موقع الشيخ دبيان الدبيان

الموقع الرسمي للشيخ دبيان الدبيان يعنى بالبحوث الفقهية المؤصلة، والنوازل المستجدة، وتحريرها وفق الأصول الشرعية المنضبطة، تحريرًا فقهيًا حديثيًا أصوليًا مقاصديًا.

هل تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام بالحدث؟[جديد]

المطلبُ الأولُ: في بطلانِ صلاةِ المأمومِ إذا تذكَّرَ الإمامُ أنهُ محدثٌ

المسألةُ الأولى: إذا لم يعلمِ الإمامُ والمأمومُ إلا بعدَ الفراغِ من الصلاةِ

📌 المدخلُ إلى المسألةِ:

قال تعالى: ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ﴾.
صلى عمرُ بجماعةٍ، ثم وجدَ في ثوبِهِ أثرَ احتلامٍ، فأعادَ الصلاةَ وحدَهُ، ولم يأمرْهم بالإعادةِ، وكذلك فعلَ عثمانُ وابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهم، وكان هذا من غيرِ نكيرٍ من الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم، ولا يُعْلَمُ لهم مخالفٌ.
دَرَكُ الخطأِ -أي: تبعتُهُ- على من فعلَهُ وحدَهُ؛ لحديثِ: «يصلونَ لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطؤوا فلكم وعليهم»، إلا أن يعلمَ المأمومُ بحدثِ إمامِهِ، ثم يقتديَ بهِ؛ لأنَّ الإمامَ نفسَهُ لا تجوزُ منهُ الصلاةُ، فكذلك من اقتدى بهِ عالِماً.
إذا صلى الإمامُ بالناسِ ناسياً حدثَهُ فالمأمومُ معذورٌ في الاقتداءِ بهِ؛ لأنهُ لا يُكَلَّفُ علمَ الغيبِ، فإن عَلِمَ الإمامُ في أثناءِ الصلاةِ بطلتْ صلاتُهُ، وبنى المأمومُ على ما صلى، وإن عَلِمَ بعدَ الفراغِ منها أعادَ الإمامُ وحدَهُ.
بطلانُ صلاةِ الإمامِ لا تعودُ بالبطلانِ على صلاةِ المأمومِ؛ لأنَّ من صلى امتثالاً للأمرِ الشرعيِّ فصلاتُهُ على الصحةِ، ولا يُطْلَبُ منهُ الإعادةُ إلا بدليلٍ شرعيٍّ.
ارتباطُ صلاةِ المأمومِ بالإمامِ يعني: الاقتداءَ بهِ في أفعالِهِ؛ لقولِهِ: «فلا تختلفوا عليهِ، فإذا كبرَ فكبروا، وإذا ركعَ فاركعوا»، ولا يعني ذلك بطلانَ صلاةِ المأمومِ ببطلانِ صلاةِ إمامِهِ.

إذا صلى الرجلُ بالناسِ، وهو يتذكرُ أنهُ محدثٌ:

بطلتْ صلاتُهُ بالإجماعِ، وكذلك تبطلُ صلاةُ من صلى خلفَهُ، وهو عالمٌ بحدثِهِ.

لحديثِ: «لا يقبلُ اللهُ صلاةَ أحدِكم إذا أحدثَ حتى يتوضأَ».

وقال الطحاويُّ:
«أجمعوا أنَّ رجلاً لو صلى خلفَ جنبٍ، وهو يعلمُ بذلك، أنَّ صلاتَهُ باطلةٌ»[1].

فإذا لم يعلمِ الإمامُ والمأمومُ إلا بعدَ الفراغِ من الصلاةِ:

فـقِيلَ: يعيدُ الإمامُ وحدَهُ.

وهو مذهبُ الجمهورِ[2].

قال ابنُ قدامةَ:
«إذا صلى بالجماعةِ محدثاً، أو جنباً، غيرَ عالِمٍ بحدثِهِ، فلم يعلمْ هو ولا المأمومونَ، حتى فرغوا من الصلاةِ، فصلاتُهم صحيحةٌ، وصلاةُ الإمامِ باطلةٌ»[3].

وقال الحنفيةُيعيدُ المأمومُ أيضاً؛ لبطلانِ صلاةِ الإمامِ.

وبهِ قال حمادٌ شيخُ أبي حنيفةَ، وسفيانُ الثوريُّ في أشهرِ الروايتينِ عنهُ وروايةٌ ضعيفةٌ عن أحمدَ[4].

قال ابنُ اللحامِ في «القواعدِ»:
«لو صلى خلفَ من يظنُّهُ طاهراً من الأحداثِ، فبان محدثاً، وجَهِلَ هو والمأمومُ حتى فرغتِ الصلاةُ، فلا إعادةَ على المأمومِ في أصحِّ الروايتينِ. وعن الإمامِ أحمدَ روايةٌ في لزومِ الإعادةِ كالإمامِ، اختارَها أبو الخطابِ في «انتصارِهِ»»[5].

دليلُ الجمهورِ على صحةِ صلاةِ المأمومِ:
الدليلُ الأولُ:

ما رواهُ البخاريُّ من طريقِ الحسنِ بنِ موسى الأشيبِ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «يصلونَ لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم»[6].

وجهُ الاستدلالِ:

جاءَ في «فتحِ الباري»:
«قولُهُ: «وإن أخطئوا» أي ارتكبوا الخطيئةَ، ولم يُرَدْ بهِ الخطأُ المقابلُ للعمدِ؛ لأنهُ لا إثمَ فيهِ»[7].

وقال ابنُ تيميةَ:
«فهذا نصٌّ في أنَّ الإمامَ إذا أخطأَ كان دَرَكُ خطئِهِ عليهِ، لا على المأمومينَ»[8].

وقال ابنُ المنذرِ كما في «فتحِ الباري»:
«هذا الحديثُ يَرُدُّ على من زعمَ أنَّ صلاةَ الإمامِ إذا فسدتْ فسدتْ صلاةُ من خلفَهُ»[9].

الدليلُ الثاني:

ما رواهُ أحمدُ، قال: حدثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، قال: حدثني عبدُ الرحمنِ بنِ حرملةَ، عن أبي عليٍّ الهمدانيِّ، قال: «صحبنا عقبةَ بنَ عامرٍ في سفرٍ، فجعلَ لا يؤمُّنا، قال: فقلنا لهُ: رحمكَ اللهُ، ألا تؤمُّنا وأنتَ من أصحابِ محمدٍ ﷺ؟» قال: لا، إني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «من أمَّ الناسَ فأصابَ الوقتَ، وأتمَّ الصلاةَ فلهُ ولهم، ومن انتقصَ من ذلك فعليهِ، ولا عليهم»[10]. [حسنٌ].

الدليلُ الثالثُ:

ما رواهُ الدارقطنيُّ في «السننِ» من طريقِ بقيةَ بنِ الوليدِ، حدثنا عيسى بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ، عن جويبرِ بنِ سعيدٍ، عن الضحاكِ بنِ مزاحمٍ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: «صلى رسولُ اللهِ ﷺ بقومٍ، وليس هو على وضوءٍ، فتمت للقومِ، وأعادَ النبيُّ ﷺ»[12]. [ضعيفٌ جداً].

الدليلُ الرابعُ:

ما رواهُ عبدُ الرزاقِ، عن مالكٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن زييدِ بنِ الصلتِ أنهُ قال: «خرجنا مع عمرَ بنِ الخطابِ إلى الجرفِ، فنظرَ فإذا هو قد احتلمَ، فصلى ولم يغتسلْ، فقال: واللهِ ما أَراني إلا وقد احتلمتُ وما شعرتُ، وصليتُ وما شعرتُ. قال: فاغتسلَ، وغسلَ ما رأى في ثوبِهِ، ونضحَ ما لم يَرَ، ثم أذَّنَ وأقامَ، ثم صلى بعدَ ما ارتفعَ الضحى متمكناً»[14]. [صحيحٌ].

قال ابنُ عبدِ البرِّ:
«وحسبُكَ بحديثِ عمرَ في ذلك، فإنهُ صلى بجماعةٍ من الصحابةِ صلاةَ الصبحِ، ثم غدا إلى أرضِهِ بالجرفِ، فوجدَ في ثوبِهِ احتلاماً فغسلَهُ واغتسلَ، وأعادَ صلاتَهُ وحدَهُ، ولم يأمرْهم بإعادةٍ، وهذا في جماعتِهم من غيرِ نكيرٍ …»[16].

وقال أيضاً:
«فعلُ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- في جماعةِ الصحابةِ لم ينكرْهُ عليهِ، ولا خالفَهُ فيهِ واحدٌ منهم، وقد كانوا يخالفونهُ في أَقَلَّ من هذا مما يحتملُ التأويلَ، فكيف بمثلِ هذا الأصلِ الجسيمِ، والحكمِ العظيمِ؟ وفي تسليمِهم ذلك لـعمرَ، وإجماعِهم عليهِ ما تسكنُ القلوبُ في ذلك إليهِ؛ لأنهم خيرُ أمةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ، يأمرونَ بالمعروفِ، وينهونَ عن المنكرِ، فيستحيلُ عليهم إضافةُ إقرارِ ما لا يرضونَهُ إليهم»[17].

الدليلُ الخامسُ:

قال الأثرمُ، سمعتُ أبا عبدِ اللهِ -يعني: الإمامَ أحمدَ– يقولُ: حدثنا هشيمٌ، عن خالدِ بنِ سلمةَ، قال: أخبرني محمدُ بنُ عمروِ بنِ المصطلقِ، «أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ صلى بالناسِ صلاةَ الفجرِ، فلما أصبحَ وارتفعَ النهارُ فإذا هو بأثرِ الجنابةِ، فقال: كبرتُ واللهِ، كبرتُ واللهِ، فأعادَ الصلاةَ، ولم يأمرْهم بأن يعيدوا»[18].

[حسنٌ إن كان محمدُ بنُ عمروِ بنِ الحارثِ سمعَهُ من عثمانَ].

الدليلُ السادسُ:

ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، قال: حدثنا عبدُ الأعلى، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، «أنهُ صلى بهم الغداةَ، ثم ذكرَ أنهُ صلى بغيرِ وضوءٍ، فأعادَ، ولم يعيدوا»[20]. [صحيحٌ]

الدليلُ السابعُ:

ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، قال: حدثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجاجٍ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ قال: «صلى الجنبُ بالقومِ فأتمَّ بهم الصلاةَ، أمرَهُ أن يغتسلَ ويعيدَ ولم يأمرْهم أن يعيدوا»[22]. [ضعيفٌ جداً، ورُوِيَ عن عليٍّ خلافُهُ كما سيأتي في أدلةِ القولِ الثاني]

الدليلُ الثامنُ:

حدثُ الإمامِ مما يخفى على المأمومِ، ولا سبيلَ إلى معرفتِهِ، فكان معذوراً.

دليلُ من قال: يعيدُ الإمامُ والمأمومُ:
الدليلُ الأولُ:

ما رواهُ أبو داودَ الطيالسيُّ، قال: حدثنا زائدةُ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «الإمامُ ضامنٌ، والمؤذنُ مؤتمنٌ اللهمَّ أرشدِ الأئمةَ واغفرْ للمؤذنينَ»[24]. [ضعيفٌ]

وجهُ الاستدلالِ:

فإذا كان الإمامُ ضامناً، فإذا بطلتْ صلاةُ الضامنِ بطلتْ صلاةُ المتضمَّنِ، وهذا ما جعلَ الحنفيةَ يقولونَ:
إذا فسدتْ صلاةُ الإمامِ فسدتْ صلاةُ المأمومِ، فإذا لم تكن للضامنِ صلاةٌ لم تكن للمضمونِ لهُ.

ونُوقِشَ:

بأنَّ الحديثَ ضعيفٌ.

الدليلُ الثاني:

ما رواهُ ابنُ شاهينَ في «ناسخِ الحديثِ»، قال: حدثنا أحمدُ بنُ نصرِ ابنِ إشكابَ البخاريُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ خلفِ بنِ رجاءٍ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسنُ بنُ صالحٍ، عن أبي معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إذا فسدتْ صلاةُ الإمامِ فسدتْ صلاةُ من خلفَهُ»[26].

[تفردَ بهِ مجموعةٌ من المجاهيلِ، وأعرضَ عنهُ الأئمةُ في الأمهاتِ، فلو كان صحيحاً لَرَوَوْهُ؛ لشدةِ الحاجةِ إليهِ في بابِهِ]

الدليلُ الثالثُ:

ما رواهُ الطحاويُّ في «شرحِ معاني الآثارِ» من طريقِ أبي معاويةَ، قال: حدثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن همامِ بنِ الحارثِ«أنَّ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُ- نسيَ القراءةَ في صلاةِ المغربِ، فأعادَ بهم الصلاةَ»[28]. [صحيحٌ عن عمرَ]

وجهُ الاستدلالِ:

قال الطحاويُّ:
«لما أعادَ بهم عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- الصلاةَ؛ لتركِهِ القراءةَ، وفي فسادِ الصلاةِ بتركِ القراءةِ اختلافٌ، كان إذا صلى بهم جنباً أحرى أن يعيدَ بهم الصلاةَ»[30].

ويُناقَشُ:

بأنهُ لا حجةَ فيهِ. 

لأنَّ فرضَ القراءةِ في الصلاةِ منهُ ما هو ركنٌ عند الأئمةِ الأربعةِ، خاصةً أنَّ هذا الركنَ مما يتحملُهُ الإمامُ عن المأمومِ في أصحِّ أقوالِ أهلِ العلمِ، فإذا عَلِمَ المأمومُ أنَّ الإمامَ لم يقرأْ، بطلتْ صلاةُ الجميعِ، فهو كما لو عَلِمَ أنهُ تركَ من الصلاةِ ركوعاً أوسجوداً وتابعَهُ على ذلك، وإنما لم يخرجِ المأمومُ من الصلاةِ؛ لاحتمالِ أن يكونَ الخليفةُ عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ- إنما تركَ الجهرَ، ولم يتركِ القراءةَ، وهذا من السننِ، وليس هذا موضعَ البحثِ، وإنما البحثُ لو أنهُ صلى محدثاً حتى فرغَ من صلاتِهِ، ولم يعلمِ المأمومُ بطلتْ صلاةُ الإمامِ وحدَهُ، ولا يُتَصَوَّرُ هذا في تركِ القراءةِ؛ لأنَّ القراءةَ إن كانت سريةً فسوف يقرأُ المأمومُ الفاتحةَ، ويقيمُ الركنَ بنفسِهِ، فإذا تركَهُ الإمامُ لم تبطلْ صلاةُ المأمومِ، وإن كانت جهريةً فسوف ينبِّهُ المأمومُ إمامَهُ إلى القراءةِ، فإن أَصَرَّ على تركِ القراءةِ فارقَهُ، وصلى لنفسِهِ، وقد صلى عمرُ -رضيَ اللهُ عنهُ-، وهو جنبٌ، فأعادَ، ولم يأمرْ من صلى خلفَهُ بالإعادةِ، وهذا أصرحُ من تركِ ركنٍ من أركانِ الصلاةِ، واللهُ أعلمُ.

الدليلُ الرابعُ:

روى عبدُ الرزاقِ في «المصنفِ»، عن إبراهيمَ بنِ يزيدَ، عن عمروِ بنِ دينارٍ، عن أبي جعفرٍ «أنَّ عليّاً صلى بالناسِ، وهو جنبٌ، أو على غيرِ وضوءٍ، فأعادَ، وأمرَهم أن يعيدوا». [موضوعٌ].

وقد رُوِيَ عن عليٍّ -رضيَ اللهُ عنهُ- خلافُهُ من طريقِ الحارثِ الأعورِ عنهُ، وسبقَ تخريجُهُ في أدلةِ القولِ السابقِ.

الدليلُ الخامسُ:

ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ في «المصنفِ»، قال:حدثنا أبو معاويةَ، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن أبي جابرٍ البياضيِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، «أنَّ النبيَّ ﷺ صلى بالناسِ، وهو جنبٌ، فأعادَ وأعادوا»[32].

[مرسلٌ بإسنادٍ ضعيفٍ جداً].

الدليلُ السادسُ:

من النظرِ، قال الطحاويُّ:
«أجمعوا أنَّ رجلاً لو صلى خلفَ جنبٍ، وهو يعلمُ بذلك، أنَّ صلاتَهُ باطلةٌ، وجعلوا صلاتَهُ مضمَّنةً بصلاةِ الإمامِ. فلما كان ذلك كذلك إذا كان يعلمُ بفسادِ صلاةِ إمامِهِ، كان كذلك في النظرِ إذا كان لا يعلمُ بها.

ألا ترى أنَّ المأمومَ لو صلى، وهو جنبٌ، وهو يعلمُ، أو لا يعلمُ، كانت صلاتُهُ باطلةً. فكان ما يفسدُ صلاتَهُ في حالِ علمِهِ بهِ، هو الذي يفسدُ صلاتَهُ في حالِ جهلِهِ بهِ، وكان علمُهُ بفسادِ صلاةِ إمامِهِ تفسدُ بهِ صلاتُهُ. فالنظرُ على ذلك أن يكونَ كذلك جهلُهُ بفسادِ صلاةِ إمامِهِ، فهذا هو النظرُ»[34].

ويُناقَشُ:

بأنَّ هناك فرقاً بين جهلِ المصلي بحدثِ إمامِهِ، وبين جهلِهِ بحدثِ نفسِهِ، فـالأولُ لا يُكَلَّفُ المأمومُ معرفتَهُ؛ لأنَّ الأصلَ في المسلمِ أنهُ لا يصلي إلا متطهراً، وأما حدثُ نفسِهِ فإذا صلى جاهلاً بهِ لم تصحَّ صلاتُهُ إذا علمَ؛ لأنهُ منسوبٌ فيهِ إلى التفريطِ، وقياسُ أحدهما على الآخرِ قياسٌ مع الفارقِ.

وفرقٌ آخرُ هو في حكمِ الاقتداءِ، فإذا حَرُمَ الاقتداءُ على المأمومِ بطلتْ صلاتُهُ، وإذا أُمِرَ بالاقتداءِ لم تبطلْ، فإذا علمَ المأمومُ بحدثِ إمامِهِ، حَرُمَ عليهِ الاقتداءُ بهِ إجماعاً؛ لأنَّ الإمامَ نفسَهُ لا تجوزُ منهُ الصلاةُ، فإذا خالفَ المأمومُ بطلتْ صلاتُهُ، وإذا كان لا يعلمُ بحدثِ إمامِهِ كان مأموراً شرعاً بالاقتداءِ بهِ، فإن عَلِمَ المأمومُ أثناءَ الصلاةِ خرجَ عن إمامتِهِ، إما باستخلافِ غيرِهِ، أو بالإتمامِ منفرداً وبنى على ما صلى، وإذا لم يعلمْ إلا بعدَ الفراغِ منها فقد صحتْ صلاتُهُ.

لأنَّ كلَّ من امتثلَ الأمرَ الشرعيَّ حسبَ ما أُمِرَ فصلاتُهُ على الصحةِ، ومن أرادَ أن يبطلَ صلاةَ المأمومِ، وقد فعلَ ما يجبُ عليهِ فعليهِ الدليلُ، والأصلُ الصحةُ. والحنفيةُ لم يطردوا، فإنَّ الإمامَ إذا سبقَهُ الحدثُ في الصلاةِ بطلتْ طهارتُهُ، وبطلانُها يفسدُ صلاتَهُ؛ لانتقاضِ شرطِها، ومع ذلك قالوا:
للمأمومِ أن يبنيَ على ما صلى.

قال ابنُ المنذرِ:
«والنظرُ مع ذلك دالٌّ على ذلك -يعني: على صحةِ صلاةِ المأمومِ-؛ لأنَّ القومَ لما صلوا كما أُمِرُوا، وأدوا فرضَهم، ثم اخْتُلِفَ في وجوبِ الإعادةِ عليهم، لم يجزْ أن يُلْزَمُوا إعادةَ ما صلوا على ظاهرِ ما أُمِرُوا بهِ بغيرِ حجةٍ»[35].

الدليلُ السابعُ:

الدليلُ على ارتباطِ صلاةِ المأمومِ بصلاةِ الإمامِ، أنَّ الإمامَ لو سها في صلاتِهِ لزمَ المأمومَ حكمُهُ، مع أنَّ السهوَ صدرَ من الإمامِ، بخلافِ لو سها المأمومُ فإنَّ الإمامَ لا يلزمُهُ حكمُهُ، فدلَّ على أنَّ صلاةَ المأمومِ تفسدُ بصلاةِ الإمامِ، ولا تفسدُ صلاةُ الإمامِ بفسادِ صلاةِ المأمومِ.

ويُناقَشُ من وجهينِ:
الوجهُ الأولُ:

لا نقاشَ في ارتباطِ صلاةِ المأمومِ بصلاةِ الإمامِ، ولكن لا يلزمُ من هذا الارتباطِ فسادُ صلاةِ المأمومِ بفسادِ صلاةِ إمامِهِ، فالسهوُ يوجبُ السجودَ، والسجودُ يتعلقُ بالأفعالِ، وقد نُهِينَا عن الاختلافِ عليهِ فيها فيما هو مشروعٌ من صلاتِهِ، قال ﷺ:
«فلا تختلفوا عليهِ … فإذا سجدَ فاسجدوا».

الوجهُ الثاني:

أنَّ الإمامَ لو قامَ إلى زائدةٍ ونبَّهَهُ المأمومُ، فلم يرجعْ وجبتْ مفارقتُهُ، وبطلتْ صلاةُ الإمامِ وحدَهُ، فدلَّ على أنَّ الارتباطَ لا يعني التزامَ فسادِ صلاةِ المأمومِ بفسادِ صلاةِ الإمامِ.

الراجحُ:

أنَّ الإمامَ إذا صلى، وهو محدثٌ ناسياً حدثَهُ، ولم يتذكرْ حتى فرغَ من الصلاةِ، فعليهِ الإعادةُ وحدَهُ، وصلاةُ المأمومِ صحيحةٌ، واللهُ أعلمُ.


المسألةُ الثانيةُ: إذا تذكرَ الإمامُ حدثَهُ وهو في الصلاةِ

البندُ الأولُ: أن يخرجَ الإمامُ من الصلاةِ ولا يتمادى فيها

📌 المدخلُ إلى المسألةِ:

خطأُ المأمومِ لا يؤثرُ على صلاةِ الإمامِ بالاتفاقِ، فخطأُ الإمامِ لا يؤثرُ على صلاةِ المأمومِ كذلك، فـلكُلٍّ صلاتُهُ.
كلُّ صلاةٍ بطلت على الإمامِ لم تبطلْ على المأمومِ إلا أن يعلمَ ببطلانِ صلاتِهِ ويتمادى في الاقتداءِ بهِ.
بطلانُ صلاةِ الإمامِ يمنعُ من الاقتداءِ بهِ إذا علمَ المأمومُ، وولا يُبْطِلُ صلاةَ المأمومِ.
إذا قام الإمامُ إلى خامسةٍ ولم يرجعْ وجبَ على المأمومِ مفارقتُهُ، ولم تبطلْ صلاتُهُ، فكذلك إذا بطلتْ صلاةُ الإمامِ بأيِّ مفسدٍ وجبتْ مفارقتُهُ، ولم تبطلْ صلاةُ المأمومِ.
إذا جازَ الاستخلافُ مع إمامٍ لم تبطلْ صلاتُهُ، كما وقعَ لأبي بكرٍ مع النبيِّ ﷺ في حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ، جازَ الاستخلافُ من بابِ أَوْلَى مع إمامٍ بطلتْ صلاتُهُ؛ لضرورتِهِ إلى الخروجِ منها، واحتياجِهم إلى إمامٍ.
صلاةُ المأمومِ مركبةٌ من نيتينِ: نيةُ الصلاةِ، ونيةُ الائتمامِ، وبطلانُ نيةِ الائتمامِ لا يُبْطِلُ نيةَ الصلاةِ،كما لو صلى الفريضةَ قبلَ الوقتِ، بطلتِ الفريضةُ بالإجماعِ، وصحت نافلةً على الصحيحِ؛ لبقاءِ نيةِ الصلاةِ.
إذا تذكرَ الإمامُ أنهُ محدثٌ، وهو في الصلاةِ، فخرجَ ولم يتمادَ 

فصلاتُهُ باطلةٌ بالإجماعِ[36]

ولا يمكنُهُ البناءُ على ما صلى؛ لأنَّ ما سبقَ من صلاتِهِ كان بغيرِ طهارةٍ. 

وإنما وقعَ الاختلافُ بينهم في بطلانِ صلاةِ المأمومِ:
فـقِيلَ: تبطلُ.

وهو مذهبُ الحنفيةِ، والمعتمدُ عند الحنابلةِ[37].

قال في «الإنصافِ»:
«تبطلُ صلاةُ المأمومِ بـبطلانِ صلاةِ إمامِهِ لعذرٍ أو غيرِهِ على الصحيحِ من المذهبِ، وعليهِ الجمهورُ، قال في «الفروعِ» والمجدُ في «شرحِهِ»: اختارَهُ الأكثرُ»[38].

وقِيلَ: لا تبطلُ صلاةُ المأمومِ.

وهو مذهبُ المالكيةِ، والشافعيةِ، وروايةٌ عن أحمدَ[39].

قال الدرديرُ:
«كلُّ صلاةٍ بطلت على الإمامِ بطلت على المأمومِ إلا في سبقِ الحدثِ، أو نسيانِهِ …»[40].

وقال النوويُّ في «المجموعِ»:
«قال أصحابُنا: إذا خرجَ الإمامُ عن الصلاةِ بحدثٍ تعمدَهُ، أو سبقَهُ، أو نسيهُ، أو بسببٍ آخرَ، أو بلا سببٍ، ففي جوازِ الاستخلافِ قولانِ مشهورانِ: الصحيحُ الجديدُ: جوازُهُ»[41].

قال النوويُّ:
«إن لم نُجَوِّزِ الاستخلافَ أتمَّ القومُ صلاتَهم فُرَادَى»[42].

فعلى هذا صلاةُ المأمومِ لم تبطلْ على كلا القولينِ: القديمِ والجديدِ، وإنما الخلافُ بينهما في جوازِ الاستخلافِ، وهو راجعٌ للخلافِ في صحةِ الصلاةِ الواحدةِ بإمامينِ، لا في صحةِ ما صلاهُ المأمومُ، ولا في صحةِ البناءِ عليهِ فُرَادَى، فالقديمُ يمنعُ الاستخلافَ، والجديدُ يجوِّزُهُ[43].

وهو الراجحُ:

لأنَّ الصلاةَ بإمامينِ على التعاقبِ جائزةٌ كما وقعَ لـأبي بكرٍ مع النبيِّ ﷺ، وحديثُهُ في «البخاريِّ».

قالوا:
وإذا جازَ هذا فيمن لم تبطلْ صلاتُهُ، ففي من بطلتْ بـالأَوْلَى؛ لضرورتِهِ إلى الخروجِ منها، واحتياجِهم إلى إمامٍ. ومن فعلِ عمرَ لما طُعِنَ، حيثُ صلى بالناسِ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ -رضيَ اللهُ عنهما-.

دليلُ من قال: لا تبطلُ صلاةُ المأمومِ:
الدليلُ الأولُ:

المأمومُ قد دخلَ في الصلاةِ امتثالاً للأمرِ الشرعيِّ، ومن صلى كما أُمِرَ فصلاتُهُ على الصحةِ، ولا يُطْلَبُ منهُ الإعادةُ إلا بدليلٍ شرعيٍّ.

الدليلُ الثاني:

ما رواهُ أحمدُ، قال: حدثنا وكيعٌ، قال: حدثنا أسامةُ بنُ زيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ، مولى الأسودِ بنِ سفيانَ، عن ابنِ ثوبانَ، عن أبي هريرةَ، «أنَّ النبيَّ ﷺ خرجَ إلى الصلاةِ، فلما كبَّرَ انصرفَ، وأومأَ إليهم: أي كما أنتم، ثم خرجَ فاغتسلَ، ثم جاءَ ورأسُهُ يقطرُ، فصلى بهم، فلما صلى، قال: إني كنتُ جنباً، فنسيتُ أن أغتسلَ»[44].

وأُجِيبَ:

[بأنَّ حديثَ أبي هريرةَ في «الصحيحينِ» «فلما قام في مصلاهُ، وانتظرنا أن يكبرَ انصرفَ» وهو المحفوظُ.

الدليلُ الثالثُ:

ما رواهُ الطحاويُّ في «مشكلِ الآثارِ»، من طريقِ عبيدِ اللهِ بنِ معاذٍ العنبريِّ، حدثنا أبي، عن سعيدٍ -يعني: ابنَ أبي عروبةَ– عن قتادةَ، عن أنسٍ قال: «دخلَ النبيُّ ﷺ في صلاةٍ، فكبَّرَ وكبَّرْنا معهُ، ثم أشارَ إلى القومِ أن كما أنتم، فلم نزلْ قياماً حتى أتانا، وقد اغتسلَ ورأسُهُ يقطرُ ماءً»[46].

[رواهُ عبدُ الوهابِ عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن بكرٍ المزنيِّ مرسلاً، وهو المحفوظُ].

الدليلُ الرابعُ:

روى أحمدُ، قال:
حدثنا عفانُ، حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، حدثنا زيادٌ الأعلمُ، عن الحسنِ،

عن أبي بكرةَ، «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ دخلَ في صلاةِ الفجرِ، فأومأَ إلى أصحابِهِ، أي: مكانَكم، فذهبَ، وجاءَ ورأسُهُ يقطرُ، فصلى بالناسِ»[48]. [لم يَرْوِهِ عن زيادٍ الأعلمِ إلا حمادُ بنُ سلمةَ، وقد تغيرَ بآخرةٍ].

الدليلُ الخامسُ:

ما رواهُ مالكٌ في «الموطأِ» من روايةِ يحيى بنِ يحيى الليثيِّ عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيمٍ، أنَّ عطاءَ بنَ يسارٍ أخبرهُ «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ، كبَّرَ في صلاةٍ من الصلواتِ، ثم أشارَ إليهم بيدِهِ أنِ امكثوا، فذهبَ، ثم رجعَ وعلى جلدِهِ أثرُ الماءِ»[50]. [مرسلٌ بإسنادٍ صحيحٍ].

الدليلُ السادسُ:

ما رواهُ أبو داودَ في «السننِ» قال:
وكذلك حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدثنا أبانُ، عن يحيى، عن الربيعِ بنِ محمدٍ، عن النبيِّ ﷺ: «أنهُ كبَّرَ»[52]. [ضعيفٌ].

وجهُ الاستدلالِ من هذهِ الأحاديثِ:

استدلَّ الشافعيةُ بها على أنَّ الصحابةَ بقوا على إحرامِهم، وأنَّ النبيَّ ﷺ حين عادَ بَنَوْا على ما مضى من صلاتِهم، فلم يستأنفوا تكبيرةَ الإحرامِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لو أمرَهم أن يستأنفوا الصلاةَ لَنُقِلَ ذلك، فلما لم يُنْقَلْ عُلِمَ أنهم قد بَنَوْا على ما مضى من إحرامِهم.

ونُوقِشَ من أكثرَ من وجهٍ:
الوجهُ الأولُ:

ما وردَ في البابِ، لا يصحُّ منهُ شيءٌ، فحديثُ أبي هريرةَ لا يصلحُ للاعتبارِ؛ لأنهُ شاذٌّ.

وحديثُ أبي بكرةَ، ضعيفٌ؛ لتفردِ حمادِ بنِ سلمةَ بهِ، وقد تغيرَ بآخرةٍ، وقد قِيلَ: إنَّ الحسنَ لم يسمعْهُ من أبي بكرةَ.

وحديثُ عطاءِ بنِ يسارٍ صحيحُ الإسنادِ، لكنهُ مرسلٌ، وهو حجةٌ عند من يرى الاحتجاجَ بالمرسلِ مطلقاً كجمهورِ الفقهاءِ خلافاً لجمهورِ المحدثينَ.

وحجةٌ كذلك عند من يشترطُ للاحتجاجِ بالمرسلِ أن يعتضدَ كـالشافعيِّ -عليهِ رحمةُ اللهِ- فقد اعتضدَ بحديثِ أبي بكرةَ، وبمرسلِ بكرٍ المزنيِّ، ومرسلِ الربيعِ بنِ محمدٍ، فمجموعُها يفيدُ قوةً.

وأصحُّ هذهِ المراسيلِ مرسلُ عطاءِ بنِ يسارٍ، ويعارضُهُ مرسلُ ابنِ سيرينَ، فإنهُ يفيدُ عدمَ البناءِ؛ لأمرِهم بالجلوسِ، وسوف يأتي ذكرُهُ إن شاءَ اللهُ تعالى.

قال ابنُ رجبٍ:
«وهذهِ كلُّها مرسلاتٌ، وحديثُ الحسنِ عن أبي بكرةَ في معنى المرسلِ؛ لأنَّ الحسنَ لم يسمعْ من أبي بكرةَ عند الإمامِ أحمدَ والأكثرينَ من المتقدمينَ»[54].

الوجهُ الثاني:

على فرضِنا أن يكونَ حديثُ أبي بكرةَ صحيحاً؛ لتقويتِهِ بالمراسيلِ، فإنَّ هناك تجاذباً قويّاً في دلالتِها على مرادِ الشافعيةِ.

فمن أهلِ العلمِ من رأى أنَّ حديثَ أبي بكرةَ وحديثَ أنسٍ -أنَّ النبيَّ ﷺ تذكرَ بعدَ أن دخلَ في الصلاةِ- معارَضٌ بحديثِ أبي هريرةَ في «الصحيحينِ»، أنهُ تذكرَ قبلَ أن يكبرَ، والسبيلُ في الأحاديثِ المتعارضةِ هو الجمعُ بينها إن أمكنَ بلا تكلفٍ أو الترجيحُ.

فقال أصحابُ الترجيحِ:
ما في «الصحيحينِ» مقدَّمٌ على غيرِهما.

وقال أصحابُ الجمعِ:
إنَّ معنى (كبَّرَ) أي أرادَ أن يكبرَ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [النحل: 89]، أي: إذا أردتَ قراءتَهُ.

وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ ﴾ [الطلاق: 2] ولا إمساكَ بعدَ انقضاءِ العدةِ، فالمرادُ: إذا قاربنَ البلوغَ.

وحديثُ أنسٍ كان النبيُّ ﷺ: «إذا دخلَ الخلاءَ قال: اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من الخبثِ والخبائثِ». متفقٌ عليهِ[55]. أي: إذا أرادَ دخولَهُ.

وممن ذهبَ إلى ذلك الطحاويُّ في «شرحِ مشكلِ الآثارِ»، والقاضي عياضٌ في «إكمالِ المعلمِ»[56].

وقد نقلَ ابنُ رجبٍ في «الفتحِ» ما يدلُّ على أنَّ الإمامَ أحمدَ يومئُ إلى ترجيحِ روايةِ أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، وأنهُ لم يكن كبَّرَ[57].

ولا تصحُّ دعوى التعارضِ إلا مع إثباتِ أنَّ الواقعةَ واحدةٌ، وأما مع القولِ بتعددِ الوقائعِ، كما رجَّحَ ذلك ابنُ حبانَ، والنوويُّ وأبداهُ القرطبيُّ احتمالاً[58]، فلا حاجةَ إلى الترجيحِ أو التأويلِ، وقد يُقَالُ: الأصلُ عدمُ التعددِ، وإذا أمكنَ الجمعُ فهو أَوْلَى من افتراضِ التعددِ.

الوجهُ الثالثُ:

عدمُ النقلِ عن الصحابةِ أنهم استأنفوا التكبيرَ ليس دليلاً صريحاً أنهم قد بَنَوْا على ما مضى من صلاتِهم، فالحديثُ لم ينقلْ أنهم قد بَنَوْا، كما لم ينقلْ أنهم استأنفوا، فالراوي لم يتعرضْ لذلك في الحديثِ، لا نفياً، ولا إثباتاً، فلا حجةَ فيها على فسادِ صلاةِ المأمومِ بـفسادِ صلاةِ إمامِهِ، ولا نصَّ فيها على صحةِ صلاةِ المأمومِ ولو فسدتْ صلاةُ الإمامِ، فالحديثُ محتملٌ للأمرينِ.

وأما الجزمُ بأنهم لو كبَّروا لَنُقِلَ فغيرُ مُسَلَّمٍ، فالراوي لم ينقلْ أنَّ الرسولَ ﷺ استأنفَ التكبيرَ حين عادَ إلى صلاتِهِ، فعلى هذهِ الطريقةِ من الاستدلالِ يُقَالُ: لو كان النبيُّ ﷺ كبَّرَ لَنُقِلَ، وإنما علمنا أنهُ يلزمُهُ التكبيرُ من الإجماعِ، ولا يُسْتَفَادُ من هذهِ الأحاديثِ.

وأبو بكرةَ لم ينقلْ أنَّ الصحابةَ كبروا حين كبَّرَ النبيُّ ﷺ للمرةِ الأولى إلا ما نعلمُ من حالِ الصحابةِ، وحرصِهم على المسارعةِ في المتابعةِ، وإلا فالحديثُ وردَ بثلاثةِ ألفاظٍ، كلُّها لم تنقلْ في الروايةِ أنَّ الصحابةَ قد دخلوا في الصلاةِ مع الرسولِ ﷺ.

فرواهُ أبو الوليدِ الطيالسيُّ، عن حمادِ بنِ سلمةَ بهِ، بلفظِ: (كبَّرَ في صلاةِ الفجرِ يوماً، ثم أومأَ إليهم).

ولفظُ يزيدَ بنِ هارونُ عن حمادٍ بهِ، عند أحمدَ: (استفتحَ الصلاةَ فكبَّرَ، ثم أومأَ إليهم أَنْ مكانَكم …).

ولفظُ عفانَ وأبي كاملٍ وموسى بنِ إسماعيلَ وحبانَ وأبي عمرَ الضريرِ، كلُّهم عن حمادٍ بهِ: (دخلَ في صلاةِ الفجرِ، فأومأَ إلى أصحابِهِ: أي مكانَكم …).

وهذا الذي حملَ ابنَ الهمامِ فقال في «فتحِ القديرِ» بعدَ أن ساقَ الحديثَ:
«سندُهُ صحيحٌ، ولا يقتضي أنَّ ذلك كان بعدَ شروعِهم؛ لـجوازِ كونِ التذكرِ كان عقيبَ تكبيرِهِ بلا مهلةٍ قبلَ تكبيرِهم …»[59].

فإن كانوا لم يدخلوا في الصلاةِ فذاكَ، وإن كانوا قد كبَّروا مع النبيِّ ﷺ للمرةِ الأولى، وتركَ ذكرَهُ أبو بكرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ- فهو دليلٌ على أنهُ لا يمكنُ الجزمُ بأنَّ عدمَ النقلِ نقلٌ للعدمِ، فما المانعُ أن يكونَ الصحابةُ -رضيَ اللهُ عنهم- حين عادَ النبيُّ ﷺ وكبَّرَ للدخولِ في الصلاةِ كبَّرَ معهُ الصحابةُ أيضاً، واستأنفوا صلاتَهم؟ فإذا قلتَ: لم يُنْقَلْ، قيلَ لكَ: ولم يُنْقَلْ تكبيرُ الصحابةِ في أولِ الأمرِ، ولا تكبيرُ النبيِّ ﷺ بعدَ عودتِهِ إلى الصلاةِ، فعدمُ النقلِ ليس حجةً، ولا يُعْتَبَرُ نقلاً للعدمِ، وإنما شاءَ اللهُ قدراً أن يغفلَ الراوي عن نقلِ ذلك؛ لتكونَ من مسائلِ الخلافِ توسعةً على العبادِ، واللهُ أعلمُ[60].

فإنِ اُعْتُرِضَ بحديثِ أنسٍ (فكبَّرَ وكبَّرْنا معهُ):
فإنَّ الراجحَ في هذا الحديثِ أنهُ مرسلٌ، ومعارَضٌ بمرسلٍ مثلِهِ أو أقوى منهُ.

فقد روى أبو داودَ معلِّقاً في «السننِ»، قال: رواهُ أيوبُ، وابنُ عونٍ، وهشامٌ، عن محمدٍ مرسلاً، عن النبيِّ ﷺ، قال: «فكبَّرَ، ثم أومأَ بيدِهِ إلى القومِ: أنِ اجلسوا، فذهبَ، فاغتسلَ»[61].

وقد وصلَهُ الشافعيُّ في «الأمِّ»، فرواهُ عن ابنِ عليةَ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدٍ، واختصرَ لفظَهُ[62].

وإسنادُ الشافعيِّ إسنادٌ صحيحٌ، إلا أنهُ مرسلٌ، ومرسلاتُ ابنِ سيرينَ من أقوى المراسيلِ، وكان ابنُ سيرينَ لا يرى الروايةَ بالمعنى، وهي لا تعارضُ لفظَ: «أنِ امكثوا» أو لفظَ: «مكانَكم».

فإن صحَّ أمرُهم بالجلوسِ فهو دليلٌ على أنهم لم يكونوا في صلاةٍ، واللهُ أعلمُ.

وعلى كلِّ حالٍ انتظارُ الصحابةِ لـالنبيِّ ﷺ وهم قيامٌ، لا يعني أنهم كانوا في صلاةٍ، فقد يكونُ أرادَ منهم النبيُّ ﷺ أن يستمروا على الكيفيةِ التي تركَهم عليها، وهو قيامُهم في صفوفِهم المعتدلةِ لسرعةِ فيئِهِ، ولو أرادَ النبيُّ ﷺ بقاءَهم على إحرامِهم لأمرَهم بالقراءةِ أو الذكرِ في الصلاةِ، بدلاً من وقوفِهم في الصلاةِ من غيرِ قراءةٍ ولا ذكرٍ إلى أن يرجعَ الإمامُ، واللهُ أعلمُ.

قال ابنُ حبانَ:
«محالٌ أن يذهبَ ﷺ ليغتسلَ ويبقى الناسُ كلُّهم قياماً على حالتِهم من غيرِ إمامٍ لهم إلى أن يرجعَ ﷺ، ومن احتجَّ بهذا الخبرِ في إباحةِ البناءِ على الصلاةِ لزمَهُ ألا تفسدَ وقوفُ المأمومِ بلا إمامٍ مقدارَ ما ذهبَ ﷺ فاغتسلَ إلى أن رجعَ من غيرِ قراءةٍ تكونُ منهم، ولما صحَّ نفيُهم جوازَ ما وصفنا صحَّ أنَّ البناءَ غيرُ جائزٍ في الصلاةِ …»[63].

والذي أريدُ أن أصلَ إليهِ من خلالِ هذهِ المناقشةِ:
أنَّ هذهِ الأحاديثَ لا دلالةَ فيها على فسادِ صلاةِ المأمومِ بـفسادِ صلاةِ إمامِهِ، ولا على صحةِ البناءِ على ما صلى، فهي ليست نصّاً في موضعِ النزاعِ، فـيُطْلَبُ الدليلُ من غيرِها، والقولُ بالبناءِ -وإن كان هو الراجحَ عندي- لكن دلالةَ هذهِ الأحاديثِ عليهِ ليست نصّاً قاطعاً على المرادِ، واللهُ أعلمُ.

ولذلك ذكرَ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ أنَّ الحديثَ يحتملُ الأمرينِ.

قال ابنُ رجبٍ:
«ليس في الحديثِ أنَّ النبيَّ ﷺ بنى على ما مضى من تكبيرةِ الإحرامِ، وهو ناسٍ لجنابتِهِ، فإن قُدِّرَ أنَّ ذلك وقعَ فهو منسوخٌ؛ لإجماعِ الأمةِ على خلافِهِ، كما ذكرَهُ ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهُ، فلم يبقَ إلا أحدُ وجهينِ:

أحدهما: أن يكونَ ﷺ لما رجعَ كبَّرَ للإحرامِ، وكبَّرَ الناسُ معهُ.

وعلى هذا التقديرِ، فلا يبقى في الحديثِ دلالةٌ على صحةِ الصلاةِ خلفَ إمامٍ صلى بالناسِ محدثاً ناسياً لحدثِهِ.

والثاني: أن يكونَ النبيُّ ﷺ استأنفَ تكبيرةَ الإحرامِ، وبنى الناسُ خلفَهُ على تكبيرِهم الماضي ….»[64].

فلو كانت هذهِ الأحاديثُ نصّاً على صحةِ البناءِ؛ لما ذكرَ ابنُ رجبٍ أنها تحتملُ الأمرينِ، تحتملُ الاستئنافَ، وتحتملُ البناءَ.

وعلى القولِ بالبناءِ:
فـالشافعيُّ استدلَّ بهِ على جوازِ إحرامِ المأمومِ قبلَ إمامِهِ مطلقاً، وقد سبقَ بحثُها في مباحثِ النيةِ.

قال ابنُ بطالٍ:
«لا أعلمُ من يقولُ: إنَّ من كبَّرَ قبلَ إمامِهِ فصلاتُهُ تامةٌ إلا الشافعيُّ، بناءً على أصلِ مذهبِهِ أنَّ صلاةَ المأمومِ غيرُ مرتبطةٍ بصلاةِ الإمامِ، وسائرُ الفقهاءِ لا يجيزونَ من كبَّرَ قبلَ إمامِهِ»[65].

ولا حجةَ في هذهِ الأحاديثِ على هذهِ المسألةِ، قال ابنُ رجبٍ: لأنَّ المأمومَ إنما كبَّرَ مقتدياً بإمامٍ يصحُّ الاقتداءُ بهِ، ثم بطلتْ صلاتُهُ بذكرِهِ، فاستأنفَ صلاتَهُ، فلم يخرجِ المأمومُ عن كونِهِ مقتدياً بإمامٍ يصحُّ الاقتداءُ بهِ، فهو كمن صلى خلفَ إمامٍ، ثم سبقَهُ الحدثُ في أثناءِ صلاتِهِ في المعنى[66].

الدليلُ السابعُ:

ما رواهُ «البخاريُّ» و«مسلمٌ» من طريقِ عبدِ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن همامٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: «لا يقبلُ اللهُ صلاةَ أحدِكم إذا أحدثَ حتى يتوضأَ»

هذا لفظُ «البخاريِّ»، ولفظُ «مسلمٍ» («لا تُقْبَلُ صلاةُ أحدِكم …»)[67].

فإذا تذكرَ الإمامُ حدثَهُ فسدتْ صلاتُهُ؛ لانتفاءِ القبولِ عنها بنصِّ الحديثِ، وأما المأمومُ فهو معذورٌ في الاقتداءِ بهِ؛ ولم يحصلْ منهُ حدثٌ لـتفسدَ صلاتُهُ، وفرقٌ بين جهلِ المصلي بحدثِ إمامِهِ، وبين جهلِهِ بحدثِ نفسِهِ، فـالأولُ لا يُكَلَّفُ المأمومُ في معرفتِهِ؛ لأنَّ الأصلَ في المسلمِ أنهُ لا يصلي إلا متطهراً، وأما حدثُ نفسِهِ فإذا صلى جاهلاً بهِ لم تصحَّ صلاتُهُ إذا علمَ؛ لأنهُ منسوبٌ فيهِ إلى التفريطِ، وقياسُ أحدهما على الآخرِ قياسٌ مع الفارقِ.

فإذا صلى المأمومُ كما أُمِرَ، ثم عَلِمَ الإمامُ أثناءَ الصلاةِ بحدثِهِ بطلتْ صلاتُهُ وحدَهُ؛ وبنى المأمومُ على ما صلى، وإن علمَ بعدَ الفراغِ منها أعادَ الإمامُ وحدَهُ، كما لو صلى الإمامُ، ونعلاهُ فيهما نجاسةٌ.

الدليلُ الثامنُ:

كلُّ دليلٍ استدلَّ بهِ من يقولُ: إذا عَلِمَ الإمامُ بحدثِهِ بعدَ الفراغِ من الصلاةِ، صحتْ صلاةُ المأمومِ، وهو فعلُ عمرَ وعثمانَ وابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهم-، فكذلك إذا تذكرَ الإمامُ حدثَهُ أثناءَ الصلاةِ. فإذا صحتْ صلاةُ المأمومِ كلُّها قبلَ التذكرِ، صحَّ بعضُها قبلَ التذكرِ، كما لو صلى في نعليهِ، وفيهما أذىً.

فالتذكرُ يفسدُ صلاةَ الإمامِ وحدَهُ، ويقطعُ الاقتداءَ، فللمأمومِ البناءُ على ما صلى: إما بالاستخلافِ، وإما بإتمامِها فُرَادَى.

وقد ذكرتُ هذهِ الأدلةَ في المسألةِ السابقةِ فارجعْ إليها.

الدليلُ التاسعُ:

ارتباطُ صلاةِ المأمومِ بالإمامِ يعني: الاقتداءَ بهِ في أفعالِهِ؛ لقولِهِ: «فلا تختلفوا عليهِ فإذا كبرَ فكبروا، وإذا ركعَ فاركعوا»، ولا يعني ذلك بطلانَ صلاةِ المأمومِ بـبطلانِ صلاةِ إمامِهِ.

الدليلُ العاشرُ:

القياسُ على مسألةِ: ما لو سبقَ الإمامَ الحدثُ في الصلاةِ، فإنَّ صلاةَ المأمومِ لا تبطلُ، ولهُ الاستخلافُ أو إتمامُها فُرَادَى، فكذلك ها هنا.

ونُوقِشَ:

بأنَّ الإمامَ إذا سبقَهُ الحدثُ بطلتْ طهارتُهُ، ولم يبطلْ ما صلاهُ على طهارةٍ، فلهُ البناءُ على ما صلى إذا تطهرَ، وإذا لم تبطلْ صلاةُ الإمامِ لم تبطلْ صلاةُ المأمومِ.

ورُدَّ على هذا:

بأنَّ الإمامَ إذا سبقَهُ الحدثُ بطلتْ طهارتُهُ بالإجماعِ، وفسادُ الطهارةِ يفسدُ الصلاةَ في أصحِّ قوليِّ أهلِ العلمِ، وهو قولُ الجمهورِ، ولم يقلْ بالبناءِ إلا الحنفيةُ، والأثرُ الواردُ هو في الرعافِ، وليس حدثاً، وغسلُهُ من بابِ قطعِ الأذى؛ حتى لا يُلَوِّثَ المسجدَ، لا من بابِ انتقاضِ الطهارةِ، وقد سبقَ تحريرُ الخلافِ فيما سبقَ، وللهِ الحمدُ.

دليلُ من قال: إذا تذكرَ الإمامُ حدثَهُ في الصلاةِ فسدتْ صلاةُ من خلفَهُ:

استدلَّ أصحابُ هذا القولِ بأنَّ صلاةَ المأمومِ مرتبطةٌ بصلاةِ الإمامِ، فإذا فسدتْ صلاةُ الإمامِ فسدتْ صلاةُ المأمومِ، وقد ذكرنا أدلتَهم في المسألةِ السابقةِ، فأغنى ذلك عن إعادتِها هنا، فارجعْ إليها غيرَ مأمورٍ.

الراجحُ:

أنَّ الإمامَ إذا تذكرَ حدثَهُ فسدتْ صلاتُهُ، ولم تفسدْ صلاةُ المأمومِ، فللمأمومِ البناءُ على ما صلى، ولهُ الاستخلافُ، واللهُ أعلمُ.


البندُ الثاني: أن يتذكرَ الإمامُ أنهُ مُحْدِثٌ ويَتَمَادَى في الصلاةِ

📌 المدخلُ إلى المسألةِ:

الأصلُ في المسلمِ العدالةُ.
الأصلُ في صلاةِ الإمامِ الصحةُ حتى يَتَبَيَّنَ خلافُ ذلك.
إذا لم يعلمِ المأمومُ حالَ إمامِهِ؛ فهو معذورٌ بالجهلِ، فلم يُكَلِّفْهُ اللهُ علمَ ما غابَ عنهُ.
الجهلُ بحالِ الإمامِ عذرٌ للمأمومِ إذا صلى خلفَ إمامٍ مُحْدِثٍ، سواءٌ أكان ناسياً حدثَهُ حتى فرغَ من الصلاةِ، أم تذكرَ حدثَهُ في أثناءِ الصلاةِ، فَتَمَادَى فيها حياءً، فـالعلةُ واحدةٌ.
فرقٌ بين جهلِ المصلي بحدثِ إمامِهِ، وبين جهلِهِ بحدثِ نفسِهِ، فالأولُ لا يُكَلَّفُ المأمومُ معرفتَهُ؛ لأنَّ الأصلَ في المسلمِ أنهُ لا يصلي إلا مُتَطَهِّراً، بخلافِ حدثِ نفسِهِ، فإذا صلى جاهلاً بهِ لم تصحَّ صلاتُهُ إذا علمَ؛ لأنهُ مَنْسُوبٌ فيهِ إلى التفريطِ، وقياسُ أحدهما على الآخرِ قياسٌ مع الفارقِ.
المأمومُ قد أُذِنَ لهُ شرعاً الاقتداءُ بالإمامِ، وما ترتبَ على الْمَأْذُونِ فغيرُ مَضْمُونٍ.
لا يُكَلَّفُ المأمومُ صحةَ صلاةِ إمامِهِ، بل هي أثرٌ نَاشِئٌ عن فعلِ المصلي وحدَهُ إماماً أو مأموماً.

إذا تذكرَ الإمامُ في صلاتِهِ أنهُ مُحْدِثٌ، وتَمَادَى في صلاتِهِ:

فـقِيلَ: تبطلُ صلاتُهُ وصلاةُ من خلفَهُ.

وهو مذهبُ الجمهورِ، وقولٌ في مذهبِ الشافعيةِ[68].

وجهُهُ:

بأنهُ أفسدَ الإمامُ عليهم، حيث صلى بهم، وهو يعلمُ أنَّ صلاتَهُ باطلةٌ.

وَقِيلَ: صلاةُ القومِ جائزةٌ إذا لم يعلموا حدثَهُ.

وهو قولُ أشهبَ وابنِ نافعٍ من المالكيةِ، والإمامِ الشافعيِّ[69].

وجهُ القولِ بـالصحةِ:

لا فرقَ بين مأمومٍ صلى مع الإمامِ ناسياً حدثَهُ، ولم يتذكرِ الإمامُ حتى فرغَ من الصلاةِ، فتكونُ صلاتُهُ على الصحةِ، وبين مأمومٍ صلى مع الإمامِ وقد تذكرَ الإمامُ حدثَهُ في الصلاةِ، فَتَمَادَى فيها حياءً، ولم يعلمِ المأمومُ حالَ إمامِهِ حتى فرغَ من الصلاةِ؛ لأنَّ العذرَ في الحالينِ هو الجهلُ بحالِ الإمامِ، فلم يُكَلِّفْهُمُ اللهُ علمَ ما غابَ عنهم، وقد صلوا خلفَ رجلٍ مسلمٍ، والأصلُ في الصلاةِ الصحةُ، وفي الإمامِ العدالةُ، وإنما تفسدُ صلاتُهم إذا علموا أنَّ إمامَهم على غيرِ طهارةٍ، فَتَمَادَوْا خلفَهُ، فقد أفسدوا صلاتَهم.

الراجحُ:

إذا تَمَادَى الإمامُ في الصلاةِ بعدَ أن تذكرَ أنهُ مُحْدِثٌ، فقد ولجَ في الإثمِ، حيث صلى بالناسِ، وهو مُحْدِثٌ، وصلاةُ المأمومِ على الصحةِ، فإن علمَ قبلَ الفراغِ من الصلاةِ بنى على ما صلاهُ معهُ، وأتمَّ وحدَهُ بقيةَ صلاتِهِ، وإن لم يعلمْ حتى فرغَ من الصلاةِ فصلاتُهُ صحيحةٌ، واللهُ أعلمُ.


المطلبُ الثاني: في بطلانِ صلاةِ المأمومِ إذا سَبَقَ الإمامَ الحدثُ

📌 المدخلُ إلى المسألةِ:

خطأُ المأمومِ لا يؤثرُ على صلاةِ الإمامِ بالاتفاقِ، فخطأُ الإمامِ لا يؤثرُ على صلاةِ المأمومِ كذلك، فـلكُلٍّ صلاتُهُ.
كلُّ صلاةٍ بطلت على الإمامِ لم تبطلْ على المأمومِ إلا أن يعلمَ ببطلانِ صلاتِهِ ويَتَمَادَى في الاقتداءِ بهِ.
جاءَ الدليلُ على صحةِ الصلاةِ بإمامينِ كما في حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ في الصحيحينِ، وهو دليلٌ على صحةِ الاستخلافِ مع بقاءِ صلاةِ الإمامِ.
جاءَ الأثرُ عن عمرَ باستخلافِ ابنِ عوفٍ حينما طُعِنَ، وهو دليلٌ على صحةِ الاستخلافِ مع بطلانِ صلاةِ الإمامِ، وكان مشهوداً ولم يُنْكَرْ.
كلُّ اختلافٍ بين الإمامِ والمأمومِ لا يترتبُ عليهِ اختلافٌ في الأفعالِ لا يخلُّ بالائتمامِ، كـاختلافِهما في النيةِ بأن يصليَ مُفْتَرِضٌ خلفَ مُتَنَفِّلٍ، أو مقيمٌ خلفَ مسافرٍ.
صلاةُ المأمومِ مرتبطةٌ بصلاةِ الإمامِ في وجوبِ متابعتِهِ، وعدمِ الاختلافِ عليهِ في أفعالِهِ.
بطلانُ صلاةِ الإمامِ يمنعُ من الاقتداءِ بهِ إذا علمَ المأمومُ، ولا يُبْطِلُ صلاةَ المأمومِ.
يتبعُ المأمومُ إمامَهُ في أفعالِهِ، فيجلسُ المسبوقُ لجلوسِ إمامِهِ، ولو في غيرِ موضعِ جلوسِ المأمومِ.
يَحْمِلُ الإمامُ عن المأمومِ السهوَ، والقراءةَ على الصحيحِ.
إذا قامَ الإمامُ إلى خامسةٍ ولم يرجعْ وجبَ على المأمومِ مفارقتُهُ، ولم تبطلْ صلاتُهُ، فكذلك إذا بطلتْ صلاةُ الإمامِ بأيِّ مفسدٍ وجبتْ مفارقتُهُ، ولم تبطلْ صلاةُ المأمومِ.

إذا سَبَقَ الإمامَ الحدثُ في الصلاةِ، فهل تبطلُ صلاةُ المأمومِ؟

أما من قال: لا تبطلُ صلاةُ الإمامِ إذا سبقَهُ الحدثُ، بل يتطهرُ ويبني على ما مضى من صلاتِهِ. 

فالمأمومُ كذلك؛ لأنهُ تبعٌ لهُ. 

وهو مذهبُ الحنفيةِ، والقولُ القديمُ لـالشافعيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ[70]

وسبقَ لنا الخلافُ في هذهِ المسألةِ.

وأما من قال: تبطلُ صلاةُ الإمامِ.

كـالمالكيةِ، والشافعيِّ في الجديدِ، والحنابلةِ في المعتمدِ. 

فهؤلاءِ اختلفوا في بطلانِ صلاةِ المأمومِ.

فـقِيلَ: لا تبطلُ.

وهو مذهبُ المالكيةِ، والشافعيةِ، وروايةٌ عن أحمدَ[71].

قال الدرديرُ:
«كلُّ صلاةٍ بطلت على الإمامِ بطلت على المأمومِ إلا في سبقِ الحدثِ، أو نسيانِهِ …»[72].

وقال النوويُّ في «المجموعِ»:
«قال أصحابُنا: إذا خرجَ الإمامُ عن الصلاةِ بحدثٍ تعمدَهُ، أو سبقَهُ، أو نسيهُ، أو بسببٍ آخرَ، أو بلا سببٍ، ففي جوازِ الاستخلافِ قولانِ مشهورانِ: الصحيحُ الجديدُ: جوازُهُ»[73].

وَقِيلَ: تبطلُ.

وهو قولُ الشافعيِّ في القديمِ، والصحيحُ من مذهبِ الحنابلةِ[74].

قال في «الإنصافِ»:
«اعلمْ أنَّ الإمامَ إذا سبقَهُ الحدثُ تبطلُ صلاتُهُ على الصحيحِ من المذهبِ كتعمدِهِ …. وأما المأمومُ فـتبطلُ صلاتُهُ على الصحيحِ من المذهبِ»[75].

وأدلةُ هذهِ المسألةِ هي نفسُها أدلةُ مسألةِ: (إذا تذكرَ الإمامُ حدثَهُ أثناءَ الصلاةِ)، فارجعْ إليها إن شئتَ.

الحواشي والمراجع

[1] «شرح معاني الآثار» (1/411).

[2] جاء في «التاج والإكليل» نقلًا من «المدونة» (2/417):
«إذا صلى الجنب بالقوم، ولم يعلم، ثم تذكر، وهو في الصلاة استخلف، وإن لم يذكر حتى فرغ من الصلاة فصلاة من خلفه تامة، ويعيد هو وحده، وإن صلى بهم ذاكرًا للجنابة فصلاتهم كلهم فاسدة».

وانظر: «الاستذكار» (1/289)، «الدر الثمين والمورد المعين» (ص: 376)، «المجموع» (4/259)، «مسائل أحمد» رواية أبي الفضل (1247، 1248)، «الهداية» على مذهب الإمام أحمد (ص: 99)، «الكافي» لـابن قدامة (1/294)، «المبدع» (1/294، 374)، «المغني» (2/73).

[3] «المغني» لـابن قدامة (2/73).

[4] «المبسوط» (1/180)، «شرح الزركشي على الخرقي» (2/48)، «فتح الباري» لـابن رجب (5/435).

[5] «القواعد والفوائد الأصولية» (ص: 123).

[6] «صحيح البخاري» (694).

[7] «فتح الباري» لـابن حجر (2/188).

[8] «القواعد النورانية» (ص: 123)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (23/372).

[9] «فتح الباري» لـابن حجر (2/188).

[10] «المسند» (4/201).

[11] الحديث رواه عبد الرحمن بن حرملة المدني أحد شيوخ مالك، روى عنه في «الموطأ»، وهو مدني ومالك من أعلم الناس بأهلها، ولا شك أن ذلك يرفع من شأنه، وقد وثقه قوم، وضعفه آخرون من أجل حفظه، وحكى عنه ابن معين أنه

قال: كنت لا أحفظ فرخص لي سعيد بن المسيب في الكتاب، وقد تابعه عبد الله بن عامر الأسلمي [ضعيف]، كلاهما عن أبي علي ثمامة بن شفي الهمداني، عن عقبة بن عامر، فالحديث حسن، ومتابعة ابن عامر تزيده قوة.

أما رواية عبد الرحمن بن حرملة المدني:

فرواها علي بن عاصم [ضعيف]، في «مسند أحمد» (4/201)، و«مسند عقبة بن عامر» (12) لـالقاسم بن قطلوبغا الحنفي (12).

وإسماعيل بن عياش الحمصي [ضعيف فيما رواه عن غير أهل بلده] في «مسند الإمام أحمد» (4/145)، و«صحيح ابن خزيمة» مقرونًا بغيره (1513)، و«مسند عقبة بن عامر» (7)، لـالقاسم بن قطلوبغا الحنفي.

وعبد العزيز بن أبي حازم [من رجال الشيخين] كما في «سنن ابن ماجه» (983)،

وزهير بن محمد [صدوق] في «مسند أبي يعلى» (1761)،

ووهيب بن خالد، [ثقة] في «المعجم الكبير» لـالطبراني (17/329) ح 910، و«صحيح ابن خزيمة» (1513)، و«مستدرك الحاكم» (772)،

وسليمان بن بلال [ثقة] في «المعجم الكبير» لـالطبراني (17/329) ح 909.

ورواه يحيى بن أيوب المصري الغافقي، واختلف عليه فيه:

فرواه عبد الله بن وهب كما في «جامعه» (382)، و«موطئه» (380)، و«سنن أبي داود» (580)، و«مشكل الآثار» (2196)، و«صحيح ابن خزيمة» (1513)، وعنه ابن حبان (2221)، وفي «مستدرك الحاكم» (759)، وفي «الأوسط» لـابن المنذر (4/163).

وسعيد بن أبي مريم، كما في «المعرفة والتاريخ» لـيعقوب الفسوي (2/501)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (17/329) ح 910، و«مستخرج الحاكم» (759)، و«سنن البيهقي» (3/181)، كلاهما روياه عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي علي الهمداني، عن عقبة بن عامر، كرواية الجماعة، عن عبد الرحمن بن حرملة.

وخالفهما سعيد بن كثير بن عفير [صدوق] كما في «مشكل الآثار» لـالطحاوي (2197)، فرواه عن يحيى بن أيوب، عن حرملة بن عمران، عن أبي علي الهمداني، عن عقبة.

فأخطأ في حرملة، حيث جعله حرملة بن عمران بن قراد أبو حفص المصري، وإنما هو حرملة بن عبد الرحمن بن عمرو المدني، ولا يعرف لـحرملة بن عمران رواية عن أبي علي الهمداني.

وابن أبي مريم وابن وهب مقدمان على سعيد بن كثير، كيف وقد تابعهما جماعة من الرواة رووه عن حرملة كما بينت.

وأما رواية عبد الله بن عامر الأسلمي:

فرواه فرج بن فضالة، واختلف عليه:

فرواه أبو داود الطيالسي (1097) حدثنا فرج بن فضالة، عن رجل، عن أبي علي، عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-.

ورواه أبو النضر: هاشم بن القاسم، كما في «مسند أحمد» (4/154)،

وأسد بن موسى كما في «ناسخ الحديث» لـابن شاهين (223)، حدثنا الفرج، حدثنا عبد الله ابن عامر الأسلمي، عن أبي علي المصري، قال: سافرنا مع عقبة بن عامر الجهني، فحضرتنا الصلاة، فأردنا أن يتقدمنا، قال: قلنا: أنت من أصحاب رسول الله ﷺ، ولا تتقدمنا، قال: إني سمعت يقول: «من أم قومًا، فإن أتم، فله التمام، ولهم التمام، وإن لم يتم، فلهم التمام، وعليه الإثم».

ورواه أبو نعيم الفضل بن دكين كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (17/329) ح 907، و«مسند الروياني» (153، 274)،

وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (17/329) ح 908، كلاهما عن عبد الله بن عمر الأسلمي، عن أبي علي الهمداني به.

وهذا إسناد ضعيف، إلا أنه متابعة جيدة لـحرملة بن عبد الرحمن المدني.

قال الحاكم (759):
«هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه»،

وقال أيضًا (772):
«هذا حديث صحيح؛ فقد احتج مسلم بـعبد الرحمن بن حرملة، واحتج البخاري بـيحيى بن أيوب، ثم لم يخرجاه».

وليس على شرط أي واحد منهما فـابن حرملة لم يخرج له البخاري مطلقًا، وأورد له مسلم حديثًا واحدًا في المتابعات.

ويحيى بن أيوب احتج به مسلم، وروى له البخاري في الاستشهاد عدة أحاديث من روايته عن حميد الطويل، ماله عنده غيرها، سوى حديثه عن يزيد بن أبي حبيب في صفة الصلاة بمتابعة الليث وغيره. انظر: «المدخل إلى الصحيح» لـالحاكم (2237)، و«هدي الساري» (ص: 451).

هكذا رواه ابن حرملة وعبد الله بن عامر، عن أبي علي الهمداني، عن عقبة.

وخالفهم محمد بن عبد الرحمن بن القارة كما في «التاريخ الكبير» (474)، عن أبي علي الهمداني، سمع قبيصة بن ذؤيب، عن النبي ﷺ قال: «من أمَّ قومًا فكانت صلاته تامة فله ولهم».

وفي موضع آخر في «التاريخ الكبير» (764)، سمع قبيصة بن ذؤيب، قال: بلغني عن النبي ﷺ.

رواه البخاري في «التاريخ الكبير» (474، 764) من طريق حيوة، عن محمد بن مخلد الحضرمي، عن ابن القارة به، وهو منكر.

محمد بن مخلد: مجهول، ذكره ابن حبان في «الثقات» (9/54)،

وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (8/93):
لا أعرفه.

وابن قارة: لم يرو عنه إلا محمد بن مخلد، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقد سكت عليه البخاري في «التاريخ الكبير» (1/160)، و«الجرح والتعديل» (7/319).

[12] «سنن الدارقطني» (1366).

[13] له أكثر من علة:

العلة الأولى

أن مداره على بقية بن الوليد، وهو متهم بتدليس التسوية، وقد اختلف عليه:

فرواه أبو عتبة أحمد بن الفرج بن سليمان الحمصي، كما في «سنن الدارقطني» (1366)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/559)، وفي «الخلافيات» (2382)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (47/322)،

وإسحاق بن راهويه كما في «سنن الدارقطني» (1367)، كلاهما عن بقية بن الوليد عن عيسى بن عبد الله الأنصاري، عن جويبر به.

وخالفهما جحدر بن الحارث كما في «سنن الدارقطني» (1368)، و«التحقيق» لـابن الجوزي (1/487)، فرواه عن بقية، عن عيسى بن إبراهيم، عن جويبر به.

فكان بقية مرة يقول: عيسى بن عبد الله، وفي رواية كان يقول: عيسى بن إبراهيم، وهو ابن طهمان رجل متروك.

العلة الثانية

أن في إسناده جويبر بن سعيد.

قال النسائي والدارقطني:
متروك الحديث. انظر:«الضعفاء والمتروكون» لـالدارقطني (147)، «ميزان الاعتدال» (1/427).

العلة الثالثة

الضحاك لم يلق البراء. انظر: «جامع التحصيل» (199).

قال البيهقي: هذا غير قوي.

وقال ابن الجوزيبقية مدلس، وعيسى ضعيف، وجويبر متروك، والضحاك لم يلق البراء.

وقال ابن عبد الهادي في «التنقيح» (2/502): عيسى بن عبد الله الأنصاريُّ:

قال ابن عَدِيٍّ: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وروى هذا الحديث في ترجمته، ولم يذكر جويبرًا في الإسناد.

[14] «مصنف عبد الرزاق» (3644).

[15] رواه عن عمر جماعة، يزيد بعضهم على بعض.

الأول: زييد بن الصلت، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

رواه مالك في «الموطأ»، رواية أبي مصعب الزهري (134)، ومن طريق أبي مصعب رواه البغوي في «شرح السنة» (855).

وسويد بن سعيد الحدثان كما في «موطئه» (ص: 68).

وعبد الله بن وهب كما في «شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/52، 411)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (1/263).

وعبد الله بن مسلمة القعنبي كما في «موطئه» (ص: 119).

والإمام الشافعي، كما في «مسنده» (ص: 18)، ومن طريقه البيهقي في «الخلافيات» (2370)، و«معرفة السنن» (1/471).

وعبد الرزاق كما في «المصنف» (3644)،

وإسماعيل القاضي كما في «مسند حديث مالك» له (40).

ويحيى بن بكير كما في «السنن الكبرى» لـالبيهقي (1/263)، كلهم رووه عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زييد بن الصلت.

خالفهم يحيى بن يحيى الليثي كما في موطأ مالك تحقيق عبد الباقي (1/49)، فرواه عن مالك، عن هشام بن عروة، عن زييد بن الصلت به، بإسقاط عروة بن الزبير، ورواية الجماعة هي المحفوظة.

وزييد تصغير زيد وهو أخو كثير بن الصلت، روى عنه عروة بن الزبير، والزهري، وعبد الله ابن إبراهيم بن قارظ، ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (1496)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/622)، ولم يذكرا فيه شيئًا، وقد ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وروى له مالك في «الموطأ»، ومالك من أعلم الناس بأهل المدينة، وابنه الصلت بن زييد شيخ لـمالك، وقد وثقه يحيى بن معين كما في «الجرح والتعديل» (3/622).

وتابع مالكًا جماعة رووه عن هشام بن عروة، منهم:

وكيع، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (901، 3971، 36482)،

وزائدة بن قدامة، كما في «شرح معاني الآثار» (1/411)،

وأنس بن عياض، كما في «السنن الكبرى» لـالبيهقي (1/595)، كلهم رووه عن هشام به، بنحوه.

ورواه معمر كما في «مصنف عبد الرزاق» (3645) عن هشام عن أبيه نحوه، إلا أنه قال: أعاد الصلاة، ولم يبلغنا أن الناس أعادوا.

وظاهر الإسناد إسقاط زييد بن الصلت، إن لم يقصد عبد الرزاق أنه بالإسناد السابق.

وقد رواه عن عمر غير زييد بن الصلت، من ذلك:

الطريق الثاني: رواه سليمان بن يسار من طرق ثلاثة:

فقيل:

عن سليمان بن يسار، عن الشريد بن سويد الثقفي، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

وتابعه ابن المنكدر، وعيسى بن طلحة.

وقيل:

عن سليمان بن يسار، عن رجل عن عمر -رضي الله عنه-.

وقيل:

سليمان بن يسار، عن عمر، ولم يسمع من عمر -رضي الله عنه-.

وإليك تفصيل ما سبق:

رواها أيوب واختلف عليه،

فرواه عبد الرزاق كما في «المصنف» (1447)، عن أيوب، عن نافع، عن سليمان بن يسار، حدثني من كان مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في سفر وليس معه ماء فأصابته جنابة فقال: «أترونا لو رفعنا ندرك الماء قبل طلوع الشمس؟» فاغتسل عمر، وأخذ يغسل ما أصاب ثوبه من الجنابة فقال له عمرو بن العاص -أو المغيرة-: «يا أمير المؤمنين، لو صليت في هذا الثوب؟» فقال: «يا ابن عمرو -أو المغيرةأتريد أن لا أصلي في ثوب أصابته جنابة؟» فيقال: إن عمر لم يصل في ثوب أصابته جنابة، لا بل أغسل ما رأيت، وأرش ما لم أر.

وهو حديث غريب من حديث نافع.

ورواه معمر كما في «مصنف عبد الرزاق» (932)،

وابن عيينة كما في «المصنف» (933) كلاهما (معمر وابن عيينة)، عن أيوب، عن سليمان بن يسار، حدثنا من كان مع عمر في سفر فأصابته جنابة وليس معه ماء … فذكر نحوه.

وفي هذا الإسناد رجل مبهم، كما أن أيوب يرويه عن سليمان بن يسار دون واسطة.

والاختلاف الثالث على أيوب:

رواه عبد الرزاق في «المصنف» (3646) عن معمر، عن أيوب، عن سليمان بن يسار قال: حدثني الشريد قال: وكنت أنا وعمر بن الخطاب جالسين بيننا جدول قال: فرأى عمر في ثوبه جنابة، فقال: «فرط علينا الاحتلام، منذ أكلنا هذا الدسم، ثم غسل ما رأى في ثوبه، واغتسل وأعاد الصلاة.»

وهذا الاختلاف على أيوب كله جاء من رواية معمر عنه، ورواية معمر عن أهل البصرة متكلم فيها، وقد يكون الرجل المبهم في الرواية الأولى هو الشريد الثقفي، والاختلاف في لفظه الحمل فيه على معمر كما ذكرت لك ما فيها، إلا أنه قد توبع في إسناده على ذكر الشريد الثقفي من طريق آخر.

تابعه عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، كما في «سنن الدارقطني» (1371)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/558)، وفي «معرفة السنن» (3/348)، عن ابن المنكدر، عن الشريد الثقفي، أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- صلى بالناس وهو جنب، فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا.

وهذا إسناد صحيح، والشريد الثقفي له صحبة -رضي الله عنه-.

ورواه ابن المنذر في «الأوسط» (4/212) من طريق أسامة، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، عن عيسى بن طلحة، عن الشريد، أن عمر بن الخطاب، صلى بالناس الصبح بالمدينة، ثم خرج إلى الجرف فذهب يغتسل فرأى في فخذيه احتلامًا،

فقال: «ما لي أراني إلا قد صليت بالناس وأنا جنب، فاغتسل ثم أعاد الصلاة.»

وأسامة بن زيد الليثي صدوق يهم كثيرًا، وما يخشى من أوهامه قد زال بالمتابعة.

ومحمد بن عمرو حسن الحديث إلا ما تفرد به عن أبي سلمة، وهذا ليس منها.

وباقي الإسناد رجاله ثقات، وفي هذا متابعة جيدة لطريق سليمان بن يسار، وابن المنكدر، عن الشريد الثقفي.

هذا ما يتعلق برواية سليمان عن رجل، عن عمر.

وبرواية سليمان بن يسار، عن الشريد، عن عمر.
وأما رواية سليمان بن يسار، عن عمر -رضي الله عنه-.

فرواه إسماعيل بن أبي حكيم كما في موطأ مالك رواية يحيى (1/49)، ورواية محمد بن الحسن في (283) ورواية أبي مصعب الزهري (135).

ويحيى بن سعيد الأنصاري كما في موطأ مالك رواية يحيى بن يحيى (1/49)، رواية أبي مصعب الزهري (136)، ومن طريقه البيهقي في «السنن» (1/263)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (3972)، كلاهما (يحيى بن سعيد وإسماعيل بن أبي حكيم) عن سليمان بن يسار، أن عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- صلى بالناس الصبح، ثم غدا إلى أرضه بالجرف، فوجد في ثوبه احتلامًا،

فقال:
«إنا لما أصبنا الودك لانت العروق، فاغتسل، وغسل الاحتلام من ثوبه، وعاد لصلاته.» هذا لفظ يحيى بن سعيد، ولفظ إسماعيل بنحوه.

وسليمان بن يسار لم يسمعه من عمر، انظر: «جامع التحصيل» (190).

الطريق الثالث: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عمر.

روى مالك في «الموطأ» (1/50)، وابن جريج كما في «الأوسط» لـابن المنذر (2/161)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر بن الخطاب عرس ببعض الطريق، قريبًا من بعض المياه، فاحتلم عمر، وقد كاد أن يصبح، فلم يجد مع الركب ماءً. فركب، حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام، حتى أسفر.

فقال له عمرو بن العاص«أصبحت، ومعنا ثياب، فدع ثوبك يغسل،» فقال عمر بن الخطاب«واعجبًا لك يا عمرو بن العاص، لئن كنت تجد ثيابًا أفكل الناس يجد ثيابًا؟ والله لو فعلتها لكانت سنة. بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما لم أر» 

هذا لفظ مالك.

ويحيى بن عبد الرحمن لم يسمعه من عمر، جاء في «جامع التحصيل» (878):

قال ابن معين: بعضهم يقول سمع من عمر، وهذا باطل إنما يروي عن أبيه، عن عمر -رضي الله عنه-.

ورواه عبد الرزاق في «المصنف» (935)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (2/62)، عن معمر، وابن جريج.

ورواه عبد الرزاق في «المصنف» (1446)، ومن طريقه ابن المنذر (2/157) في «الأوسط» عن معمر وحده، كلاهما (معمر وابن جريج) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن عمر.

وهذا متصل، وعبد الرحمن بن حاطب:

قال الحافظ في «التقريب»: له رؤية، وعدوه في كبار ثقات التابعين.

ولم ينفرد فيه هشام بن عروة، بل تابعه الزهري.

فقد رواه عبد الرزاق في «المصنف» (1448)، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص، فعرَّس قريبًا من بعض المياه، فاحتلم … وذكر الأثر.

الطريق الرابع: الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

روى ابن المنذر في «الأوسط» (4/212)، قال: حدثنا علان بن المغيرة، قال: ثنا عمرو بن الربيع، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن عمر، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، قال: كنت مع عمر بن الخطاب بين مكة والمدينة فصلى بنا، ثم انصرف فرأى في ثوبه احتلامًا، فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه، وأعاد الصلاة ولم نعد صلاتنا.

غريب من حديث عبيد الله بن عمر، انفرد به يحيى بن أيوب الغافقي المصري عنه، ولا يحتمل تفرده.

[16] «التمهيد» (1/181)، و«الاستذكار» (1/289).

[17] «التمهيد» (1/184).

[18] «التمهيد» لـابن عبد البر (1/182).

[19] رواه أبو بكر الأثرم عن الإمام أحمد نقلًا من «التمهيد» (1/182)، و«الاستذكار» (1/289)، وابن المنذر في «الأوسط» (4/212) من طريق سعيد،

ورواه الإمام أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» رواية عبد الله (1728)، والدارقطني في «السنن» (1372)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/558)، وفي «الخلافيات» (2372) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ثلاثتهم (الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، وابن مهدي) رووه عن هشيم، عن خالد بن سلمة المخزومي،

قال:
حدثني محمد بن عمرو بن الحارث بن المصطلق، عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.

لم يروه عن عثمان إلا محمد بن عمرو بن الحارث، قد ذكره ابن حبان في «الثقات» (7/368)، وذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (1/190) وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/29)، فلم يذكرا فيه جرحًا، ولا تعديلًا، وأحاديثه قليلة جدًّا، رواها عنه خالد بن سلمة، وشاركه المسعودي في أثر رواه عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، كما روى عنه الحجاج بن أرطاة فيما ذكره أبو حاتم الرازي في «الجرح والتعديل»، ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب التسعة.

وقد روى البخاري في «التاريخ الكبير» (1/190):
من طريق إبراهيم النخعي، عن محمد بن الحارث -نسبه إلى جده- «سافرت مع ابن مسعود».

فإن صح هذا فإنه يكون قد أدرك عثمان؛ لأن ابن مسعود قد توفي قبل عثمان -رضي الله عنه-.

يعكر على هذا أن البخاري في الكتاب نفسه وفي الترجمة نفسها قد روى من طريق يزيد -يعني: الأودي– عن محمد بن عمرو بن الحارث، عن أبيه، «سافرت مع ابن مسعود، فلم ينزع ثلاثًا».

فهل كان هذا من الاختلاف، أم أن محمدًا وأباه قد سافر كل واحد منهما مع ابن مسعود؟

فيه احتمال، ولكل منهما مرجح.

فأما ما يرجح أن المسافر هو محمد بن عمرو بن الحارث:
أن من روى هذا عنه هو إبراهيم النخعي، وهو إمام من أئمة التابعين، بخلاف يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي، فلم يوثقه إلا العجلي وابن حبان.

ومما يرجح أن هذا من الاختلاف:

أن البخاري أورد هذا الاختلاف في ترجمة محمد بن عمرو، ولو أنه فرق هذا الأثر، فذكر ما يخص الابن في ترجمته، وما يخص الأب في ترجمته، لقوي احتمال أن يكون قد سافر الوالد والابن مع ابن مسعود، فإن صح أن محمدًا سافر مع ابن مسعود، فالإسناد حسن، وهو أقرب، وإلا كان منقطعًا، والله أعلم. وانظر: «الإيثار بمعرفة رواة الآثار» (ص: 166).

[20] «المصنف» (4569).

[21] رواه ابن أبي شيبة (4569) حدثنا عبد الأعلى.

ورواه عبد الرزاق في «المصنف» (3650)، وفي «الأمالي في آثار الصحابة» (147)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (4/213)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/559).

ورواه الدارقطني في «السنن» (1373) ومن طريقه البيهقي في «الخلافيات» (2373)، من طريق سفيان الثوري، ثلاثتهم (عبد الرزاق، وعبد الأعلى، والثوري) عن معمر به.

قال البيهقي في «الخلافيات»:
رواته كلهم ثقات.

[22] «المصنف» (4575).

[23] ومن طريق حجاج رواه ابن المنذر في «الأوسط» (4/213).

وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، الأكثر على تضعيفه.

وفيه الحارث بن عبد الله الأعور،

قال الشعبي: كان كذابًا، وقال أيوب: كان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروي عن عليٍّ باطل، وقال ابن المدينيالحارث كذاب، وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، ولا ممن يحتج بحديثه. وقال النسائي: ليس بالقوي، وفي موضع آخر: ليس به بأس.

[24] «مسند أبي داود الطيالسي»، ط هجر (2526).

[25] سبق تخريجه في المجلد الأول (ح-21).

[26] «ناسخ الحديث ومنسوخه» (224).

[27] لم يروه عن أبي معاوية إلا الحسن بن صالح، ولا عنه إلا خلف بن رجاء، تفرد به ابنه محمد عنه، ومحمد بن خلف وابنه لم أقف على من ترجم لهم.

والحسن بن صالح روى عنه ثلاثة: السري بن عصام [ضعيف متهم بسرقة الحديث]، وقيس بن أنيف [فيه جهالة]، وخلف بن رجاء [مجهول]، ولم يوثقه أحد، فهؤلاء كلهم مجهولون، فأين أهل الكوفة لوكان هذا الحديث من حديث أبي معاوية الضرير، والله أعلم.

[28] «شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/411).

[29] رواه أبو سلمة، عن عمر، ولم يسمع منه، وفيه أن عمر ترك القراءة، ولم يَرَ بذلك بأسًا.

ورواه همام بن الحارث وزياد بن عياض وهذان لهما سماع من عمر -رضي الله عنه-، وقد رويا أن عمر أعاد، وفي رواية: أنهم أعادوا الصلاة.

ورواه الشعبي والنخعي عن عمر بـالإعادة أيضًا، وروايتهما منقطعة.

ورواه عبد الله بن حنظلة، عن عمر أنه ترك قراءة الفاتحة في الركعة الأولى، فقرأ الفاتحة مرتين في الركعة الثانية، وسجد للسهو.

فالذي يظهر أن هذه الطرق تجعل للقصة أصلًا، وإن كان الاختلاف بينها ظاهرًا، ففي بعضها أنه لم يَرَ بذلك بأسًا، وفي بعضها أنه أعاد، وفي أخرى أنهم أعادوا الصلاة، وفي بعضها: أنه عوض ذلك في الركعة الثانية، وسجد للسهو.

وإذا طرحنا التفرد -وأخذنا رواية الأكثر- تكون الإعادة هي الأرجح والله أعلم، وسبق تخريجه، انظر: المجلد الثامن (ث 316).

[30] «شرح معاني الآثار» (1/411).

[31] رواه عبد الرزاق في «المصنف» (3663).

ووكيع كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (4571)،

ومحمد بن الحسن الشيباني في «الآثار» (134)، ثلاثتهم عن إبراهيم بن يزيد به، وإبراهيم هو الخوزي رجل متروك.

وروى الدارقطني في «السنن» (1370)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/559) من طريق عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي -رضي الله عنه- أنه صلى بالقوم، وهو جنب، فـأعاد، ثم أمرهم فـأعادوا.

قال البيهقي:
فهذا إنما يرويه عمرو بن خالد أبو مخلد الواسطي، وهو متروك رماه الحفاظ بالكذب. اهـ

وساق البيهقي بإسناده عن محمد بن عمار، أنه سأل عنه وكيعًا، فقال: كان كذابًا، فلما عرفناه بالكذب تحول إلى مكان آخر، حدث عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي أنه صلى بهم، وهو على غير طهارة، فـأعاد وأمرهم بـالإعادة.

وقال سفيان الثوري كما في «الجرح والتعديل» (1/79):
يحدثون عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي: أنه صلى وهو على غير وضوء، قال: يعيد، ولا يعيدون.

 ما سمعت حبيبًا يحدث عن عاصم بن ضمرة حديثًا قط».

[32] «المصنف» (4568).

[33] ومن طريق أبي معاوية رواه الدارقطني في «السنن» (1369)، ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/559).

ورواه عبد الرزاق في «المصنف» (3660) عن إبراهيم بن محمد، عن رجل، عن أبي جابر البياضي به.

قال الدارقطني:
«هذا مرسل، وأبو جابر البياضي: متروك الحديث».

زاد البيهقي:
«كان مالك بن أنس لا يرتضيه، وكان يحيى بن معين يقول: «أبو جابر البياضي كذاب».

[34] «شرح معاني الآثار» (1/411).

[35] «الأوسط» لـابن المنذر (4/214، 215).

[36] «فتح الباري» لـابن رجب (5/433).

[37] فرق الحنفية بين الرجل يصلي، وهو محدث، أو يحدث متعمدًا وهو يصلي، فـتبطل صلاته، وإذا بطلت صلاته بطلت صلاة من خلفه، وبين الرجل يسبقه الحدث في الصلاة بلا تعمد، فلا تبطل صلاة الإمام؛ لعدم تعمده الحدث، فله أن يتوضأ ويبني على ما صلى، وإذا لم تبطل صلاة الإمام لم تبطل صلاة المأموم تبعًا.

انظر: «الحجة على أهل المدينة» (1/264)، «الأصل» لـالشيباني (1/184، 158)، «بداية المبتدي» (ص: 17)، «الهداية شرح البداية» (1/59)، «العناية شرح الهداية» (1/373)، «تبيين الحقائق» (1/144)، «فتح القدير» (1/373)، «كنز الدقائق» (ص: 168)، «المحيط البرهاني» (1/403)، «البحر الرائق» (1/388)، «بدائع الصنائع» (1/240)، «مراقي الفلاح» (ص: 113).

وانظر قول الشافعي في القديم: في «المجموع» (4/578)، «روضة الطالبين» (2/13)، «فتح العزيز» (4/554)، «مغني المحتاج» (1/568).

وانظر: مذهب الحنابلة: «الإقناع» (1/109)، «المبدع» (1/373)، «شرح منتهى الإرادات» (1/181)، «كشاف القناع» (1/321)، «مطالب أولي النهى» (1/410).

[38] «الإنصاف» (2/30).

[39] جاء في «المدونة» (1/138):
«قال مالك في الجنب يصلي بالقوم، وهو لا يعلم بجنابته، فيصلي بهم ركعة، أو ركعتين، أو ثلاثًا، ثم يذكر أنه جنب، قال: ينصرف، ويستخلف من يصلي بالقوم، ما بقي من الصلاة، وصلاة القوم خلفه تامة».

وانظر: «مختصر خليل» (ص: 42)، «الشرح الكبير» لـالدردير (1/350)، «التاج والإكليل» (2/479)، «تحبير المختصر» لـبهرام (1/450)، «شرح الخرشي» (2/49)، «لوامع الدرر» (2/543)، «ضوء الشموع» (1/472، 473)، «لوامع الدرر في هتك أستار المختصر» (2/543)، «مواهب الجليل» (2/135)، «الاستذكار» (1/289)، «المنتقى» لـالباجي (1/99).

وانظر: في مذهب الشافعي: «الأم» (1/194)، «المجموع» (4/578)، «تحفة المحتاج» (2/484)، «مغني المحتاج» (1/568)، «نهاية المحتاج» (2/347)، «روضة الطالبين» (2/13)، «فتح العزيز» (4/554)، «التهذيب» لـالبغوي (2/262)، «الإقناع» لـالماوردي (ص: 47).

وانظر: رواية الإمام أحمد في: «الإنصاف» (2/31)، «الفروع» (2/151)، «المبدع» (1/373).

[40] «الشرح الكبير» لـالدردير (1/350).

[41] «المجموع» (4/578).

[42] «روضة الطالبين» (2/12)، وانظر: «فتح العزيز» (4/554، 555).

[43] انظر: «الحاوي الكبير» (2/420)، «فتح العزيز» (4/554)، «تحرير الفتاوى» (1/388).

[44] «المسند» (2/448).

[45] انفرد أسامة بن زيد الليثي في ذكر أن ﷺ انصرف بعد أن كبر ودخل في الصلاة من مسند أبي هريرة.

وقد خالف أسامة بن زيد الإمام الزهري، حيث رواه الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وحديثه مخرج في «الصحيحين»: («أن ﷺ انصرف قبل أن يكبر»)، ولولا هذه المخالفة لاحتمل حديث أسامة بن زيد، وقد سبق تخريجه، انظر: (ح- 1008).

[46] «شرح مشكل الآثار» (624).

[47] سبق تخريجه، انظر: (ح -1010).

[48] «المسند» (5/45).

[49] تفرد به حماد بن سلمة عن زياد الأعلم،

قال يعقوب بن شيبة كما في «شرح علل الترمذي» (2/781):
«حماد بن سلمة ثقة، في حديثه اضطراب شديد، إلا عن شيوخ، فإنه حسن الحديث عنهم، متقن لحديثهم، مقدم على غيره فيهم، منهم ثابت البناني، وعمار بن أبي عمار».

وقد تغير حماد بآخرة، ولعل سبب ضعف حماد بن سلمة البصري في روايته عن زياد الأعلم بالرغم من كون زياد بصريًّا أن زيادًا كان حديثه قليلًا، فلم يتوجه حماد للاعتناء بما رواه عنه، وكل ما رواه حماد عنه لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

قال الحاكم كما في سؤالاته (320): قلت لـالدارقطني: زياد الأعلم، قال: هو قليل الحديث جدًّا، اشتهر بحديث («زادك الله حرصًا ولا تعد») وفيه إرسال؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة. انظر: تخريجه في ( ح-1009).

[50] «الموطأ» (1/48).

[51] سبق تخريجه ضمن تخريج (ح 1010).

[52] «سنن أبي داود» بإثر ح (234).

[53] سبق ضمن تخريج (ح 1010).

[54] «فتح الباري» (5/431).

[55] «البخاري» (142)، و«مسلم» (122-375).

[56] «شرح مشكل الآثار» (2/89)، «إكمال المعلم» (2/559).

[57] جاء في «فتح الباري» لـابن رجب (5/430):
«قال الحسن بن ثواب: قيل لـأبي عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل– وأنا أسمع: ﷺ حين أومأ إليهم: أن امكثوا، فدخل فتوضأ، ثم خرج، أكان كبر؟ فقال: يروى أنه كبر، وحديث أبي سلمة لما أخذ القوم أماكنهم من الصف، قال لهم: امكثوا، ثم خرج، فكبر.

قال ابن رجب:
فبين أحمد أن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة يدل على أنه لم يكن كبر، وأما قوله: (يروى أنه كبر) فيدل على أن ذلك قد روي، وأنه مخالف لحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأن حديث أبي سلمة أصح، وعليه العمل».

[58] «صحيح ابن حبان» (6/8)، «المجموع» (4/261)، «التوضيح شرح الجامع الصحيح» (4/609).

[59] «فتح القدير» (1/374).

[60] انظر بتصرف: «شرح مختصر الطحاوي» لـالجصاص (2/56).

[61] ذكره أبو داود بإثر ح (234)، ولم أقف عليه موصولًا من طريق أيوب وهشام.

[62] «الأم» (7/175).

[63] «صحيح ابن حبان» (6/6).

[64] «فتح الباري» لـابن رجب (5/434).

[65] «شرح البخاري» لـابن بطال (2/305).

[66] انظر: المرجع السابق (5/435).

[67] «صحيح البخاري» (6954)، و«صحيح مسلم» (2-225).

[68] أما الحنفية فقد ذهبوا إلى بطلان صلاة المأموم مطلقًا إذا صلى الإمام وهو محدث، تمادى أو لم يتماد، بل تبطل حتى ولو لم يتذكر الحدث إلا بعد الفراغ من الصلاة كما تقدم.

وكذلك تبطل على المعتمد من مذهب الحنابلة؛ لأنهم يقولون بـبطلان صلاة المأموم إذا تذكر الإمام الحدث، وهو يصلي، ولو لم يتماد، فمن باب أولى إذا تمادى.

وانظر: «الاستذكار» (1/290)، «التمهيد» (1/183)، «المسالك في شرح موطأ مالك» (2/211)، «المنتقى» لـالباجي (1/102)، «المجموع» (4/257)، «روضة الطالبين» (1/351)، «الشرح الكبير على المقنع» (2/55)، «الكافي» لـابن قدامة (1/294)، «المغني» (2/74)، «حاشية الروض» (2/317، 319).

[69] قال النووي في «المجموع» (4/256):
«وسواء كان الإمام عالمًا بحدث نفسه أم لا؛ لأنه لا تفريط من المأموم في الحالين هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور …. ولا يختلف مذهب الشافعي أن الإعادة لا تجب، وإن تعمد الإمام».

وقال الروياني في «بحر المذهب» (2/179):
«إذا صلى الرجل بقوم من غير طهارة، فعليه الإعادة جنبًا كان أو محدثًا، ‌عالمًا كان أو جاهلًا. وأما المأموم ينظر فيه: فإن كان ‌عالمًا ‌بحدثه لم تصح صلاته، وإن كان جاهلًا صحت صلاته، سواء كان الإمام جنبًا أو محدثًا، ‌عالمًا كان ‌بحدث نفسه أو جاهلًا، وسواء علم المأموم به بعد خروج وقت الصلاة، أو قبل خروجه، فإن جهل كل المأمومين صحت صلاتهم، وإن كانوا ‌عالمين بحاله لم تنعقد صلاتهم، وإن كان بعضهم ‌عالمًا، وبعضهم جاهلًا صحت صلاة الجاهل به».

وانظر قول أشهب وابن نافع في: «المنتقى» لـالباجي (1/102)، «شرح الزرقاني على الموطأ» (1/207).

[70] ذهب الحنفية إلى أن الإمام إذا سبقه الحدث، فله البناء على ما صلى، وله الاستئناف، هذا بالنسبة للإمام وإذا خرج من المسجد قبل أن يستخلف، أو أحدث متعمدًا قبل أن يصل الإمام الثاني مكانه بطلت صلاة المأموم، وإذا كانت الجماعة مكونة من رجلين فأحدث الإمام لم تبطل صلاة المأموم؛ لأنه لا يوجد له من يزاحمه على الاستخلاف، ولعدم الحاجة إلى تعيين الإمام في الاستخلاف، ومن باب أولى ألا تبطل صلاة الإمام إذا أحدث المأموم، وصار الإمام منفردًا،

انظر: «بداية المبتدي» (ص: 18)، «الهداية شرح البداية» (1/61)، «العناية شرح الهداية» (1/393)، «فتح القدير» (1/393، 394)، «الجامع الصغير مع شرحه النافع الكبير» (ص: 110)، «تبيين الحقائق» (1/154)، «البحر الرائق» (1/391، وما بعدها)، «الاختيار لتعليل المختار» (1/63)، «التجريد» لـالقدوري (2/619)، «الجوهرة النيرة على مختصر القدوري» (1/64)، «العناية شرح الهداية» (1/378)، «تحفة المحتاج» (2/118)، «المهذب» (1/164)، «المجموع» (4/75، 76)، «الحاوي الكبير» (2/184)، «مغني المحتاج» (1/400، 401)، «نهاية المحتاج» (2/14)، «نهاية المطلب» (2/196).

وانظر: الرواية عن الإمام أحمد: في «الإنصاف» (2/32)، «المبدع» (1/373)، «المغني» (2/76)، «الفروع» (2/152).

[71] «مختصر خليل» (ص: 42)، «الشرح الكبير» لـالدردير (1/350)، «التاج والإكليل» (2/479)، «تحبير المختصر» لـبهرام (1/450)، «شرح الخرشي» (2/49)، «لوامع الدرر» (2/543)، «ضوء الشموع» (1/472، 473)، «لوامع الدرر في هتك أستار المختصر» (2/543)، «مواهب الجليل» (2/135)، «الاستذكار» (1/289)، «المنتقى» لـالباجي (1/99).

وانظر: في مذهب الشافعي: «الأم» (1/194)، «المجموع» (4/578)، «تحفة المحتاج» (2/484)، «مغني المحتاج» (1/568)، «نهاية المحتاج» (2/347)، «روضة الطالبين» (2/13)، «فتح العزيز» (4/554)، «التهذيب» لـالبغوي (2/262)، «الإقناع» لـالماوردي (ص: 47).

وانظر: رواية الإمام أحمد في: «الإنصاف» (2/31)، «الفروع» (2/151)، «المبدع» (1/373).

[72] «الشرح الكبير» لـالدردير (1/350).

[73] «المجموع» (4/578).

[74] «المجموع» (4/578)، «تحفة المحتاج» (2/484)، «مغني المحتاج» (1/568)، «نهاية المحتاج» (2/347)، «روضة الطالبين» (2/13)، «فتح العزيز» (4/554).

وانظر في مذهب الحنابلة: «الإقناع» (1/109)، «المبدع» (1/373)، «شرح منتهى الإرادات» (1/181)، «كشاف القناع» (1/321)، «مطالب أولي النهى» (1/410).

[75] «الإنصاف» (2/32، 33).

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *