينَ». [صحيحٌ][64].
وروى ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، قال: حدثنا وكيعٌ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبي التياحِ الضبعيِّ، عن رجلٍ، من عنزةَ يُكْنَى أبا المنهالِ، قال: قلتُ لـابنِ عباسٍ: إني أقيمُ بالمدينةِ حَوْلاً، لا أَشُدُّ على سيرٍ، قال: «صلِّ ركعتينِ»[65]. [صحيحٌ][66].
وروى الطبريُّ من طريقِ عبدِ الوارثِ، حدثنا يونسُ، عن الحسنِ «أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ، كان بنيسابورَ على جبايتِها، فكان يصلي ركعتينِ ثم يسلمُ، ثم يصلي ركعتينِ، ولا يُجَمِّعُ، وكان الحسنُ معهُ شتوتينِ». [صحيحٌ][67].
وروى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن حفصِ بنِ عبيدِ اللهِ «أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ أقامَ بالشامِ شهرينِ مع عبدِ الملكِ بنِ مروانَ يصلي ركعتينِ ركعتينِ». [حسنٌ، وقد ثبتَ سماعُ حفصٍ من جدِّهِ أنسِ بنِ مالكٍ][68].
وروى البيهقيُّ في «السننِ» من طريقِ عاصمِ بنِ عليٍّ، حدثنا عكرمةُ ابنُ عمارٍ، حدثنا يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أنسٍ،
«أنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ أقاموا برامَهُرْمُزَ تسعةَ أشهرٍ يقصرونَ الصلاةَ». [ضعيفٌ][69].
وروى ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا عبدُ الأعلى، عن يونسَ، عن الحسنِ، «أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ سمرةَ، شتى بكابلَ شتوةً أو شتوتينِ يصلي ركعتينِ». [صحيحٌ][70].
وروى عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ المسورِ، عن سعدٍ قال: «كنا معهُ بالشامِ شهرينِ، فكنا نُتِمُّ وكان يقصرُ، فقلنا لهُ، فقال: إنَّا نحن أعلمُ». [حسنٌ][71].
وروى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن أبي إسحاقَ، قال: «أقمنا مع والٍ، قال: أحسبُهُ بسجستانَ سنتينِ، ومعنا رجالٌ من أصحابِ ابنِ مسعودٍ، فصلى بنا ركعتينِ ركعتينِ حتى انصرفَ، ثم قال: كذلك كان ابنُ مسعودٍ يفعلُ». [صحيحٌ][72].
روى أبو داودَ من طريقِ محمدِ بنِ سلمةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: «أقامَ رسولُ اللهِ ﷺ بمكةَ عامَ الفتحِ خمسَ عشرةَ يقصرُ الصلاةَ».
[وصلُهُ شاذٌّ، والمحفوظُ أنهُ مرسلٌ][73].
أما روايةُ ابنِ إسحاقَ بالتحديدِ بخمسةَ عشرَ فأُعِلَّتْ بثلاثِ عللٍ.
تفردُ ابنِ إسحاقَ بهذهِ الروايةِ.
الاختلافُ عليهِ في الوصلِ والإرسالِ، والأكثرُ على أنَّ الروايةَ مرسلةٌ، والمرسلُ من قبيلِ الضعيفِ، وقد رجَّحَ أبو داودَ والبيهقيُّ روايةَ الإرسالِ، وقولُهما أَوْلَى من ترجيحِ ابنِ عبدِ البرِّ وابنِ حجرٍ روايةَ الوصلِ.
لو فرضنا ترجيحَ روايةِ الوصلِ فإنَّ روايةَ ابنِ إسحاقَ مخالفةٌ لروايةِ البخاريِّ: أنهُ أقامَ في فتحِ مكةَ تسعَ عشرةَ ليلةً، وروايةُ البخاريِّ أقوى إسناداً.
أنَّ حديثَ ابنِ عباسٍ مُعَلٌّ بالاضطرابِ.
رواهُ ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، وذكرَ الإقامةَ في مكةَ خمسةَ عشرَ يوماً.
ورواهُ شريكٌ، عن عبدِ الرحمنِ الأصبهانيِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ أقامَ بمكةَ عامَ الفتحِ سبعَ عشرةَ، يصلي ركعتينِ». [ضعيفٌ][74].
ورواهُ حفصُ بنِ غياثٍ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقامَ سبعَ عشرةَ بمكةَ يقصُرُ الصلاةَ».
قال ابنُ عباسٍ: «ومن أقامَ سبعَ عشرةَ قصرَ، ومن أقامَ أكثرَ أتمَّ».
[وَهِمَ فيهِ حفصٌ في قولِهِ: (سبعَ عشرةَ)].
ورواهُ أبو شهابٍ الحناطُ في روايةِ الأكثرِ عنهُ، وهي في «البخاريِّ».
وأبو عوانةَ في روايةِ الأكثرِ عنهُ، وهي في «البخاريِّ».
وابنُ المباركِ في روايةِ الأكثرِ عنهُ، وهي في «البخاريِّ».
وأبو معاويةَ من روايةِ الأكثرِ عنهُ،
وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، خمستُهم رووهُ عن عاصمٍ بهِ، فذكروا إقامتَهُ في فتحِ مكةَ تسعةَ عشرَ يوماً[75].
وروى عليُّ بنُ زيدٍ عن أبي نضرةَ، عن عمرانَ بنِ حصينٍ، قال: «قمنا مع النبيِّ ﷺ بمكةَ حيث فتحَها ثمانيةَ عشرَ يصلي ركعتينِ ركعتينِ». [ضعيفٌ][76].
وقد أعلَّهُ ابنُ عبدِ البرِّ بالاضطرابِ:
قال:
«وهو حديثٌ مُخْتَلَفٌ فيهِ لا يثبتُ فيهِ شيءٌ؛ لكثرةِ اضطرابِهِ…. فكيف يثبتُ مع هذا الاختلافِ في مقدارِ إقامتِهِ بمكةَ عامَ الفتحِ أو أيِّ حجةٍ في إقامتِهِ بمكةَ وليست لهُ بدارِ إقامةٍ، بل هي في حكمِ دارِ الحربِ، أو حيثُ لا تجوزُ الإقامةُ؟»[77].
أما وجهُ الترجيحِ: فروايةُ أنهُ أقامَ تسعةَ عشرَ يوماً أرجحُ من غيرِها للأسبابِ التاليةِ:
أنها روايةُ الإمامِ البخاريِّ في «صحيحِهِ»، وهو أصحُّ الكتبِ بعدَ كتابِ اللهِ سبحانهُ وتعالى، وقد رواها من طريقِ ابنِ المباركِ، وأبي شهابٍ الحناطِ، وأبي عوانةَ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ.
أنَّ عاصماً الأحولَ لم ينفردْ بهِ عن عكرمةَ، فقد تابعَهُ حصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ السلميُّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال:
«أقامَ النبيُّ ﷺ تسعةَ عشرَ يقصُرُ، فنحن إذا سافرنا تسعةَ عشرَ قصرنا، وإن زدنا أتممنا»، وهي في صحيحِ البخاريِّ[78].
رجَّحَ الإمامُ إسحاقُ بنُ راهويهِ روايةَ (التسعةِ عشرةَ)؛ لأنها أكثرُ ما وردتْ بهِ الرواياتُ الصحيحةُ[79].
وقال البيهقيُّ:
«اختلفتْ هذه الرواياتُ في (تسعَ عشرةَ) و (سبعَ عشرةَ) وأصحهما عندي روايةُ من روى (تسعَ عشرةَ) وهي الروايةُ التي أودعها محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ في «الجامعِ الصحيحِ»، فأخذَ من رواها، ولم يُخْتَلَفْ عليهِ على عبدِ اللهِ بنِ المباركِ، وهو أحفظُ من رواها عن عاصمٍ الأحولِ»[80].
أنَّ الرواياتِ الأخرى التي تخالفُ روايةَ التسعةِ عشرَ لا تسلمُ من علةٍ.
فروايةُ أنهُ: (أقامَ خمسةَ عشرَ يوماً):
أُعِلَّتْ بثلاثِ عللٍ سبقَ ذكرُها.
وروايةُ: (أنهُ أقامَ سبعةَ عشرَ يوماً):
مخالفةٌ لروايةِ الأكثرِ ممن روى الحديثَ، فرواهُ ابنُ المباركِ، وأبو شهابٍ الحناطُ، وأبو معاويةَ، وأبو عوانةَ، وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ (من روايةِ الأكثرِ عنهُ) رووهُ بلفظِ: أقامَ تسعةَ عشرَ.
وأما وجهُ الجمعِ:
فقال البيهقيُّ:
«ويمكنُ الجمعُ بين روايةِ من روى تسعَ عشرةَ، وروايةِ من روى سبعَ عشرةَ، وروايةِ من روى ثمانَ عشرةَ بأنَّ من رواها تسعَ عشرةَ عدَّ يومَ الدخولِ ويومَ الخروجِ، ومن روى ثمانَ عشرةَ لم يَعُدَّ أحدَ اليومينِ، ومن قال سبعَ عشرةَ لم يعدَّهما، واللهُ أعلمُ»[81].
روى عبدُ الرزاقِ، عن عمرَ بنِ ذرٍّ، قال: سمعتُ مجاهداً، يقولُ: «كان ابنُ عمرَ إذا قَدِمَ مكةَ، فأرادَ أن يقيمَ خمسَ عشرةَ ليلةً سرَّحَ ظهرَهُ، وأتمَّ الصلاةَ». [رجالُهُ ثقاتٌ][82].
أنَّ التحديدَ بالخمسةِ عشرَ يوماً من ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ من المقدراتِ الشرعيةِ التي لا تُعْلَمُ إلا من جهةِ التوقيفِ، لا مدخلَ للرأيِ فيها؛ لأنَّ العقلَ لا يهتدي إلى مثلِ ذلك، ولا يُظَنُّ بهما التكلمُ جزافاً فكان قولُهما معتمداً على السماعِ ضرورةً، فهو في حكمِ المرفوعِ[83].
قال الطحاويُّ: بأنهُ لا مخالفَ لهما من الصحابةِ[84]. أي لا مخالفَ لـابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ.
أما الجوابُ عن حديثِ ابنِ عباسٍ:
فقد سبقَ الجوابُ عنهُ، وأنَّ الراجحَ فيهِ روايةُ التسعةِ عشرَ.
أما الجوابُ عن أثرِ ابنِ عمرَ:
فإنَّ سالماً ونافعاً رويا عن ابنِ عمرَ بأنهُ يُتِمُّ إذا نوى إقامةَ اثنتي عشرةَ ليلةً، وسبقَ تخريجُهُ.
وروى مجاهدُ بنُ جبرٍ المكيُّ: إذا أرادَ أن يقيمَ خمسَ عشرةَ ليلةً.
فإن حُمِلَتِ الثانيةُ على أنها حكايةٌ عن واقعةِ حالٍ لا يُرَادُ منها التحديدُ؛ لأنَّ الخمسَ عشرةَ اثنتا عشرةَ وزيادةٌ، وإلا رُجِّحَتْ روايةُ سالمٍ ونافعٍ؛ لأنَّ روايةَ آلِ بيتِ الرجلِ أرجحُ من روايةِ الغريبِ، وهما أعلمُ بـابنِ عمرَ من مجاهدٍ، واللهُ أعلمُ.
وأما الجوابُ عن دعوى الإجماعِ:
فقال ابنُ قدامةَ:
«وقولُ أصحابِ الرأيِ: لم نعرفْ لهم مخالفاً في الصحابةِ، غيرُ صحيحٍ، فقد ذكرنا الخلافَ فيهِ عنهم، وذكرنا عن ابنِ عباسٍ نفسِهِ خلافَ ما حكوهُ عنهُ»[85].
روى البخاريُّ من طريقِ أبي شهابٍ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: «أقمنا مع النبيِّ ﷺ في سفرٍ تسعَ عشرةَ نقصرُ الصلاةَ».
وقال ابنُ عباسٍ:
«ونحن نقصرُ ما بيننا وبين تسعَ عشرةَ، فإذا زدنا أتممنا»[86].
بأنهُ لم يُنْقَلْ عن النبيِّ ﷺ أنَّ هذا الفعلَ منهُ هو منتهى ما يقصرُ فيهِ المسافرُ إذا أقامَ، وإذا ثبتَ القصرُ في الإقامةِ في أثناءِ السفرِ بيقينٍ لم يُرْفَعْ إلا بيقينٍ.
ولأنَّ قصرَ النبيِّ ﷺ تسعةَ عشرَ يوماً مطلقٌ، والمطلقُ باقٍ على إطلاقِهِ لا يقيدُهُ إلا نصٌّ مثلُهُ أو إجماعٌ.
وإذا كانت الإقامةُ تسعةَ عشرَ يوماً لا تقطعُ أحكامَ السفرِ، لم يقطعْ أحكامَ السفرِ ما زادَ عليها، وأيُّ فرقٍ في الحكمِ بين التسعةِ عشرَ وبين العشرينَ يوماً، فكلاهما لا يدخلُ في حدِّ القليلِ، واللهُ أعلمُ؟
روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ يحيى بنِ أبي إسحاقَ قال: سمعتُ أنساً يقولُ: «خرجنا مع النبيِّ ﷺ من المدينةِ إلى مكةَ، فكان يصلي ركعتينِ ركعتينِ، حتى رجعنا إلى المدينةِ. قلتُ: أقمتم بمكةَ شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً».
سوف أستدلُّ لهذا القولِ حسبَ اجتهادي، فإن كان صواباً فالحمدُ للهِ، وإن كان خطأً فأستغفرُ اللهَ،
فالنبيُّ ﷺ باتَ في اليومِ الثالثِ بذي طوى، وهو قريبٌ من الحرمِ، فيدخلُ في حسابِ إقامةِ النبيِّ ﷺ في مكةَ،
روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال: حدثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهما- قال: «باتَ النبيُّ ﷺ بذي طوى حتى أصبحَ، ثم دخلَ مكةَ»[87].
ودخلَ النبيُّ ﷺ مكةَ صبيحةَ اليومِ الرابعِ،
روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ وهيبٍ، حدثنا ابنُ طاوسٍ، عن أبيهِ، عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُ-، قال: «… قدمَ النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ صبيحةَ رابعةٍ مهلينَ بالحجِّ…» الحديث[88].
ومكثَ في الحرمِ إلى نهايةِ أيامِ التشريقِ، فهذهِ إحدى عشرَ يوماً، وقد كان النبيُّ ﷺ يقصرُ فيها، فإذا أقامَ اثني عشرَ يوماً أتمَّ الصلاةَ.
روى مالكٌ عن نافعٍ، «أنَّ ابنَ عمرَ أقامَ بمكةَ عشرَ ليالٍ يقصرُ الصلاةَ، إلا أن يصليَها مع الإمامِ فيصليَها بصلاتِهِ». [صحيحٌ][89].
وروى ابنُ المنذرِ من طريقِ محمدِ بنِ عجلانَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: «إذا أزمعتَ بالإقامةِ ثنتي عشرةَ فأتمَّ الصلاةَ». [ابنُ عجلانَ صدوقٌ، وفي روايتِهِ عن نافعٍ كلامٌ، إلا أنهُ لم ينفردْ بهِ][90].
روى الإمامُ أحمدُ، قال: حدثنا عبدُ الرزاقِ، أخبرنا معمرٌ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثوبانَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: «أقامَ رسولُ اللهِ ﷺ بتبوكَ عشرينَ يوماً يقصرُ الصلاةَ». [المحفوظُ مرسلٌ][91].
يقولُ ابنُ حزمٍ:
«إنَّ اللهَ تعالى لم يجعلِ القصرَ إلا مع الضربِ في الأرضِ، ولم يجعلْ رسولُ اللهِ ﷺ القصرَ إلا مع السفرِ، لا مع الإقامةِ، وبالضرورةِ ندري أنَّ حالَ السفرِ غيرُ حالِ الإقامةِ، وأنَّ السفرَ إنما هو التنقلُ في غيرِ دارِ الإقامةِ، وأنَّ الإقامةَ هي السكونُ وتركُ النقلةِ والتنقلِ في دارِ الإقامةِ، هذا حكمُ الشريعةِ والطبيعةِ معاً.
فإذْ ذلك كذلك فـالمقيمُ في مكانٍ واحدٍ مقيمٌ غيرُ مسافرٍ بلا شكٍّ، فلا يجوزُ أن يخرجَ عن حالِ الإقامةِ وحكمِها في الصيامِ والإتمامِ إلا بنصٍّ.
وقد أقامَ رسولُ اللهِ ﷺ بتبوكَ عشرينَ يوماً يقصرُ الصلاةَ وهذا أكثرُ ما رُوِيَ عنهُ – عليهِ السلامُ – في إقامتِهِ بتبوكَ، فخرجَ هذا المقدارُ من الإقامةِ عن سائرِ الأوقاتِ بهذا الخبرِ فصحَّ يقيناً أنهُ لولا مقامُ النبيِّ -عليهِ السلامُ- في تبوكَ عشرينَ يوماً يقصرُ، وبمكةَ دونَ ذلك يقصرُ لكان لا يجوزُ القصرُ إلا في يومٍ يكونُ فيهِ المرءُ مسافراً، ولكان مقيمُ يومٍ يلزمهُ الإتمامُ.
لكن لما أقامَ -عليهِ السلامُ- عشرينَ يوماً بتبوكَ يقصرُ صحَّ بذلك أنَّ عشرينَ يوماً إذا أقامَها المسافرُ فلهُ فيها حكمُ السفرِ، فإن أقامَ أكثرَ، أو نوى إقامةً أكثرَ فلا برهانَ يخرجُ ذلك عن حكمِ الإقامةِ أصلاً»[92].
روى البخاريُّ ومسلمٌ من طريقِ ابنِ أبي ذئبٍ، قال: حدثنا سعيدٌ المقبريُّ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ -رضيَ اللهُ عنهما- قال: قال النبيُّ ﷺ: «لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن تسافرَ مسيرةَ يومٍ وليلةٍ، ليس معها حرمةٌ». هذا لفظُ البخاريِّ ولفظُ مسلمٍ بنحوِهِ[93].
وهذا نظرٌ في مقابلِ النصِّ، فيكونُ فاسداً، واللهُ أعلمُ.
وقولُ الجمهورِ بالتحديدِ بأربعةِ أيامٍ، أو أكثرَ من أربعةِ أيامٍ قولٌ لا يُؤْثَرُ عن أحدٍ من الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم.
والتحديدُ عند بعضِ الصحابةِ:
أصحُّ ما وردَ فيهِ عن ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ.
والأولُ حددَ ذلك في إحدى الرواياتِ عنهُ باثني عشرَ يوماً.
والثاني حددهُ بتسعةَ عشرَ يوماً.
وما وردَ عن الإمامِ عليٍّ -رضيَ اللهُ عنهُ- فهو ضعيفٌ.
وأكثرُ الصحابةِ على أنَّ المسافرَ يقصرُ، ولو طالتْ إقامتُهُ في سفرِهِ، وهو أقوى الأقوالِ.
فمن أرادَ أن يحتاطَ فالاحتياطُ بابُهُ واسعٌ، فيمكنُ لهُ أن يقصرَ إلى تسعةَ عشرَ يوماً، باعتبارِ هذا أكثرَ ما صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنهُ قصرَ في سفرِهِ.
وإن قصرَ حتى يرجعَ فهذا أقوى من حيثُ الحجةِ، وقواعدِ الأصولِ والاستدلالِ، واللهُ أعلمُ.
[1] نقلَ ابنُ المنذرِ في كتابِهِ «الأوسطِ» (4/358) عن الإمامِ إسحاقَ أنهُ قال:
«وقد قال آخرونَ: وهم الأقلونَ من أهلِ العلمِ: صلاةُ المسافرِ ما لم ترجعْ إلى أهلِكَ، إلا أن تقيمَ ببلدةٍ لكَ بها أهلٌ ومالٌ فإنها تكونُ كوطنِكَ، ولا ينظرونَ في ذلك إلى إقامةِ أربعٍ، ولا خمسَ عشرةَ، قال: ومما احْتُجَّ لأنفسِهم في ذلك ما سُئِلَ ابنُ عباسٍ عن تقصيرِ الصلاةِ، فقال: كان النبيُّ ﷺ إذا خرجَ من المدينةِ صلى ركعتينِ ركعتينِ حتى يرجعَ».
وجاءَ في «الفروعِ» (3/95):
«واختارَ شيخُنا وغيرُهُ: القصرَ والفطرَ، وأنهُ مسافرٌ ما لم يُجْمِعْ على إقامةٍ ويستوطنْ كإقامتِهِ لقضاءِ حاجةٍ لا نيةَ إقامةٍ». اهـ
وجاءَ في «الإنصافِ» (2/330):
«وقال الشيخُ تقيُّ الدينِ وغيرُهُ: إنَّ لهُ القصرَ والفطرَ، وإنهُ مسافرٌ، ما لم يُجْمِعْ على إقامةٍ ويستوطنْ».
هذا هو اختيارُ شيخِ الإسلامِ، وليس الردَّ إلى العرفِ.
وانظرْ قولَ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ في «مجموعِ الفتاوى»: (24/18، 137، 140)، «الاختياراتِ» للـبعليِّ (ص: 110، 111)، «الاختياراتِ» لـشيخِ الإسلامِ لدى تلاميذِهِ (1/218).
وانظرْ قولَ ابنِ القيمِ في: «زادِ المعادِ»، ط: عطاءاتِ العلمِ (3/708).
[2] «مسائلُ الإمامِ أحمدَ وإسحاقَ روايةِ الكوسجِ» (2/893).
وقد جاءَ هذا القولُ عن جماعةٍ من الصحابةِ، منهم: أنسٌ، وعبدُ الرحمنِ بنُ سمرةَ، وسعدُ بنُ أبي وقاصٍ، وابنُ مسعودٍ، وإحدى الروايتينِ عن ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ. وسوف أُخَرِّجُ هذه الأقوالَ في الأدلةِ إن شاءَ اللهُ تعالى.
[3] انظرِ العزوَ عنهم: في المسألةِ التي قبلَ هذهِ، فلا داعيَ للتكرارِ.
[4] اشترطَ الحنفيةُ أن يكونَ ذلك في موضعٍ واحدٍ، فأما إذا نوى الإقامةَ خمسةَ عشرَ يوماً في موضعينِ فلا ينقطعُ سفرُهُ.
وأن يكونَ الموضعُ صالحاً للإقامةِ، كالأمصارِ والقرى، فأما المفازةُ، والجزيرةُ، والسفينةُ فليست بموضعٍ للإقامةِ.
انظر: «الحجةَ على أهلِ المدينةِ» (1/168)، «الأصلَ»، ط: القطريةِ (1/263)، «المبسوطَ» (1/236)، «التجريدَ» للـقدوريِّ (2/881)، «مختصرَ القدوريِّ» (ص: 38)، «تحفةَ الفقهاءِ» (1/150)، «بدائعَ الصنائعِ» (1/97)، «بدايةَ المبتدئِ» (ص: 25).
وانظر: قولَ سعيدِ بنِ المسيبِ، والليثِ بنِ سعدٍ في «الاستذكارِ» (2/246)، «المغني» (2/212).
وفي «اختلافِ العلماءِ» للـطحاويِّ اختصارِ الجصاصِ حكى قولاً آخرَ لـليثٍ (1/359).
وانظر قولَ الثوريِّ: «سننَ الترمذيِّ»، ت: شاكرٍ (2/431)، «حليةَ العلماءِ» (2/199)، «اختلافَ العلماءِ» للـطحاويِّ، اختصارِ الجصاصِ (1/359).
وانظر قولَ المزنيِّ: «الأوسطَ» لـابنِ المنذرِ (4/361)، «المجموعَ» (4/364)، «حليةَ العلماءِ» (2/199)، «شرحَ التلقينِ» للـمازريِّ (2/916).
[5] جاءَ في «النوادرِ والزياداتِ» (1/430):
«من «العتبيةِ»، قال عيسى:
قال ابنُ القاسمِ:
وإذا نوى المسافرُ إقامةَ أربعةِ أيامٍ بلياليهنَّ أتمَّ، ولا يُحْسَبُ يومُ دخولِهِ، إلا أن يدخلَ أولَ النهارِ فيحسبَهُ أحبُّ إليَّ. وقال سحنونُ في «المجموعةِ»، وفي كتابِ ابنِهِ، وقالَهُ ابنُ الماجشونِ:
إذا نوى إقامةَ عشرينَ صلاةً، من وقتِ دخلَ إلى وقتِ يخرجُ، أتمَّ».
وقال خليلٌ في «مختصرِهِ» (ص: 43):
«ونيةُ إقامةِ أربعةِ أيامٍ صحاحٍ».
قال زروقٌ في «شرحِ الرسالةِ» (1/360):
«القصرُ بشرطِهِ تقطعُهُ نيةُ الإقامةِ أربعةِ أيامٍ صحاحٍ فأكثرَ، هذا مذهبُ ابنِ القاسمِ فيُلْغِي يومَ دخولِهِ بعدَ الفجرِ، ويومَ خروجِهِ على المشهورِ في ذلك.
وقال سحنونُ وعبدُ الملكِ:
من يصلي فيهِ عشرينَ صلاةً فيُلَفِّقُ يومَ دخولِهِ ليومِ خروجِهِ، وقالَهُ ابنُ نافعٍ».
وانظر: «المدونةَ» (1/207)، «التهذيبَ في اختصارِ المدونةِ» (1/291)، «الجامعَ لمسائلِ المدونةِ» (2/752)، «النوادرَ والزياداتِ» (1/430)، «عقدَ الجواهرِ الثمينةِ» (1/152)، «التوضيحَ» (2/26)، «الشاملَ في فقهِ الإمامِ مالكٍ» (1/130)، «تحبيرَ المختصرِ» (1/466)، «التلقينَ» (1/51).
وانظر في مذهبِ الشافعيةِ: «الأمَّ» (1/215)، «الإقناعَ» للـماورديِّ (ص: 49)، «المهذبَ» (1/195)، «حليةَ العلماءِ» (2/199)، «المجموعَ» (4/359)، «فتحَ العزيزِ» (4/447)، «روضةَ الطالبينَ» (1/384)، «منهاجَ الطالبينَ» (ص: 44)، «المهماتِ في شرحِ الروضةِ والرافعيِّ» (3/350)، «تحفةَ المحتاجِ» (2/376)، «مغنيَ المحتاجِ» (1/519)، «نهايةَ المحتاجِ» (2/254)، «الإنصافِ» (2/329)، «معونةَ أولي النُّهَى» (2/429).
وروى مالكٌ في «الموطأِ»، روايةَ يحيى (1/149)، وروايةَ أبي مصعبٍ (1/151)، عن عطاءٍ الخرسانيِّ، أنهُ سمعَ سعيدَ بنَ المسيبِ قال:
«من أجمعَ إقامةَ أربعِ ليالٍ، وهو مسافرٌ أتمَّ الصلاةَ».
قال مالكٌ:
«وذلك أحبُّ ما سمعتُ إليَّ». وانظر: «سننَ البيهقيِّ» (3/211).
وانظر: قولَ أبي ثورٍ وداودَ الظاهريِّ في: «الاستذكارِ» (2/243)، «بدايةِ المجتهدِ» (1/180)، «المغني» (2/212).
واختلفَ الشافعيةُ في الإقامةِ في غيرِ موضعِ الإقامةِ كالمفازةِ والسفينةِ في البحرِ هل يصيرُ مقيماً على وجهينِ: أظهرُهما يصيرُ مقيماً؛ لأنهُ نوى الإقامةَ.
والثاني: لا يصيرُ مقيماً؛ لأنهُ ليس موضعَ الإقامةِ. انظر: «التهذيبَ» للـبغويِّ (2/304).
[6] «التنبيهُ» (ص: 41).
[7] قال أبو زيدٍ القيروانيُّ في «الرسالةِ» (ص: 46):
«وإن نوى المسافرُ إقامةَ أربعةِ أيامٍ بموضعٍ أو ما يصلي فيهِ عشرينَ صلاةً أتمَّ الصلاةَ حتى يظعنَ من مكانِهِ ذلك».
وظاهرُ كلامِ أبي زيدٍ الاعتدادُ بيومِ الدخولِ والخروجِ، وهو قولُ سحنونٍ وابنِ الماجشونِ وابنِ نافعٍ، وابنِ الموازِ، خلافاً لـابنِ القاسمِ.
قال ابنُ يونسَ في «الجامعِ لمسائلِ المدونةِ» (2/734):
«هذا أصلٌ مُخْتَلَفٌ فيهِ في العددِ والأيمانِ، فهذا على ذلك، والقياسُ البناءُ على بعضِ اليومِ، والاحتياطُ أن يُلْغِيَ بعضَ اليومِ، ويبتدئَ الذي يليهِ من أولِهِ».
[8] قال أبو يعلى في «الروايتينِ والوجهينِ» (1/178):
«إذا نوى إقامةً زيادةً على أربعةِ أيامٍ أتمَّ في أصحِّ الروايتينِ». فعَبَّرَ بالأربعةِ الأيامِ، ووافقَهُ أبو الخطابِ في «الهدايةِ» (ص: 104).
وعَبَّرَ صاحبُ «المنتهى» كما في «دقائقِ أولي النُّهَى» (1/295)، وصاحبُ «الإقناعِ» (1/182): بالإقامةِ أكثرَ من عشرينَ صلاةً.
ونُصَّ على ذلك ابنُ هانئٍ في «مسائلِهِ» لـأحمدَ (403)، وانظر «الجامعَ لعلومِ الإمامِ أحمدَ» (6/557).
قال في «الإنصافِ» (2/329):
«وهذه الروايةُ هي المذهبُ …».
وقال أبو يعلى:
«هذه أصحُّ الروايتينِ».
وقال ابنُ عقيلٍ:
«هذه المذهبُ».
انظر: «المحررَ في الفقهِ على مذهبِ أحمدَ» (1/132)، «دقائقَ أولي النُّهَى» (1/295)، «الإقناعَ» (1/182)، «كشافَ القناعِ»، ط: العدلِ (3/280)، «مطالبَ أولي النُّهَى» (1/725)، «الممتعَ شرحَ المقنعِ» (1/509)، «الوجيزَ» (ص: 87)، «معونةَ أولي النُّهَى» (2/428).
[9] «التهذيبُ في فقهِ الشافعيِّ» (2/304)، «فتحُ العزيزِ» (4/447)، «معونةُ أولي النُّهَى» (2/429).
[10] قال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ في «مسائلِهِ» (424):
«سألتُ أبي عن المسافرِ إذا قَدِمَ بلداً توطنَ فيهِ على إقامةٍ كم يُؤْمَرُ أن يَؤُمَّ فيهِ بالصلاةِ؟ قال إذا نوى أن يقيمَ إحدى وعشرينَ صلاةً قصرَ، وإن نوى أكثرَ من ذلك يُتِمُّ».
وانظر: «مختصرَ الخرقيِّ» (ص: 30)، «المغني» (2/212)، «المقنعَ» (ص: 65)، «الكافي» (1/310)، «المبدعَ» (2/121)، «الإنصافَ» (2/329).
[11] «الفروعُ» (3/102).
[12] سيأتي أثرُ ابنِ عباسٍ في الأدلةِ إن شاءَ اللهُ تعالى.
وانظر قولَ الإمامِ إسحاقَ بنِ راهويهِ: في «سننِ الترمذيِّ» (2/431)، «حليةِ العلماءِ» (2/199).
وانظر قولَ الخطابيِّ: في «أعلامِ الحديثِ شرحِ البخاريِّ» (1/625).
[13] «المحلى» (3/216).
[14] للـأوزاعيِّ قولانِ في المسألةِ: أحدُها هذا، انظر: «سننَ الترمذيِّ» (2/431)، «شرحَ البخاريِّ» لـابنِ بطالٍ (3/75).
والثاني: إذا أقامَ المسافرُ ثلاثةَ عشرَ يوماً أتمَّ، وإن نوى أقلَّ من ذلك قصرَ. انظر: «الاستذكارَ» (2/246، 247)، «اختلافَ العلماءِ» للـطحاويِّ، اختصارِ الجصاصِ (1/359).
[15] «الأوسطُ» لـابنِ المنذرِ (4/361)، «الإشرافُ على مذاهبِ العلماءِ» (2/207).
وقال الخطابيُّ في «معالمِ السننِ» (1/268):
«وقال ربيعةُ قولاً شاذّاً: إنَّ من أقامَ يوماً وليلةً أتمَّ الصلاةَ».
[16] انظر: «الأوسطَ» لـابنِ المنذرِ (4/355-362)، «شرحَ التلقينِ» للـمازريِّ (2/916)، وذكرَ العينيُّ في «عمدةِ القارئِ شرحِ البخاريِّ» (7/115) اثنينِ وعشرينَ قولاً. وبعضُ الأقوالِ يمكنُ أن يتداخلَ مع بعضٍ.
وذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ في «الاستذكارِ» أحدَ عشرَ قولاً. انظر: «الاستذكارَ» (2/243-249).
[17] ما جاءَ مُسْنَداً عن عثمانَ -رضيَ اللهُ عنهُ- لم يُذْكَرْ عددُ الأيامِ.
فقد روى أبو داودَ في «السننِ» (1961): حدثنا محمدُ بنُ العلاءِ، أخبرنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أنَّ عثمانَ صلى بمنى أربعاً؛ لأنهُ أجمعَ على الإقامةِ بعدَ الحجِّ.
وأخرجَهُ الطحاويُّ في «شرحِ معاني الآثارِ» (1/247) من طريقِ عبدِ الرزاقِ، أخبرنا معمرٌ بهِ.
وهذا إسنادٌ منقطعٌ؛ الزهريُّ لم يدركْ عثمانَ -رضيَ اللهُ عنهُ-.
والإقامةُ المطلقةُ في مكةَ محرمةٌ على عثمانَ -رضيَ اللهُ عنهُ-؛ لأنهُ من المهاجرينَ، ولذلك قال المازريُّ في «التلقينِ» (7/436):
«وقال الزهريُّ:
بلغني أنَّ عثمانَ إنما أتمَّ لأنهُ أزمعَ المقامَ بعدَ الحجِّ فلعلهُ يريدُ أزمعَ المقامَ أربعةَ أيامٍ لضرورةٍ دعتْهُ إلى ذلك».
وقال أبو الوليدِ الباجيُّ في «المنتقى» (1/267):
«وروى معمرٌ عن الزهريِّ أنهُ بلغَهُ أنَّ عثمانَ إنما أتمَّ؛ لأنهُ أزمعَ المقامَ بعدَ الحجِّ، ولا يَمْتَنِعُ ذلك إذا كان لهُ أمرٌ أوجبَ مقامَهُ أربعةَ أيامٍ لضرورةٍ دفعتْهُ إلى ذلك».
وروى أبو داودَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ العلاءِ، أخبرنا ابنُ المباركِ، عن يونسَ، عن الزهريِّ، قال:
«لما اتخذَ عثمانُ الأموالَ بالطائفِ، وأرادَ أن يقيمَ بها صلى أربعاً».
وهذا ضعيفٌ أيضاً؛ لانقطاعِهِ، ولم يُذْكَرْ مدةُ الإقامةِ، وقطعاً لا يصحُّ حملُها على الإقامةِ المطلقةِ؛ لأنَّ عثمانَ رجعَ إلى المدينةِ، وقُتِلَ فيها -رضيَ اللهُ عنهُ-.
لأنَّ المأذونَ للمهاجرِ المقامُ ثلاثةَ أيامٍ فقط، كما سيأتي ذكرُهُ في الأدلةِ.
وثابتٌ عن عثمانَ -رضيَ اللهُ عنهُ- أنهُ أتمَّ في منى، وأنهُ تأولَ ذلك كما قال الزهريُّ، ولم يُذْكَرْ لي من وجهٍ صحيحٍ وجهُ تأولِ عثمانَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، وقد قِيلَ في ذلك أقوالٌ كثيرةٌ ذكرتُ أكثرَها في مبحثٍ سابقٍ، واللهُ أعلمُ.
وما جاءَ عن عثمانَ غيرَ مُسْنَدٍ فلا يمكنُ الاحتجاجُ بهِ، ومن ذلك:
ما جاءَ في «المدونةِ» (1/209): قال سحنونُ:
«قال ابنُ وهبٍ: … كان عثمانُ بنُ عفانَ وسعيدُ بنُ المسيبِ يقولانِ: إذا أجمعَ المسافرُ على مقامِ أربعةِ أيامٍ أتمَّ الصلاةَ».
وجاءَ في «مختصرِ المزنيِّ» المطبوعِ بآخرِ كتابِ «الأمِّ» (8/118):
«ورُوِيَ عن عثمانَ بنِ عفانَ من أقامَ أربعاً».
وقال الخطابيُّ في «معالمِ السننِ» (1/267):
«وقد رُوِيَ عن عثمانَ بنِ عفانَ أنهُ قال من أزمعَ مقامَ أربعٍ فليتمَّ».
وذكرَ مثلَهُ الماورديُّ في «الحاوي» (2/371)، وابنُ يونسَ في «الجامعِ لمسائلِ المدونةِ» (2/720)، ومصدرُهُ ما ذكرَهُ سحنونُ في «المدونةِ».
وذكرهُ أبو يعلى الحنبليُّ في «التعليقةِ الكبرى» (3/17).
وقال ابنُ قدامةَ في «المغني» (2/212):
«ويُرْوَى هذا القولُ عن عثمانَ -رضيَ اللهُ عنهُ-». يعني وجوبَ الإتمامِ إذا أقامَ أربعةَ أيامٍ.
وذكرهُ النوويُّ في «المجموعِ» (4/364).
فما ذكرَهُ الزهريُّ عن عثمانَ ذكرَهُ بلاغاً، والبلاغاتُ ضعيفةٌ.
[18] «بدايةُ المجتهدِ» (1/180).
[19] «مجموعُ الفتاوى» (24/140).
[20] «صحيحُ البخاريِّ» (1574)، و«صحيحُ مسلمٍ» (226-1259).
[21] «صحيحُ البخاريِّ» (1564)، و«صحيحُ مسلمٍ» (198-1240).
[22] «مسائلُ أحمدَ وإسحاقَ روايةِ الكوسجِ» (2/679).
[23] «صحيحُ ابنِ خزيمةَ» (2/75).
[24] «مجموعُ الفتاوى» (24/138).
[25] سبقَ لي ذكرُ كلامِ العلماءِ في تأويلِ جمعِ عثمانَ، من ذلك:
ما رواهُ أبو داودَ (1964) من طريقِ حمادٍ، عن أيوبَ، عن الزهريِّ: أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ أتمَّ الصلاةَ بمنى من أجلِ الأعرابِ، لأنهم كثروا عامئذٍ، فصلى بالناسِ أربعاً؛ ليُعَلِّمَهم أنَّ الصلاةَ أربعٌ.
وهذا مع كونِهِ لا يصحُّ عن عثمانَ، فقد كان الأعرابُ في حجةِ الوداعِ خلفَ النبيِّ ﷺ، وهم أحدثُ عهداً بالإسلامِ منهم في عهدِ عثمانَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، ومع ذلك لم يدعِ النبيُّ ﷺ القصرَ.
وروى أبو داودَ (1963) من طريقِ ابنِ المباركِ، عن يونسَ، عن الزهريِّ، قال:
«لما اتخذَ عثمانُ الأموالَ بالطائفِ، وأرادَ أن يقيمَ بها صلى أربعاً»، قال:
«ثم أخذَ بهِ الأئمةُ بعدَهُ».
ولا يصحُّ هذا؛ لأنَّ الزهريَّ لم يدركْ عثمانَ، وهذا يخالفُ ما رواهُ أيوبُ عن الزهريِّ.
وروى الإمامُ أحمدُ (1/62) من طريقِ عكرمةَ بنِ إبراهيمَ الباهليِّ حدثنا عبدُ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ذبابٍ، عن أبيهِ: أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ صلى بمنى أربعَ ركعاتٍ، فأنكرَهُ الناسُ عليهِ، فقال:
«يا أيها الناسُ إني تأهَّلْتُ بمكةَ منذُ قَدِمْتُ، وإني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ قولُ: من تأهَّلَ في بلدٍ فَلْيُصَلِّ صلاةَ المقيمِ».
[ضعيفٌ]، وسبقَ تخريجُهُ، إلى غيرِ ذلك من الاحتمالاتِ، واللهُ أعلمُ، وليس في شيءٍ منها أنَّ عثمانَ إنما أتمَّ لانهُ نوى الإقامةَ أكثرَ من أربعةِ أيامٍ، واللهُ أعلمُ.
[26] «الاستذكارُ» (2/227).
[27] «شرحُ النوويِّ على صحيحِ مسلمٍ» (5/195).
[28] «الموطأُ» (1/149)، وعطاءٌ الخرسانيُّ وثَّقَهُ الإمامُ أحمدُ وابنُ معينٍ والنسائيُّ وأبو حاتمٍ، وتُكُلِّمَ في حفظِهِ، وقد تكلَّمَ في حفظِهِ البخاريُّ وشعبةُ، وقال الحافظُ: صدوقٌ يَهِمُ كثيراً.
[29] «القبسُ شرحُ الموطأِ» (ص: 334).
[30] «الموطأُ» (1/148).
[31] «صحيحُ البخاريِّ» (3933)، و«صحيحُ مسلمٍ» (443-1352).
[32] «صحيحُ مسلمٍ» (442-1352).
[33] ورواهُ القعنبيُّ كما في «الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ (11/26) .
ويحيى بنُ بكيرٍ كما في «السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (3/211) و (9/353)، وفي «معرفةِ السننِ والآثارِ» (4/269)، وفي «الخلافياتِ» (2664)، كلاهما عن الإمامِ مالكٍ بهِ.
وصحَّحَهُ أبو زرعةَ كما في «العللِ» لـابنِ أبي حاتمٍ، ت الحميدِ (831).
[34] «الاستذكارُ» (2/244، 245)، «شرحُ التلقينِ» (2/917).
[35] «صحيحُ البخاريِّ» (1281)، «صحيحُ مسلمٍ» (58-1486).
[36] «صحيحُ البخاريِّ» (6065)، «صحيحُ مسلمٍ» (23-2559).
[37] «مجموعُ الفتاوى» (24/139).
[38] المرجعُ السابقُ (24/141).
[39] «مجموعُ الفتاوى» (24/140)
[40] «التمهيدُ»، ت: بشارٍ (7/345).
[41] «معرفةُ السننِ والآثارِ» (4/270).
[42] «صحيحُ البخاريِّ» (5429)، و«صحيحُ مسلمٍ» (179-1927).
[43] «أضواءُ البيانِ»، ط: عطاءاتِ العلمِ (1/438).
[44] «صحيحُ البخاريِّ» (1564)، و«صحيحُ مسلمٍ» (198-1240).
[45] انظر: «مجموعَ الفتاوى» (24/137).
[46] [صحيحٌ عن عمرَ، ورُوِيَ مرفوعاً ولا يصحُّ]، وقد سبقَ تخريجُهُ.
[47] الحديثُ رواهُ أبو داودَ الطيالسيُّ في «مسندِهِ» (2860)، وعنهُ عبدُ بنُ حميدٍ كما في «المنتخبِ من مسندِهِ» (696)، وأبو نعيمٍ في «الحليةِ» (7/188)، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (3/218).
ومحمدُ بنُ جعفرٍ كما في «مسندِ أحمدَ» (1/241)،
وحجاجُ بنُ محمدٍ كما في «زوائدِ عبدِ اللهِ بنِ الإمامِ أحمدَ» (1/285).
وعبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ كما في «تهذيبِ الآثارِ» للـطبريِّ، مسندِ عمرَ (329)، و«حليةِ الأولياءِ» (7/188).
وأبو النضرِ: هاشمُ بنُ القاسمِ، كما في «حديثِ أبي العباسِ السراجِ» (1677)، وفي «مسندِهِ» (1420).
ومسلمُ بنُ إبراهيمَ كما في «حديثِ أبي العباسِ السراجِ» (1678)، و«المعجمِ الكبيرِ» للـطبرانيِّ (12/143) ح 12711.
وأبو الوليدِ الطيالسيُّ كما في «الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ (4/358)، جميعُهم عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، قال: حدثني أبو السفرِ، عن سعيدِ بنِ شفيٍّ، عن ابنِ عباسٍ.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ.
وخالفَ شعبةَ جماعةٌ، منهم:
إسرائيلُ كما في «مسندِ أحمدَ» (1/241، 356)، و«تهذيبِ الآثارِ» للـطبريِّ، مسندِ عمرَ (326، 327)، و«شرحِ معاني الآثارِ» للـطحاويِّ (1/417).
وأبو الأحوصِ سلامُ بنُ سليمٍ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (8157)،
وعنبسةُ بنُ سعيدٍ، كما في «تهذيبِ الآثارِ» للـطبريِّ، مسندِ عمرَ (328)، ثلاثتُهم، رووهُ عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ شفيٍّ، عن ابنِ عباسٍ.
فأسقطَ أبو إسحاقَ أبا السفرِ، ودَلَّسَ الحديثَ، وشعبةُ لا يروي عن أبي إسحاقَ إلا ما صَرَّحَ فيهِ بالتحديثِ.
[48] «صحيحُ البخاريِّ» (1081)، و«صحيحُ مسلمٍ» (15-693).
[49] «صحيحُ البخاريِّ» (4299).
[50] سبقَ تخريجُهُ.
[51] «الجامعُ لعلومِ الإمامِ أحمدَ» (8/105)، «المغني» (2/213).
[52] «سننُ الترمذيِّ» (2/431).
[53] «المغني» (2/215)، «الفروعُ» (3/96)، «المبدعُ» (2/122)، «زادُ المعادِ»، ط: عطاءاتِ العلمِ (3/711).
[54] انظر: «التوضيحَ لشرحِ الجامعِ الصحيحِ» (8/436).
[55] «المغني» (2/213)، «شرحُ الزركشيِّ على مختصرِ الخرقيِّ» (2/157).
[56] «منهاجُ الطالبينَ» (ص: 44).
وانظر: «المجموعَ شرحَ المهذبِ» (4/632)، «مختصرَ المزنيِّ»، ت: الداغستانيِّ (1/141)، «الحاويَ الكبيرَ» (2/374)، «التعليقةَ» للـقاضي حسينٍ (2/1097)، «نهايةَ المطلبِ» (2/434).
[57] «مصنفُ عبدِ الرزاقِ»، ط: التأصيلِ (4465)، وسبقَ تخريجُهُ.
[58] سبقَ تخريجُهُ.
[59] «صحيحُ البخاريِّ» (4299).
[60] جاءَ في «البحرِ الرائقِ» (1/142):
«لو دخلَ بلداً، ولم ينوِ أنهُ يقيمُ فيها خمسةَ عشرَ يوماً، وإنما يقولُ غداً أخرجُ أو بعدَ غدٍ أخرجُ حتى بقيَ على ذلك سنينَ قصرَ … ولو وصلَ الحاجُّ إلى الشامِ، وعلمَ أنَّ القافلةَ إنما تخرجُ بعدَ خمسةَ عشرَ يوماً، وعزمَ أن لا يخرجَ إلا معهم لا يقصرُ؛ لأنهُ كناوي الإقامةِ كذا في المحيطِ».
وقال المالكيةُ: ولو عُلِمَ عادةً أنَّ حاجتَهُ لا تنقضي قبلَ أربعةِ أيامٍ فالعلمُ بها كافٍ في إبطالِ القصرِ، ولو لم ينوِ الإقامةَ.
وقال في «الإنصافِ» (2/331):
«إن ظنَّ أنَّ الحاجةَ لا تنقضي إلا بعدَ مضيِّ مدةِ القصرِ فـالصحيحُ من المذهبِ أنهُ لا يجوزُ لهُ القصرُ. قدمهُ في الفروعِ والرعايةِ».
انظر: «تبيينَ الحقائقِ» (1/212)، «بدايةَ المبتدئِ» (ص: 26)، «كنزَ الدقائقِ» (ص: 187)، «الفتاوى الهنديةَ» (1/140)، «حاشيةَ ابنِ عابدينَ» (2/125)، «تحبيرَ المختصرِ» (1/467)، «التاجَ والإكليلَ» (2/503)، «حاشيةَ الدسوقيِّ» (1/364)، «المنهجَ الصحيحَ في الجمعِ بين ما في المقنعِ والتنقيحِ» (1/384)، «الفروعَ» (3/95)، «المغني» (2/215).
[61] «مجموعُ الفتاوى» (24/136، 137).
[62] «مجموعُ الفتاوى» (24/18).
[63] سبقَ تخريجُهُ، انظر: (ص: 269) على إثرِ: .
[64] «المصنفُ» (8202) ومن طريقِهِ ابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (4/359).
وفي النسخةِ التي حققَها الشيخُ محمدٌ عوامةٌ: (عشرينَ سنةً)، ومثلُها نسخةُ ط: دارِ الفاروقِ (3/441).
[65] «المصنفُ» (8201).
[66] سبقَ تخريجُهُ، انظر: .
[67] رواهُ عبدُ الوارثِ كما في «تهذيبِ الآثارِ» للـطبريِّ، مسندِ عمرَ (422).
وابنُ عليةَ كما في «تهذيبِ الآثارِ» للـطبريِّ (423)،
وعبدُ الأعلى كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (5099، 8203)، ومن طريقِ ابنِ أبي شيبةَ رواهُ ابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (4/32)، ثلاثتُهم عن يونسَ بهِ.
وروى الطبريُّ في «تهذيبِ الآثارِ»، مسندِ عمرَ (424)، قال: حدثنا ابنُ المثنى حدثنا سالمُ بنُ نوحٍ، عن عمرَ بنِ عامرٍ، عن قتادةَ، أنَّ أنساً أقامَ بفارسَ سنتينِ يقصرُ الصلاةَ.
وسالمٌ، وشيخُهُ عمرُ فيهما كلامٌ، لكنَّ الإسنادَ صالحٌ في المتابعاتِ.
وروى الطبرانيُّ في «المعجمِ الكبيرِ» (1/243) ح 682، قال: حدثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، حدثنا عارمٌ، حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أنسِ بنِ سيرينَ، عن الحسنِ، أنهُ قامَ مع أنسٍ بنيسابورَ سنتينِ، فكان يصلي ركعتينِ ركعتينِ.
وسندُهُ صحيحٌ.
[68] رواهُ عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ»، ط: التأصيلِ (4486)، ومن طريقِ عبدِ الرزاقِ أخرجَهُ ابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (4/360)، وأبو بكرٍ النيسابوريُّ في «الزياداتِ على كتابِ المزنيِّ» [96]، وابنُ عساكرَ في «تاريخِ دمشقَ» (14/419).
[69] «السننُ الكبرى» (3/218).
يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال أبو حاتمٍ كما في «الجرحِ والتعديلِ» (9/141):
«روى عن أنسٍ مرسلاً، وقد رأى أنساً رؤيةً يصلي في المسجدِ الحرامِ، ولم يُسْمَعْ منهُ». وانظر: «المراسيلَ» لـابنِ أبي حاتمٍ (ص: 240).
[70] رواهُ عبدُ الأعلى كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (5099) ومن طريقِ ابنِ أبي شيبةَ رواهُ ابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» (4/32).
وسفيانُ كما في زياداتِ أبي بكرٍ النيسابوريِّ على المزنيِّ [97]، والبيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (3/217)، وفي «الخلافياتِ» (2685)، كلاهما عن يونسَ بنِ عبيدٍ، عن الحسنِ بهِ.
[71] رواهُ الثوريُّ كما في «مصنفِ عبدِ الرزاقِ»، ط: التأصيلِ (4482)، و«مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (8200)، و«تهذيبِ الآثارِ»، مسندِ عمرَ، للـطبريِّ (387)، و«الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ (4/360)، و«الزياداتِ على كتابِ المزنيِّ» لـأبي بكرٍ النيسابوريِّ [93]، و«الخلافياتِ» للـبيهقيِّ (2384)، و«تاريخِ دمشقَ» لـابنِ عساكرَ.
ومسعرٌ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (8200)، كلاهما عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ بهِ.
ورواهُ أبو بكرٍ النيسابوريُّ في زياداتِهِ على المزنيِّ [94] من طريقِ أسامةَ بنِ زيدٍ الليثيِّ، أنَّ ابنَ شهابٍ حدثَهُ، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ المسورِ بنِ مخرمةَ، قال:
«خرجتُ مع أبي وسعدِ بنِ أبي وقاصٍ وعبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ بنِ عبدِ يغوثَ الزهريِّ عامَ أدرجَ، فوقعَ الوجعُ بالشامِ، فأقمنا بسرغَ خمسينَ ليلةً، ودخلَ علينا رمضانُ، فصامَ المسورُ وعبدُ الرحمنِ بنِ الأسودِ، وأفطرَ سعدُ بنِ أبي وقاصٍ وأبى أن يصومَ. فقلتُ لـسعدٍ: أبا إسحاقَ، أنتَ صاحبُ رسولِ اللهِ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ، وشهدتَ بدراً، والمسورُ يصومُ، وعبدُ الرحمنِ وأنتَ تفطرُ؟ قال سعدٌ: إني أنا أفقهُ منهم».
ورواهُ أبو بكرٍ النيسابوريُّ في زياداتِهِ على المزنيِّ [95] من طريقِ إسماعيلَ بنِ أبي أويسٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمدُ بنُ مسلمٍ، أنَّ رجلاً أخبرَهُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ المسورِ ابنِ مخرمةَ، أنَّ سعداً، والمسورَ بنَ مخرمةَ وعبدَ الرحمنِ بنِ الأسودِ بنِ عبدِ يغوثَ، قال:
وكان سعدٌ يقصرُ الصلاةَ ويفطرُ، وكانا يتمانِ الصلاةَ ويصومانِ، قال: فقيلَ لـسعدٍ: إنكَ تقصرُ الصلاةَ وتفطرُ ويتمانِ؟ قال سعدٌ: نحن أعلمُ.
قال أبو بكرٍ: إن كانت روايةُ ابنِ أبي أويسٍ صحيحةً فإنَّ الزهريَّ لم يسمعْهُ من عبدِ الرحمنِ. يعني: ابنَ المسورِ. واللهُ أعلمُ.
[72] رواهُ معمرٌ كما في «مصنفِ عبدِ الرزاقِ»، ط: التأصيلِ (4490). وفيهِ إبهامُ أصحابِ ابنِ مسعودٍ.
ورواهُ شريكٌ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (8163)، عن أبي إسحاقَ، قال:
سألتُ سلمةَ بنَ صهيبٍ ونحن بسجستانَ عن الصلاةِ فقال:
ركعتينِ ركعتينِ حتى ترجعَ إلى أهلِكَ، هكذا كان عبدُ اللهِ ابنُ مسعودٍ يقولُ.
وشريكٌ قديمُ السماعِ من أبي إسحاقَ.
جاءَ في «تاريخِ الإسلامِ» (4/643):
«وقال الفضلُ بنُ زيادٍ: قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: شريكٌ في أبي إسحاقَ أقوى من إسرائيلَ».
وفي «ميزانِ الاعتدالِ» (2/271):
«قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: شريكٌ في أبي إسحاقَ أثبتُ من زهيرٍ.
وروى عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن يحيى، قال: شريكٌ في أبي إسحاقَ أحبُّ إلينا من إسرائيلَ».
[73] رواهُ عبيدُ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، ورواهُ عن عبيدِ اللهِ اثنانِ:
الزهريُّ، وعراكُ بنِ مالكٍ.
أما الزهريُّ، فلم يَرْوِهِ عنهُ إلا ابنُ إسحاقَ، وفيهِ علتانِ:
الاختلافُ على ابنِ إسحاقَ في وصلِهِ وإرسالِهِ، والمحفوظُ أنهُ مرسلٌ:
فرواهُ محمدُ بنُ سلمةَ، كما في «سننِ أبي داودَ» (1076)، و«سننِ أبي داودَ» (1231)، ومن طريقِهِ البيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (3/216)، وفي «الخلافياتِ» (2675)، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ موصولاً كما هي روايةُ أبي داودَ.
ورواهُ يزيدُ بنُ هارونُ كما في «الطبقاتِ الكبرى» لـابنِ سعدٍ (2/143)،
وزيادُ بنُ عبدِ اللهِ البكائيُّ، كما «السيرةِ النبويةِ» لـابنِ هشامٍ (5/103، 104).
وعبدةُ بنُ سليمانَ، وأحمدُ بنُ خالدٍ الوهبيُّ فيما ذكرَهُ أبو داودَ في «السننِ» (1231)،
وسلمةُ بنُ الفضلِ كما في «تاريخِ الطبريِّ» (3/69)، خمستُهم رووهُ عن ابنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ، قال:
«أقامَ رسولُ اللهِ بمكةَ بعدَ فتحِها خمسَ عشرةَ ليلةً يقصرُ الصلاةَ». هكذا مرسلٌ. وهو المحفوظُ.
قال أبو داودَ:
روى هذا الحديثَ عبدةُ بنُ سليمانَ، وأحمدُ بنُ خالدٍ الوهبيُّ، وسلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ، لم يذكروا فيهِ ابنَ عباسٍ.
ورواهُ ابنُ إدريسَ، عن ابنِ إسحاقَ واخْتُلِفَ على ابنِ إدريسَ فيهِ:
فرواهُ ابنُ أبي شيبةَ كما في «المصنفِ» (8196، 36935)، ومن طريقِهِ الطحاويُّ في «شرحِ معاني الآثارِ» (1/417)،
وأبو سعيدٍ الأشجُّ كما في «السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (3/ 151)، كلاهما عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ موصولاً. وهذه متابعةٌ لـمحمدِ بنِ سلمةَ من هذا الوجهِ.
قال البيهقيُّ: كذا رواهُ، ولا أراهُ محفوظاً.
ثم ساقَهُ البيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (3/215) من طريقِ الحسنِ بنِ الربيعِ، حدثنا ابنُ إدريسَ، عن ابنِ إسحاقَ قال: وحدثني محمدُ بنُ مسلمٍ:
«ثم أقامَ رسولُ اللهِ ﷺ بمكةَ خمسَ عشرةَ ليلةً يقصرُ الصلاةَ حتى سارَ إلى حنينٍ».
قال البيهقيُّ: هذا هو الصحيحُ مرسلٌ، ورواهُ أيضاً عبدةُ بنُ سليمانَ، وأحمدُ بنُ خالدٍ الوهبيُّ، وسلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ، ولم يذكروا فيهِ ابنَ عباسٍ. وانظر «معرفةَ السننِ» (4/272).
والحسنُ بنُ الربيعِ البجليُّ القسريُّ، أبو عليٍّ الكوفيُّ قال فيهِ أبو حاتمٍ الرازيُّ كما في «الجرحِ والتعديلِ» (3/14):
«أوثقُ أصحابِ ابنِ إدريسَ الحسنُ بنُ الربيعِ».
فرواهُ عنهُ يزيدُ بنُ حبيبٍ، واخْتُلِفَ على يزيدَ بنِ حبيبٍ.
فرواهُ عبدُ الحميدِ بنِ جعفرٍ كما في «المجتبى من سننِ النسائيِّ» (1453)، وفي «السننِ الكبرى» (1924)، وفي «تاريخِ بغدادَ»، ت: بشارٍ (11/553)، عن يزيدَ بنِ حبيبٍ، عن عراكِ بنِ مالكٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقامَ بمكةَ عامَ الفتحِ خمسَ عشرةَ يقصرُ الصلاةَ.
تابعَ ابنُ لهيعةَ عبدَ الحميدِ بنِ جعفرٍ، إلا أنهُ قد اخْتُلِفَ على ابنِ لهيعةَ:
فرواهُ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ كما في «المعجمِ الكبيرِ» للـطبرانيِّ (10/304)، وفي «الأوسطِ» لهُ (7902)، قال: حدثنا ابنُ لهيعةَ، عن يزيدَ بنِ حبيبٍ، عن عراكِ بنِ مالكٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ بهِ موصولاً.
قال الطبرانيُّ في «الأوسطِ» (8/43):
لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ إلا عراكُ بنِ مالكٍ، ولا عن عراكٍ إلا يزيدُ، ولا عن يزيدَ إلا ابنُ لهيعةَ، تفردَ بهِ: ابنُ المباركِ.
خالفَ ابنُ وهبٍ عبدَ اللهِ بنَ المباركِ، فجاءَ في «جامعِهِ» (206-202) أخبركَ ابنُ لهيعةَ، والليثُ بنُ سعدٍ، وعمروُ بنُ الحارثِ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن عراكِ بنِ مالكٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقامَ بمكةَ عامَ الفتحِ بعدَ الفتحِ خمسَ عشرةَ ليلةً يقصرُ الصلاةَ. مرسلٌ، وهو أصحُّ.
تابعهم على إرسالِهِ بكرُ بنُ مضرَ، فقد رواهُ ابنُ سعدٍ في «الطبقاتِ الكبرى» (2/143) من طريقِ بكرِ بنِ مضرَ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن عراكِ بنِ مالكٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ صلى بمكةَ عامَ الفتحِ خمسَ عشرةَ ليلةً يصلي ركعتينِ ركعتينِ.
أنَّ روايةَ ابنِ إسحاقَ، سواءٌ الموصولةُ أم المرسلةُ مخالفةٌ لروايةِ البخاريِّ…
[74] رواهُ شريكُ بنُ عبدِ اللهِ النخعيُّ، عن ابنِ الأصبهانيِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، واخْتُلِفَ على شريكٍ.
فرواهُ يحيى بنُ آدمَ، وأبو النضرِ: هاشمُ بنُ القاسمِ كما في «مسندِ الإمامِ أحمدَ» (1/303)،
وعبدُ اللهِ بنُ عونٍ الخرازُ كما في «زياداتِ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ على المسندِ» (1/315).
وعليُّ بنُ نصرٍ الجهضميُّ كما في «سننِ أبي داودَ» (1232)، ومن طريقِهِ البيهقيُّ في «السننِ الكبرى» (3/215)،
ورواهُ أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دكينٍ، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ:
فرواهُ ابنُ سعدٍ في «الطبقاتِ الكبرى» (2/143)،
وعبدُ بنُ حميدٍ في «مسندِهِ» كما في المنتخبِ (585)،
وعليُّ بنُ عبدِ العزيزِ كما في «المعجمِ الكبيرِ» للـطبرانيِّ (11/259) ح 11672، ثلاثتُهم رووهُ عن أبي نعيمٍ الفضلِ بنِ دكينٍ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عكرمةَ بهِ، وذكرَ فيهِ أقامَ سبعةَ عشرَ يوماً.
ورواهُ محمدُ بنُ إسماعيلَ كما في «الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ (4/343)، قال: حدثنا أبو نعيمٍ، قال: حدثنا شريكٌ بهِ، وذكرَ فيهِ: (أقامَ تسعةَ عشرَ يوماً).
ومدارُ هذا الإسنادِ على شريكٍ، وهو سيئُ الحفظِ.
[75] اخْتُلِفَ فيهِ على عاصمٍ الأحولِ،
فرواهُ حفصُ بنُ غياثٍ كما في «مصنفِ ابنِ أبي شيبةَ» (8211)، و«سننِ أبي داودَ» (1230) و«صحيحِ ابنِ حبانَ» (2750)، و«السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (3/215)، و«معرفةِ السننِ» (4/272)، وفي «الخلافياتِ» (2673).
خالفَ حفصَ بنَ غياثٍ كلٌّ من:
عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ كما في «سننِ ابنِ ماجهْ» (1075)، فرواهُ عن عاصمٍ بهِ، وذكرَ فيهِ: تسعةَ عشرَ.
أبو شهابٍ الحناطُ عبدُ ربهِ بنُ نافعٍ، واخْتُلِفَ عليهِ:
فرواهُ أحمدُ بنُ يونسَ كما في «صحيحِ البخاريِّ» (4299)،
وداودُ بنُ عمروٍ الضبيُّ (ثقةٌ) كما في «السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (3/213)، فروياهُ عن أبي شهابٍ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ بهِ، بالتحديدِ بتسعةَ عشرَ يوماً، وهو المحفوظُ.
وخالفهما خلفُ بنُ هشامٍ (ثقةٌ والإسنادُ إليهِ صحيحٌ) كما في «سننِ الدارقطنيِّ» (1449) فرواهُ عن أبي شهابٍ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ بهِ، وقال: سبعَ عشرةَ. وهذا اللفظُ شاذٌّ.
عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، واخْتُلِفَ عليهِ:
فرواهُ عبدانُ في روايةٍ كما في «صحيحِ البخاريِّ» (4298)، و«السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (3/213)، وفي «معرفةِ السننِ» (4/272)، وفي «الخلافياتِ» لهُ (2674).
وحبانُ بنُ موسى بنِ سوارٍ المروزيُّ كما في «دلائلِ النبوةِ» لهُ (5/104)، كلاهما عن ابنِ المباركِ، عن عاصمٍ بهِ، بالتحديدِ بالتسعةِ عشرَ، وفيهِ متابعةٌ لروايةِ أبي شهابٍ الحناطِ.
خالفهما عبدُ الرزاقِ، واخْتُلِفَ عليهِ:
فرواهُ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الدبريُّ، كما في «مصنفِ عبدِ الرزاقِ»، ط: التأصيلِ (4469)، و«المعجمِ الكبيرِ» للـطبرانيِّ (11/332) ح 11912، عن ابنِ مباركٍ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: أقامَ رسولُ اللهِ ﷺ بمكةَ سبعَ عشرةَ ليلةً يقصرُ الصلاةَ.
وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ الدبريُّ، وإن كان صدوقاً إلا أنَّ سماعَهُ من عبدِ الرزاقِ متأخرٌ جداً، بعدَ ما عميَ.
ورواهُ عبدُ بنُ حميدٍ كما في المنتخبِ (582)، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، أنا ابنُ المباركِ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لما افتتحَ مكةَ أقامَ عشرينَ ليلةً يقصرُ الصلاةَ.
وذكرَ عشرينَ يوماً. فواضحٌ أنَّ عبدِ الرزاقِ لم يضبطِ المدةَ.
والمحفوظُ روايةُ عبدانَ وحبانَ، عن ابنِ المباركِ.
أبو معاويةَ محمدُ بنُ خازمٍ الضريرُ، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ:
فرواهُ الإمامُ أحمدُ كما في «المسندِ» (1/223)،
وسلمُ بنُ جنادةَ ومحمدُ بنُ يحيى بنِ ضريسٍ، كما في «صحيحِ ابنِ خزيمةَ» (955)،
وهنادُ بنُ السريِّ كما في «سننِ الترمذيِّ» (549)،
وأبو خيثمةَ زهيرُ بنُ حربٍ، وسريجُ بنُ يونسَ، ومجاهدُ بنُ موسى ويعقوبُ الدورقيُّ، والفضلُ بنُ الصباحِ ويوسفُ بنُ عيسى (كلُّهم ثقاتٌ) كما في «السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (3/214)، رووهُ عن أبي معاويةَ، أخبرنا عاصمٌ بهِ، وذكرَ فيهِ : تسعةَ عشرَ يوماً.
خالفهم عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، كما في «السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (3/214) فرواهُ عن أبي معاويةَ، وذكرَ فيهِ: (فأقامَ سبعةَ عشرَ).
قال البيهقيُّ: ورواهُ أبو معاويةَ عن عاصمٍ الأحولِ فقال في أكثرِ الرواياتِ عنهُ: تسعَ عشرةَ.
أبو عوانةَ وضاحُ بنُ عبدِ اللهِ اليشكريُّ، واخْتُلِفَ عليهِ:
فرواهُ موسى بنُ إسماعيلَ التبوذكيُّ كما في «صحيحِ البخاريِّ» (1080)،
وشيبانُ بنُ فروخَ كما في «مسندِ أبي يعلى» (2368)،
وأبو عمرَ الحوضيُّ: حفصُ بنُ عمرَ الأزديُّ، كما في «السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (3/214)، ثلاثتُهم رووهُ عن أبي عوانةَ، عن عاصمٍ وحصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ وذكرَ فيهِ: (تسعةَ عشرَ).
ورواهُ مسددٌ كما في «الأوسطِ» لـابنِ المنذرِ (4/357)، عن أبي عوانةَ، عن عاصمٍ الأحولِ أو حصينٍ، عن عكرمةَ بهِ. بالشكِّ وذكرَ (تسعَ عشرةَ) موافقاً لروايةِ الجماعةِ.
وخالفَ هؤلاءِ كلٌّ من:
لوينٍ محمدِ بنِ سليمانَ كما في «فوائدِ أبي بكرٍ القاسمِ بنِ زكريا المطرزِ» (110)، و«سننِ الدارقطنيِّ» (1448)، و«مجلسانِ من أمالي ابنِ صاعدٍ» (مخطوطٌ مستفادٌ من برنامجٍ حاسوبيٍّ جوامعِ الكلمِ) [28]، وفي «المخلصياتِ» لـأبي طاهرٍ المخلصِ (340، 1238، 1793).
ومعلى بنِ أسدٍ كما في «السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (3/214)، فروياهُ عن أبي عوانةَ بهِ، وفيهِ: فأقامَ سبعةَ عشرَ يوماً.
[76] سبقَ تخريجُهُ في المسألةِ التي قبلَ هذهِ.
[77] «الاستذكارُ» (2/248).
[78] رواهُ البخاريُّ (1080) من طريقِ أبي عوانةَ، عن عاصمٍ وحصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، وتقدمَ تخريجُ طريقِ أبي عوانةَ ضمنَ تخريجِ الحديثِ.
[79] انظر: «سننَ الترمذيِّ»، ت: شاكرٍ (2/433)، «حليةَ العلماءِ»، ط: الرسالةِ (2/234)، «فتحَ الباري» (2/562).
[80] «السننِ الكبرى» للـبيهقيِّ (3/215).
[81] «السننِ الكبرى» (3/216)، وانظر: «معرفةَ السننِ والآثارِ» (4/272).
[82] سبقَ تخريجُهُ، انظر (ص: 266).
[83] انظر: «العنايةَ شرحَ الهدايةِ» (2/35)، «فتحَ القديرِ» (2/35)، «التجريدَ» للـقدوريِّ (2/881).
[84] «إعلاءُ السننِ» (7/313).
[85] «المغني» (2/213).
[86] «صحيحُ البخاريِّ» (4299).
[87] «صحيحُ البخاريِّ» (1574)، و«صحيحُ مسلمٍ» (226-1259).
[88] «صحيحُ البخاريِّ» (1564)، و«صحيحُ مسلمٍ» (198-1240).
[89] «الموطأُ» (1/148).
[90] «الأوسطُ» (4/355).
تابعَ ابنُ عجلانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ العمريُّ كما في «مصنفِ عبدِ الرزاقِ»، ط: التأصيلِ (4474).
وابنُ عجلانَ يضطربُ في حديثِ نافعٍ، لكن تابعَهُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ العمريُّ، والعمريُّ ليس بالقويِّ.
وقد روى مالكٌ في «الموطأِ» (1/148) عن ابنِ شهابٍ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ عبدَ اللهِ بنِ عمرَ كان يقولُ:
«أصلي صلاةَ المسافرِ، ما لم أَجْمَعْ مكثاً وإن حبسني ذلك اثنتي عشرةَ ليلةً». وهذا سندٌ صحيحٌ، فكونُهُ يذكرُ اثنتي عشرةَ ليلةً دليلٌ على اعتبارِها لو أجمعَ مكثاً، واللهُ أعلمُ.
[91] سبقَ تخريجُهُ.
[92] انظر: «المحلى» (3/216) وما بعدَها.
[93] «البخاريُّ» (1088) و«مسلمٌ» (420-1339).
