موقع الشيخ دبيان الدبيان

الموقع الرسمي للشيخ دبيان الدبيان يعنى بالبحوث الفقهية المؤصلة، والنوازل المستجدة، وتحريرها وفق الأصول الشرعية المنضبطة، تحريرًا فقهيًا حديثيًا أصوليًا مقاصديًا.

حكم اتخاذ السترة للإمام والمنفرد

📌 المدخل إلى المسألة

اتخاذ السترة في حق الإمام والمنفرد مجمع على مشروعيته.
كل حديث فيه الأمر بالسترة فهو معلٌّ.
مواظبة النبي ﷺ على فعلها حضرًا وسفرًا دليل على تأكد سنيتها، ولا ينهض ذلك دليلًا على الوجوب، كمواظبته على سنة الصبح والوتر.
لا يؤثر القول بوجوب السترة للصلاة في أقوال الصحابة، ولا في أقوال التابعين، ولا في أقوال تابعيهم، والأئمة الأربعة على الاستحباب إلا رواية عن أحمد، وهي خلاف المعتمد في مذهبه.
لا يلزم من ترك السترة قطع الصلاة حتى يقال: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لأن حديث أبي ذر رتب القطع على المرور وليس على ترك السترة.
قد يضع المصلي السترة، ويحصل المرور بينه وبين سترته، فالذي يمنع المرور، هو دفع المار ومنعه من المرور، وليس فعل السترة.
إذا قلنا: السترة مشروعة ولو أَمن المرور سقط القول بأن العلة في السترة منع قطع الصلاة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
على القول بوجوب السترة للصلاة، فإن تركها لا يبطل الصلاة؛ لكونه واجبًا لها، لا فيها كترك الأذان والجماعة على القول بوجوبهما.
سئل الإمام مالك عن موعظة الذي يصلي لغير سترة، قال: لا أدري ما واجب، ولكنه حسن، والعلماء مختلفون في ذلك، فمنهم من يقوَى على أن يعظ الناس، ومنهم من لا يقوَى على ذلك [1].
اختلف العلماء في حكم السترة في الصلاة
فقيل: تستحب مطلقًا، سواء أكان في الحضر أم في السفر، وسواء أخشي مارًا أم لا.

وهو قول مالك في «العتبية»، واختاره اللخمي، ورجحه ابن حبيب، وهو مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة[2].

قال في «الإقناع»:
وتسن صلاة غير مأموم إلى سترة، ولو لم يخش مارًّا[3].

وقال النووي في «الروضة»:
يستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترة من جدار، أو سارية، أو غيرهما … وإن كان في صحراء غرز عصا ونحوها[4].

فأطلق الاستحباب في المدينة والصحراء، فظاهره من غير فرق أَمِنَ المرور أم لا.

وقال في «المجموع»:
السنة للمصلي أن يكون بين يديه سترة[5].

والمصلي: عام يشمل من خاف مرورًا وغيره.

ولأن الشافعية ذكروا الحكمة من السترة، فقالوا:
قصر مسافة البصر عن تجاوز حدود السترة، ومنع من يجتاز بقربه[6].

ومقتضى ذلك:
أن السترة مشروعة مطلقًا؛ لأنه وإن أمن المرور لم يأمن انتشار البصر.

ثم وجدت نصًّا [صريحًا] عن ابن الملقن، يقول:
ولا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن من المرور بين يديه … وعند الشافعي مشروعة مطلقًا؛ لعموم الأحاديث؛ ولأنها تصون البصر[7].

وقيل: السترة سنة إذا كان يخشى المرور بين يديه.

وهو مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية، ونص عليه في «المدونة»، وبه قال ابن القاسم[8].

جاء في «الهداية»:
ولا بأس بترك السترة إذا أمن المرور ولم يواجه الطريق[9].

وجاء في «المدونة»:
قال مالك:
ومن كان في سفر فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة، وأما في الحضر فلا يصلي إلا إلى سترة.

قال ابن القاسم:
إلا أن يكون في الحضر بموضع يأمن أن يمر بين يديه أحد[10].

وقيل: تجب السترة مطلقًا.

خرَّجه محمد بن عبد السلام من المالكية من تأثيم المار إذا كان له مندوحة؛ إذ لا يأثم إلا بترك الواجب، وهو خلاف المشهور من المذهب، قال به أحمد في رواية وهو خلاف المعتمد من مذهبه، وبه قال ابن خزيمة وأبو عوانة من المحدثين[11].

وسبب الخلاف: اختلافهم في السترة. 
أجُعِلت السترة حريمًا للمصلي حتى يقف عندها البصر فلا يتعداها؟ أم هي لمنع المرور بين يديه؟

فعلى الأول: تستحب السترة مطلقًا.

وعلى الثاني: تستحب إن خشي مارًّا بين يديه. 

وهناك من نزع إلى القول بـوجوب السترة، لظاهر الأمر الشرعي بها، ومواظبة النبي ﷺ على فعلها.

قال ابن العربي:
اعلم أن السترة من محاسن الصلاة ومكملاتها، وفائدتها قبض الخواطر عن الانتشار، وكف البصر عن الاسترسال حتى يكون العبد مجتمعًا للمناجاة التي حضرها والتزمها، وبه قال عامة الفقهاء[12].

ونقله القرافي وزاد:
ولهذا السر شرع الصلاة إلى جهة واحدة مع الصمت، وترك الأفعال العادية، ومنع من الجري إليها وإن فاتت الجماعة وفضيلة الاقتداء، ومن إقامتها مع الجوع المبرح أو غيره من المشوشات إن أمكن استدراك ذلك قبل خروج الوقت تحصيلًا لأدب القلب مع الرب أعاننا الله على ذلك في سائر الأحوال بمنه وكرمه[13].

دليل من قال بوجوب السترة
الدليل الأول:

ما رواه ابن خزيمة، أخبرنا عبد الجبار بن العلاء، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن سهل بن أبي حثمة بلغ به النبي ﷺ: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته»[14].
[شاذ بهذا اللفظ، والمحفوظ من لفظه: إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها][15].

ويناقش:

ولا يفيد الأمر بالدنو من السترة وجوب الدنو منها فضلًا عن وجوب السترة.

لأن قوله: «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها» ومفهومه: جواز الصلاة إلى غير سترة لأنه لم يأمره بالدنو منها إلا في حال أنه صلى إليها، كقوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فليصلِّ ركعتين قبل أن يجلس» ليس أمرًا بالدخول إلى المسجد، ولهذا كانت تحية المسجد ليست واجبة في قول الأئمة الأربعة.

الدليل الثاني:

ما رواه ابن أبي شيبة في «المصنف»، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلى أحدكم فليصلِّ إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحدًا يمر بينه وبينها، فإن جاء أحدٌ يمر فليقاتله فإنه شيطان»[16].
[شاذ بهذا اللفظ، وحديث أبي سعيد في الصحيحين، وليس فيه الأمر بالصلاة إلى سترة، ولا الأمر بالدنو منها][17].

الدليل الثالث:

ما رواه الشيخان من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثم اتخذها الأمراء[18].

وجه الاستدلال من هذا الحديث من وجهين:

الوجه الأول: أن النبي ﷺ أمر بالحربة، والأصل في الأمر الوجوب.

ويناقش:

بأن أمر النبي ﷺ للخادم بوضع الحربة، ليس أمرًا للأمة باتخاذ السترة، من حيث دلالة هذه الصيغة على الوجوب، فهو أمر بحملها ووضعها، والحمل والوضع ليسا واجبين، وأما الصلاة إليها فهو مجرد فعل، وفعل النبي ﷺ لا يدل على الوجوب ما لم يكن بيانًا لمجمل واجب، وهذا ليس منه، وإنما يدل على مشروعية السترة، وهذا أمر لا نزاع فيه، ولهذا قال ابن رجب في «شرح البخاري»: «وفي الحديث: دليل على استحباب السترة للمصلي وإن كان في فضاء، وهو قول الأكثرين»[19].

الوجه الثاني:

في الحديث مواظبة النبي ﷺ على السترة حضرًا وسفرًا، في المدينة، وفي الصحراء، ولزوم الفعل من النبي ﷺ ومواظبته عليه تدل على الوجوب، كيف وقد قال النبي ﷺ لـمالك بن الحويرث: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث[20].

ويناقش من وجهين:

الوجه الأول:
أن مواظبة النبي ﷺ على الفعل دليل على أنه سنة مؤكدة، ولكن لا يدل ذلك وحده على الوجوب، فقد كان النبي ﷺ يواظب على سنن معلومة، لا يدعها لا حضرًا، ولا سفرًا، وليست واجبة، من ذلك سنة الصبح، والوتر.

الوجه الثاني:
أن الاستدلال بحديث: «صلوا كما رأيتموني أصلي» على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب فيه نظر كبير، وسبق لي أن بينت ذلك في صفة الصلاة، ذلك أن حديث مالك بن الحويرث إذا أخذ مفردًا بعيدًا عن سببه وسياقه فإنه يشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما رأوه يصلي، فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا بدليل، فتكون أفعاله في الصلاة بيانًا لهذا الأمر المجمل: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ومثله حديث: «لتأخذوا عني مناسككم»، وتكون الرؤية في الحديث يقصد بها الرؤية العلمية: أي صلوا كما عَلِمْتُمُوِني أصلي.

وإذا أخذنا حديث مالك بن الحويرث في سياق قدومه على النبي ﷺ وجلوسه عنده ما يقارب العشرين يومًا، وهو يصلي معه، فأمرهم النبي ﷺ حين منصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، كانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية.

ومن المعلوم: أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي ﷺ يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، فالاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة، غاية ما يفيده حديث «صلوا كما رأيتموني أصلي» على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ لأن الخطاب لـمالك بن الحويرث بالأصالة، وللأمة بالتبع، ولأن الأصل في أفعال النبي ﷺ المجردة الاستحباب، والله أعلم.

الدليل الرابع:

ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد -يعني ابن الحباب– أخبرني عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، قال: رسول الله ﷺ: «إذا صلى أحدكم فليستتر لصلاته، ولو بسهم»[21].
[ضعيف][22].

الدليل الخامس:

روى ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق أبي بكر يعني الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان، حدثني صدقة بن يسار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا تصل إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك، فإن أبى فلتقاتله؛ فإن معه القرين»[23].

[شاذ بهذا اللفظ، وحديث الضحاك بن عثمان في مسلم وليس فيه الأمر بالسترة][24].

الدليل السادس:

ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود». قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: «الكلب الأسود شيطان»[25].

وجه الاستدلال:
قالوا: إن السترة تحافظ على الصلاة من القطع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ونوقش هذا الاستدلال من أكثر من وجه:

الوجه الأول:

النزاع في مدلول القطع: أهو بطلان الصلاة أم نقصها؟
وعلى القول بأنه محمول على البطلان: أهو حكم تعبدي، أم معلل؟
وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أن الصلاة لا يقطعها شيء، وسيتوجه البحث لهذه المسألة في (مبطلات الصلاة) إن شاء الله.

الوجه الثاني:
على القول بأن مرور هذه الثلاثة يقطع الصلاة:
 فإن السترة لم تتعين كسبيل وحيد للمحافظة على الصلاة؛ فالمصلي قد يضع السترة، ويحصل المرور بينه وبين سترته، كما أن الشرع قد أذن للمصلي بمنع المار من المرور، حتى ولو أدى ذلك إلى دفعه بشدة، وهذا طريق للمحافظة على الصلاة بغير السترة، فلم تتعين السترة.

الوجه الثالث:
لا يلزم من ترك السترة قطع الصلاة حتى يقال: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فحديث أبي ذر: «إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود»، فلم يرتب القطع على ترك السترة بل على المرور، فإذا لم يمر بين يديه أحد هؤلاء الثلاثة فإن صلاته محفوظة عن القطع.
وعلى القول بأن السترة واجبة للصلاة:
فإن الإخلال بها لا يلزم منه بطلان صلاته.
فواجبات الصلاة قسمان: واجبات لها، وواجبات فيها.
• فما كان واجبًا فيها وترك عمدًا: فالصلاة تبطل بتركه، خاصة ما كان من الأركان والشروط.
• وما كان واجبًا لها وليس جزءًا منها كالأذان والجماعة على القول بـوجوبها: فالصلاة لا تبطل بتركه، ولو كان متعمدًا.
فلو قدرنا أن السترة واجبة للصلاة، ودفع المار واجب على المصلي، فإنها تعد من الواجبات لها، لا من الواجبات فيها، بدليل أنه لو صلَّى بلا سترة، ولم يقطع صلاته أحد كانت صلاته صحيحة، فلم تكن هذه جزءًا من حقيقة الصلاة، وسيأتي في مبطلات الصلاة مناقشة هذه المسألة بتوسع.

الدليل السابع:

ما رواه أبو يعلى في «مسنده» من طريق زائدة بن قدامة، عن سماك ابن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن النبي ﷺ: «ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل ثم يصلي»[26].
[تفرد به سماك، عن موسى بن طلحة، واختلف عليه في لفظه][27].

ويناقش:

بأن لفظ الأمر «ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل» هذا لفظ زائدة بن قدامة، عن سماك، وزائدة قديم السماع عن سماك، لكن خالفه الثوري في لفظه، كما خالفه عمر بن عبيد الطنافسي وأبو الأحوص وإسرائيل وغيرهم ممن رواه عن سماك. ولو اعتبرنا لفظ الأمر محفوظًا فقد تبين لك من جمع طرقه أن الأمر خرج جوابًا عن سؤال من بعض الصحابة، والأمر إذا كان جوابًا عن سؤال لا تدل صيغته على الوجوب.

الدليل الثامن: من الآثار.

ما رواه ابن أبي شيبة في «المصنف»، حدثنا محمد بن يزيد، عن أيوب أبي العلاء، عن معاوية بن قرة، عن أبيه: «رآني عمر وأنا أصلي بين أسطوانتين، فأخذ بقفائي، فأدناني إلى سترة، فقال: صلِّ إليها»[28].
[علقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم][29].

وينازع في دلالته على الوجوب:

فإن كان مأخوذًا من تحريك عمر -رضي الله عنه- لـقرة بن إياس ونقله من مكان صلاته إلى السترة، فليس كافيًا للجزم بـالوجوب، فالحركة مباحة لتحصيل المستحب، كالانتقال لسد فرجة في الصف، ولا يقال: إن التحرك لسد الفرجة أمارة على وجوب ذلك، وقد يعكس، فيقال: ترك الصحابي قرة بن إياس لـالسترة دليل على عدم ظهور وجوب السترة، فلو كانت السترة واجبة للصلاة لم يكن ذلك ليغيب عن الصحابي قرة بن إياس؛ لأن الصلاة وواجباتها كانت تفعل جماعة في المساجد خمس مرات في اليوم، ويتعلم الناس واجبات الصلاة، وسننها بشكل عملي، فما غاب عن علم الواحد منهم تلقاه من عصبة المسجد، والصلاة محل عناية الصحابة واهتمامهم، ينشأ عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، فلما ترك قرة بن إياس السترة كان ذلك أمارة على أنه كان معلومًا أن السترة ليست واجبة، وأما فعل عمر فكان معروفًا عنه حرصه على مكملات الصلاة، ولو كان قرة قد ترك واجبًا لقرعه عمر على تقصيره فيما مضى، والله أعلم.

الدليل التاسع:

كل الأحاديث التي ورد فيها صريحًا أن النبي ﷺ صلى إلى غير سترة لا يصح منها شيء، وما صح منها فليس بصريح.

ويناقش:

لو سلم هذا فغايته يدل على مواظبة النبي ﷺ على السترة، وهو يدل على المشروعية وتأكيد السنية، ولا يدل على الإلزام؛ لأنه قد يعكس أيضًا كما في الدليل الأول من أدلة القول الثاني.

الدليل العاشر:

خرج بعضهم القول بـالوجوب على القول بتأثيم المصلي إذا صلى في مكان يتعرض فيه لمرور الناس ولم يتخذ سترة، فإن دفع الإثم من الواجبات.

ويناقش:

على القول بالتأثيم، أهو مرتب على ترك السترة أم مرتب على المرور؟
فلو لم يتخذ سترة، ولم يمر به أحد لم يأثم، فسقط ترتب التأثيم على ترك السترة.

قال ابن عرفة:
اتفاقهم على تعلق التأثيم بالمرور نص في عدم الوجوب، وإلا لزم التأثيم دون مرور[30].

دليل من قال: اتخاذ السترة في الصلاة مستحب
الدليل الأول:

كل الأحاديث التي ورد فيها الأمر بـالسترة لا يصح منها شيء، والأصل عدم الوجوب، وليس البحث في مشروعيتها، فهذا أمر مجمع عليه، ومواظبة النبي ﷺ على فعلها حضرًا وسفرًا دليل على تأكد سنيتها، إلا أنه لا ينهض للاستدلال به على الوجوب.

الدليل الثاني:

ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفعه أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان»[31].

وجه الاستدلال:

قوله: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس» فيه دليل على عدم الإلزام بـالسترة، وهذا هو شأن السنن، فأما الواجبات فلا خيار للمصلي في تركها، والحديث في غاية الصحة.

💡 هذان الدليلان من أقوى الأدلة على الاستحباب.

 وهناك أدلة استدل بها الجمهور، وفي دلالتها نزاع، سأذكرها فيما بقي من الأدلة إن شاء الله تعالى.

الدليل الثالث:

ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: «أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد»[32].

وجه الاستدلال:
حملوا قوله: (يصلي إلى غير جدار) أي: يصلي إلى غير سترة.

قال الشافعي في «اختلاف الحديث»:
قول ابن عباس (إلى غير جدار) يعني والله أعلم إلى غير سترة[33].

وترجم البيهقي عليه باب من صلى إلى غير سترة.

وقال الحافظ في «الفتح»:
قوله: (إلى غير جدار) أي إلى غير سترة، قاله الشافعي وسياق الكلام يدل على ذلك؛ لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار بلفظ: «والنبي ﷺ يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره»[34].

وقال أيضًا:
فلو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة[35].

ونوقش هذا من وجوه:

الوجه الأول:
لم يفهم الإمام البخاري من قوله: (صلى إلى غير جدار)، الصلاة إلى غير سترة، ولهذا بوب عليه في «صحيحه»، فقال: باب سترة الإمام سترة لمن خلفه.

وقال العراقي في «طرح التثريب»:
لا يلزم من قوله: (إلى غير جدار) ألا يكون ثم سترة، وإن كان الشافعي قد فسر قوله: (إلى غير جدار) أن المراد إلى غير سترة[36].

وقال ابن دقيق العيد:
ولا يلزم من عدم الجدار عدم السترة[37].

فالظاهر أن ابن عباس أراد من نفي الجدار الإعلام بأن صلاة النبي ﷺ كانت في فضاء لا بنيان فيها، ولم يتعرض لذكر السترة، لا نفيًا، ولا إثباتًا، فيلزم من نفي (الجدار) نفي البنيان، ولا يلزم من نفي البنيان نفي العنزة والحربة، فحتى يسلم الاستدلال من الاعتراض لابد من إثبات أنه كان يصلي إلى غير سترة، ليكون الاستدلال به متجهًا.

جاء في «شرح القسطلاني»:
قوله: (إلى غير جدار) لفظ (غير) يشعر بأن ثمة سترة؛ لأنها تقع دائمًا صفة، وتقديره: إلى شيء غير جدار، وهو أعم من أن يكون عصا أو غير ذلك[38].

ومن ثم لا أرى في هذا الدليل ما يصح في الاستدلال لأي من القولين: لا في نفي وجوب السترة، ولا على إثبات وجوبها.

الوجه الثاني:
تفرد الإمام مالك بلفظ: (يصلي بالناس إلى غير جدار) مع الاختلاف عليه في ذكرها.

قال ابن رجب:
لا نعلم أحدًا ذكر في حديث ابن عباس: (إلى غير جدار) غير مالك[39].

وكان يمكن أن يعتبر تفرد الإمام مالك زيادة من ثقة لإمامته وضبطه لولا أن الإمام مالكًا نفسه قد اختلف عليه في ذكرها، فمن رواها عنه بلا ذكرها أكثر عددًا، وفيهم من يعد في الطبقة الأولى من أصحاب مالك، فروايتهم أولى أن تكون محفوظة لموافقتها سائر من رواه عن الزهري غير الإمام مالك، كـابن عيينة ويونس، ومعمر وابن أخي ابن شهاب حيث رووا الحديث بلا ذكرها[40].

وإذا لم يمكن الترجيح بين أصحاب الإمام مالك لكون الخلاف وقع بين أصحابه من الطبقة الأولى فإن ذلك يجعل التبعة على الإمام مالك نفسه، لا على الرواة عنه، وإمامة مالك وضبطه وندرة أوهامه لا يدفع احتمال اضطرابه؛ لتعذر الترجيح بين الرواة عنه، وما من إمام مهما علا كعبه في الحفظ والإتقان إلا يقع منه ما لا يعصم منه بشر، وكون الإمام البخاري قد صححها في «صحيحه» فهذا اجتهاده، والإمام مسلم قد تجنب تخريج هذا الحرف من الحديث، وإن كانت على شرطه، ولعل ذلك يعود للاختلاف في ذكرها، والله أعلم.

الوجه الثالث:
قول الحافظ: (لو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة)، فغير مسلم.

فالفائدة من حديث ابن عباس:
تخصيص حديث أبي جهيم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه».

فإن عمومه:
يشمل الإمام والمنفرد والمأموم، فجاء حديث ابن عباس فخصَّه بالإمام والمنفرد، وأخرج المأموم من هذا العموم، فلا حرج بالمرور بين يديه.

كما أن حديث أبي سعيد بدفع المار بين يديه ظاهره عموم الأمر لكل مصلٍّ أن يدفع من يمر بين يديه، فجاء حديث ابن عباس فخصَّ الأمر بالدفع في حق الإمام والمنفرد، وأخرج المأموم من الأمر بدفع المار.

وأما ما احتج به الحافظ من رواية البزار، فهي من غير طريق الزهري، عن عبيد الله عن ابن عباس، وهي رواية [منكرة]، وهي في جملة أدلة من نفى وجوب السترة، لهذا سأذكرها دليلًا مستقلًا في الدليل التالي.

الدليل الرابع:

ما رواه البزار من طريق ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الكريم، أن مجاهدًا أخبره، عن ابن عباس، -رضي الله عنهما-، قال: «أتيت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفة، وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه»[41].
[أعله ابن خزيمة][42].

ونوقش هذا:

هذا الحديث كما تبين لك من تخريجه أنه [معلٌّ]، ومعارض بما هو أقوى منه.

فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم يعني: ابن أبان، قال: سمعت عكرمة، يقول: قال ابن عباس: «ركزت العنزة بين يدي النبي ﷺ، بعرفات، فصلى إليها والحمار يمر من وراء العنزة»[43].
[تفرد به الحكم بن أبان عن عكرمة، وهو صدوق][44].

ومعلوم أن النبي ﷺ ما صلى بالمسلمين في عرفة إلا صلاة واحدة، جمع فيها بين الظهر والعصر، فحديث ابن عباس من رواية عبد الكريم عن مجاهد، عنه، يفيد: أنه صلى وليس شيء يستره يحول بينه وبين الناس.

وحديث ابن عباس من رواية الحكم بن أبان، عن عكرمة، عنه، يفيد أنه صلى إلى عنزة، والحمار يمر من رواء العنزة، وهذا أولى أن يكون محفوظًا لموافقته ما عرف من عادة النبي ﷺ حضرًا وسفرًا.

قال أبو بكر ابن خزيمة:
فهذا الخبر يضاد خبر عبد الكريم، عن مجاهد؛ لأن في هذا الخبر أن الحمار إنما كان وراء العنزة، وقد ركز النبي ﷺ العنزة بين يديه بعرفة، فصلى إليها، وفي خبر عبد الكريم، عن مجاهد، قال: (وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره، يحول بيننا وبينه).

وخبر عبد الكريم، وخبر الحكم بن أبان، قريب من جهة النقل؛ لأن عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره، وكذلك خبر الحكم بن أبان، غير أن خبر الحكم بن أبان تؤيده أخبار عن النبي ﷺ [صحاح] من جهة النقل، وخبر عبد الكريم، عن مجاهد، يدفعه أخبار [صحاح] من جهة النقل، عن النبي ﷺ[45].

فإن حملنا رواية عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس في قوله: (يصلي إلى غير جدار) أي يصلي إلى شيء غير جدار، فيكون ما أجمل في رواية عبيد الله جاء مفسرًا في رواية الحكم، عن عكرمة، عن ابن عباس، فلا تعارض بينهما.

ويؤيد ذلك: ما رواه الشيخان واللفظ لـالبخاري من طريق شعبة، عن الحكم، عن أبي جحيفة، قال:
«خرج رسول ﷺ بالهاجرة، فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين، ونصب بين يديه عنزة وتوضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه»[46].

وفي رواية لـمسلم نحوه، وفيه:
«.. ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة»[47].

وهذا كان بالأبطح في حجة الوداع، وإذا لم يترك النبي ﷺ السترة في حجة الوداع، فصلاته في منى أو في عرفة على اختلاف الرواة، والمحفوظ الأول، ليست استثناء، فلو أراد ابن عباس من نفي الجدار نفي السترة لعبر بنفي العنزة والحربة ومؤخرة الرحل ليدل نفي الأقل على نفي الأعلى، وليس العكس.

وإن فسرنا قوله: (يصلي إلى غير جدار) أي: إلى غير سترة:
 فإن رواية عبيد الله في «الصحيحين» أصح مما تفرد به الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس والله أعلم.
والتفسير الأول أقوى؛ لأن النبي ﷺ لم يكن ليترك السترة، وقد أمر بها أمته، وكانت تحمل له في صلاة العيد، وكانت تضرب له العنزة في السفر ليصلي إليها.

فقد روى الشيخان من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه؛ فيصلي إليها، والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر[48].

فهذا الحديث مقطوع بصحته، ومن أصح الأسانيد، وعبيد الله في نافع مقدم حتى على الإمام مالك مع جلالته وقدره، وقد نص على أن هذا فعله ﷺ في الحضر والسفر، ولفظ: (كان) مشعر بالدوام والاستمرار.

وإذا كانت رواية عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس تحتمل أن يكون صلى إلى سترة غير جدار، وتحتمل أن يكون أراد من نفي الجدار نفي السترة بالكلية كان حمله على المعروف من عادته ﷺ، أولى من حمله على النادر، وهذا ما جعل البخاري يُبَوِّب عليه في «صحيحه»، فقال: (باب سترة الإمام سترة لمن خلفه).

قال ابن حجر:
وكأن البخاري حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته ﷺ أنه كان لا يصلي في الفضاء إلا والعنزة أمامه، ثم أيد ذلك بحديثي ابن عمر وأبي جحيفة، وفي حديث ابن عمر ما يدل على المداومة، وهو قوله بعد ذكر الحربة: وكان يفعل ذلك في السفر[49].

ومع القول بأن الراجح أن نفي الجدار لا يدل على نفي السترة، فكذلك ليس فيه دلالة على وجوب السترة؛ لأننا حتى لو قطعنا أن حديث ابن عباس قد ثبت أن النبي ﷺ قد صلى إلى سترة غيرِ جدارٍ؛ فهو مجرد فعل، غايته أن يدل على مشروعية السترة، وهذا خارج محل النزاع.

الدليل الخامس:

ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: «زار النبي ﷺ عباسًا في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى، فصلى النبي ﷺ العصر، وهما بين يديه فلم تؤخرا ولم تزجرا»[50].
[منكر][51].

الدليل السادس:

ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: «رأيت النبي ﷺ حين فرغ من أسبوعه أتى حاشية الطواف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطواف أحد»[52].
[حديث معلٌّ][53].

وأجيب من أكثر من وجه:

الوجه الأول:
أن الحديث لم يصح؛ لأن المحفوظ أنه من رواية كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن بعض أهله، عن جده، ففي الإسناد إبهام الواسطة بين كثير وبين جده، وسبق تخريجه.

الوجه الثاني:
على فرض صحته، فـالعلماء مختلفون في استثناء الحرم من تحريم المرور بين يدي المصلي، وهو قول طاوس، وعطاء، ونص عليه أحمد في رواية ابن الحكم وغيره[54] وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة.

الوجه الثالث:
حاول الشوكاني أن يرد الاستدلال بهذا الحديث بجعل ترك السترة من خصائصه عليه الصلاة والسلام اعتمادًا على أصل [ضعيف] تقرر عنده، أن فعل النبي ﷺ إذا تعارض مع قوله، حمل الفعل على أنه خاص به، والقول خاص بأُمَّته[55].

ورد هذا القول:

بأن الله تعالى قال: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21] وقال تعالى: ﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 158].

فالأمر بمتابعة النبي يشمل فعله كما يشمل قوله، فـيشرع الاقتداء بالنبي ﷺ في كل ما فعله إلا أن ينص على الخصوصية بذاتها، وليس لمجرد تعارض الفعل مع القول.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأحزاب: 50].

هذا نص [صريح] على الخصوصية.

وجاء في حديث أبي هريرة مرفوعًا، قال رسول الله ﷺ: «إياكم والوصال مرتين، قيل: إنك تواصل، قال: إني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»[56].

فنص على خصوصية وصال الصيام.

ولذلك لما رغب بعض الصحابة عن سنته في النكاح وقيام الليل وصيام الدهر، بحجة أن النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، غضب النبي ﷺ، وقال: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكن أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»[57].

ولم يأت حديث [صريح] في أن ترك السترة كان عن خصوصية، فالأصل الاقتداء.
فإذا نهى النبي ﷺ عن شيء وفعله كان ذلك قرينة على أن النهي ليس للتحريم، وإذا أمر بشيء وتركه أحيانًا كان ذلك قرينة على أن الأمر ليس لـالوجوب، فيحمل على الاستحباب إن كان من القُرَب، أو على الإباحة إن لم يكن منها. 

وأما دعوى أن الفعل خاص به، إذا خالف قوله ويجعل القول خاصًّا بأمته: فهذا من أضعف الأصول الذي تبناها الشوكاني عليه رحمة الله، ولو صح حديث المطلب لكان ذلك دليلًا إما على استحباب السترة وهو الأظهر، وإما على خصوصية الحرم، للمشقة، ولكن الحديث قد وقفت على علته، والله أعلم[58].

الدليل السابع: من الآثار.

ما رواه الطبري في «تهذيب الآثار» من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، قال:
«كنت أصلي فمر إنسان بين يدي، فمنعته، فأبى، فمر، قال: فأتيت عثمان، فسألته؟ فقال: يا ابن أخت لا يضرك»[59].
[صحيح][60].

ونوقش:

بأنه ليس [صريح] الدلالة، فيحتمل أنه لا يضره؛ أي لا إثم عليه إذا حاول منعه فغُلِب، ويحتمل أنه لا يضره؛ أي لا يبطل صلاته، وإن نقص ذلك من أجره.

ويجاب:

أما تفسير نفي الضرر، بنفي الإثم إذا حاول منعه فغلب، فهذا يصح لو أنه لم يثبت عن عثمان أنه كان يقول: لا يقطع الصلاة شيء.
وقد جاء في طريق عبد الله ابن صالح كاتب الليث، وفي طريق ابن جريج أن الصلاة لا يقطعها شيء، وسبق تخريجه، ولله الحمد.

وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» من طريق سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب، عن علي وعثمان، قالا: «لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوهم ما استطعتم».
[صحيح][61].

وروى ابن أبي شيبة في «المصنف»، قال: حدثنا وكيع، عن حنظلة الجمحي، عن سالم بن عبد الله، قال:
«صلى بنا ابن الزبير، فمرت بين أيدينا امرأة بعد ما قد صلينا ركعة، أو ركعتين، فلم يبال بها»[62].

ورواه الطبري في «تهذيب الآثار» من طريق ابن وهب، قال: حدثنا حنظلة، عن سالم، قال: «صليت مع عبد الله بن الزبير بمكة، فمرت بين يدي الصف امرأة فما بالوها»[63].
[صحيح].

وقد يقال:
إن الإجمال في رواية وكيع في قوله: (فمرت بين أيدينا) أكان يعني فمرت بين يدي الإمام أم أنه يقصد أنها مرت بين يدي المأموم، قد قطع ذلك ما جاء مفسرًا في رواية ابن وهب في قوله: (فمرت بين يدي الصف)، ولا تأثير للمرور بين يدي المأموم.

وأما ما رواه الطبري في «تهذيب الآثار» من طريق يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا ابن جريج، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، قال: «رأيت ابن الزبير يصلي، فمرت امرأة بين يديه تطوف بالبيت، فوضع جبهته في موضع قدمها»[64].
[رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن أبيه، وهو المعروف، وأبوه فيه لين][65].

 هذا ما وقفت عليه في آثار الصحابة فيما يتعلق بالمرور، وإن كان قد ثبت عن بعضهم القول بأنه لا يقطع الصلاة شيء، ولكن هذا بحث آخر.

وأما ما جاء عن التابعين وإن كان لا حجة فيه، لكنه يؤكد جواز الصلاة من غير سترة عن جماعة منهم، ولا يعرف لهم مخالف من التابعين ليؤكد على صحة القول أنه لا يؤثر القول بـوجوب السترة عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من التابعين، ولا عن أحد من أتباع التابعين في عصر الإمام أبي حنيفة والإمام مالك وطبقتهم.

فقد روى مالك في «الموطأ»، عن هشام بن عروة، «أن أباه كان يصلي في الصحراء إلى غير سترة»[66].
[صحيح][67].

وروى ابن أبي شيبة في «المصنف»، حدثنا وكيع، عن مهدي بن ميمون، قال: «رأيت الحسن يصلي في الجبانة إلى غير سترة»[68].
[صحيح].

وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: «رأيت محمد بن الحنفية، يصلي في مسجد منى، والناس يصلون بين يديه، فجاء فتى من أهله فجلس بين يديه».
[صحيح].

وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معن بن عيسى، عن خاليد بن أبي بكر، قال: «رأيت القاسم، وسالمًا، يصليان في الصحراء إلى غير سترة»[69].
[خالد بن أبي بكر في حفظه شيء إلا أن الرجل ينقل ما شاهده فهو أقرب إلى الضبط من الألفاظ التي تعتمد على الحفظ].

وروى ابن أبي شيبة من طريق حجاج بن أرطاة، قال: «سألت عطاء عن الرجل يصلي في الفضاء، ليس بين يديه شيء، قال: لا بأس به»[70].
[حجاج متكلم في حفظه].

دليل من قال: السترة مشروعة ولو أمن المرور

ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا صفوان بن سليم، قال: أخبرني نافع بن جبير بن مطعم، عن سهل بن أبي حثمة، أن رسول الله ﷺ قال:
«إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته».
[صحيح][71].

وجه الاستدلال:
بَيَّن الحديث أن العلة في اتخاذ السترة ليس لمنع المرور فحسب، بل العلة أيضًا لمنع الشيطان أن ينقص من أجر الصلاة، فـالعلماء قد ذكروا أن علة اتخاذ السترة مركبة من أمرين:

إحداهما: منع المرور بين المصلي وبين سترته.

الثاني: قصر البصر إلى حدود موضع السترة فلا يتجاوزه؛ لأن البصر إذا انتشر شغل ذلك المصلي عن التدبر والخشوع مما يؤدي إلى نقص الثواب، وهذا هو المعنى الذي أضافه الحديث إلى فعل الشيطان، وأطلق عليه القطع، والمقصود: إنقاص الثواب؛ لأن وسوسة الشيطان والتي جاءت بسبب انتشار البصر لا تفسد الصلاة، حتى ولو غلبت على المصلي فلم يدر كم صلى.

ويناقش من وجهين:

الوجه الأول:
إن حملنا: (الشيطان) بأنه من شياطين الجن، كان الأمر بالدنو منها تعبديًا، وكان تفسيركم متجهًا بأن السترة مشروعة مع أمن المرور، ولكن هذا التفسير غير مسلم للأمور التالية:

الأمر الأول: أن الشيطان علة في قطع الكلب الأسود للصلاة، كما في حديث أبي ذر في مسلم، وإذا كان الكلب معللًا بالشيطنة فالظاهر أن المرأة والحمار كذلك؛ لأن تساويهما في الحكم يعني تساويهما في العلة.

كما وصف الرجل الذي يمنع من المرور ويأبى في حديث أبي سعيد الخدري في «الصحيحين»، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان»[72].

فأطلق الحديث على الرجل الذي يأبى الامتناع إذا منع بأنه شيطان.

وليس المراد بأن الشيطان يتمثل بالكلب، وإن قال به ابن هبيرة في «الإفصاح»[73]، وإنما المقصود بالشيطان: ما جاء في تعريفه في «الصحاح»: كل عاتٍ من الإنس والجن والدواب فهو شيطان[74].

فالشيطنة في الكلب وصف متعد إلى المصلي بالأذية.

فإطلاق الشيطان أيراد به العموم؟ أم أنه من العام الذي يراد به الخصوص، فيحمل الشيطان المطلق في حديث سهل بن أبي حثمة على الشيطان المفسر في حديث أبي ذر، وحديث أبي سعيد، ويكون اتخاذ السترة معللًا، أي: معقول المعنى، مرتبطًا بالمرور، فإذا أمن المرور فلا بأس من الصلاة إلى غير سترة؟

والذي يرجح أن المقصود من الشيطان شيطان خاص، وليس مطلق الشيطان:
أن الدنو من السترة معلل كي لا يقطع الصلاة، والدنو من السترة لا يمنع شيطان الجن من الوسوسة، وإنما الدنو من السترة يُمَكِّن المصلي من دفع شيطان الإنس والدواب من المرور، فإذا ابتعد المصلي عن سترته لم يتمكن المصلي من منع المتمرد المصر على المرور من قطع صلاته إلا بالمشي إليه، فتكون علة الدنو منها لأجل التمكن من دفعه حتى لا يقطع عليه صلاته، فيكون هذا وجهًا في تفسير الشيطان بشيطان الإنس والدواب، دون شيطان الجن، فإن هذا دفعه يكون بالاستعاذة من شره، ولا تأثير للدنو من السترة عليه، والله أعلم.

الأمر الثاني: أن الأحاديث ربطت بين الأمر بـالسترة وبين تأثير المرور بين يدي المصلي، مما يجعل المرور علة في حكم اتخاذ السترة.

فقد روى مسلم من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصلِّ، ولا يبالي من مر وراء ذلك».

ورواه مسلم من طريق عمر بن عبيد الطنافسي، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: «كنا نصلي، والدواب تمر بين أيدينا، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ»، فقال: «مثل مؤخرة الرحل تكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضره ما مر بين يديه»[75].

الوجه الثاني:
لو سلمنا أن السترة لقطع الشيطان من الوسوسة، فلا يكفي ذلك للقول بـوجوب السترة؛ لأن السترة إذا كانت وسيلة لتحصيل الخشوع في الصلاة، فالخشوع قسمان:

الأول: خشوع القلب، وهو المعني باتخاذ السترة من أجله على هذا التفسير، وحكمه ليس بـواجب عند الأئمة الأربعة، وحكي إجماعًا، ولو كان واجبًا لكان تفويته عمدًا يبطل الصلاة، وسهوًا يوجب السهو، وإن كان ذلك ينقص من ثوابها، فإذا كان الخشوع ليس واجبًا كانت وسيلة تحصيله على القول بأن السترة من وسائل تحصيل الخشوع ليست واجبة كذلك؛ لأن وسائل تحصيل الواجب واجبة، ووسائل تحصيل المستحب مستحبة.

القسم الثاني من الخشوع: خشوع الجوارح، وهذا ليس له علاقة بـالسترة، وحكمه راجع إلى حكم الحركة في الصلاة، والفقهاء طرفان فيه ووسط، والصواب فيه أن الحركة الكثيرة إذا تفرقت حتى كانت آحادها يسيرة، أو كانت لحاجة لا تبطل الصلاة، وقد بحثت الحركة في الصلاة في مبطلات الصلاة، وأتيت على أنواع الحركة، وما يبطل الصلاة فارجع إليه.

الراجح:

أريد أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى المنهج عند الكلام على حكم هذه المسألة الفقهية أو على غيرها من المسائل من حيث الأدلة ومن حيث الدلالة.

فمن حيث الأدلة:
الحكم لما تقتضيه الصنعة الحديثية، فإن صح الأمر بـالسترة في حديث [صحيح] سالم من [الشذوذ] ومن [العلة]، أو صح النهي عن الصلاة بلا سترة، قضي الأمر، وتعين على الباحث القول بـوجوب السترة، ولم ينظر للكثرة والقلة من العلماء، إلا أن يكون هناك اتفاق بين أهل القرون المفضلة على فهم لهذه النصوص فإنه يتعين.

ومن حيث الدلالة:
فإن القول بـالوجوب تحكمه دلالات الألفاظ، وما يقتضيه أدلة أصول الفقه، فلا يكفي مواظبة النبي ﷺ على السترة، وحرصه عليها حضرًا وسفرًا ولا حرص الصحابة -رضي الله عنهم- عليها لا يكفي ذلك للقول بـالوجوب؛ لأن هذه الأمور من حيث الدلالة لا تُبَلِّغ الوجوب.

وإذا كانت الدلالة ليست صريحة وكانت متجاذبة بين القول بـالوجوب وعدمه، فإن ذلك ينبغي أن يكون في مصلحة من يقول بعدم الوجوب؛ لأنه هو الأصل، ولأن الأصل عدم التأثيم، حتى يغلب على الظن القول بـالوجوب.

وإذا كانت الدلالة ليست صريحة فعلى الباحث أن يبحث في المرجحات وفي مقدمتها قول الصحابي إذا دلَّ قوله وليس فعله على الوجوب؛ لقربهم من الوحي، ولفضلهم على غيرهم.

كما يأتي من المرجحات الاستئناس بقول الأئمة الأربعة إذا اتفقوا على مسألة في أدلة دلالتها ليست صريحة.

وإذا طبقت هذا المسلك على مسألتنا وجدت أن جميع الأدلة التي فيها الأمر بـالسترة لا تسلم من قادح، هذا من حيث الأدلة، ومن حيث الدلالة فالقول بـوجوب السترة لا يعرف عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، ولا من الأئمة الأربعة إلا رواية عن أحمد خلاف المعتمد في مذهبه، وليس كلامه بـالوجوب بـأولى من كلامه [الصريح] بعدم بـالوجوب، كل ذلك يقوي دلالة القول بـالاستحباب، ولا يكفي حرص السلف على السترة للقول بأنها واجبة.

الحواشي والمراجع

[1] انظر: «البيان والتحصيل» (1/290)، و«التوضيح لخليل» (2/3)، و«مواهب الجليل» (1/235).

وموعظة الناس، يعني بها السائل: الإنكار عليهم في ترك السترة، فكان الإمام مالك جعله حسناً باعتبار أن وعظ من ترك المستحب حسن، وليس بـواجب.

وقول الإمام مالك:
بعض الناس يقوى على أن يعظ الناس، يعني: يقوى على الإنكار في ترك المستحبات، وبعض الناس لا يقوى على ذلك؛ أي: لأنه لا يرى الإنكار إلا فيما كان واجبًا.

[2] جاء في «حاشية الدسوقي» (1/245، 246):
«وقال مالك في «العتبية»: يؤمر بها مطلقًا، واختاره اللخمي، وبه قال ابن حبيب، وهو مقابل المشهور».

وانظر: «عقد الجواهر» لـابن شاس (1/119)، «شرح التلقين» (2/978).

وانظر في مذهب الشافعية: «روضة الطالبين» (1/294)، «المجموع» (3/247)، «تحرير الفتاوى» (1/291)، «التهذيب في فقه الإمام الشافعي» (2/164)، «شرح النووي على صحيح مسلم» (4/216)، «شرح منتهى الإرادات» (1/214)، «الإقناع» (1/131)، «الإنصاف» (2/301)، «الفروع» (2/256)، «المبدع» (1/436)، «المقنع» (ص: 35).

قال ابن حبيب كما في «النوادر والزيادات» (1/194):
«قال ابن حبيب: من شأن الصلاة ألا يصلي المصلي إلا في سترة، في سفر أو حضر، أمن أن يمر بين يديه أحد أو لم يأمن».

[3] «الإقناع» (1/131).

[4] «روضة الطالبين» (1/492).

[5] «المجموع» (3/742).

[6] «شرح النووي على صحيح مسلم» (4/216)، «إحياء علوم الدين» (1/153)، «المهمات شرح الروضة والرافعي» (3/591).

[7] «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» (6/23).

[8] انظر في مذهب الحنفية: «البحر الرائق» (2/18)، «الهداية شرح البداية» (1/63)، «بدائع الصنائع» (1/217)، «العناية شرح الهداية» (1/406)، «مراقي الفلاح» (ص: 134)، «الدر المختار شرح تنوير الأبصار» (2/19)، «حاشية ابن عابدين» (1/736).

وفي مذهب المالكية ثلاثة أقوال:

• الأول: أن السترة سنة، وهو قول ابن حبيب، واقتصر عليه الشيخ خليل إذ عطفها على السنن.

• والقول الثاني: أنها مستحبة، اختاره ابن رشد، والباجي، والقاضي عياض، وابن عرفة، وصاحب «الشامل»، وهي دون السنة.

جاء في «الشامل في فقه الإمام مالك» (1/102):
«والسترة مستحبة، وقيل: سنة لإمام وفذ إن خشيا مرورًا».

وقال ابن رشد في «البيان والتحصيل» (1/290):
«الصلاة إلى السترة من مستحبات الصلاة ليس من واجباتها».

وقال عياض في «إكمال المعلم» (2/413):
«والسترة عندنا من فضائل الصلاة ومستحباتها».

• والثالث: الوجوب. قال ابن ناجي نقلًا من «مواهب الجليل» (1/532):
اختلف في حكم السترة على ثلاثة أقوال:

الأول: أنها مستحبة، قاله عياض، ومثله قول الباجي: مندوبة.

الثاني: سنة، قاله في «الكافي».

الثالث: واجبة، وسيأتي تفصيل القول بـالوجوب في صلب الكتاب.

انظر: «مختصر خليل» (ص: 32)، «التاج والإكليل» (2/233)، «التبصرة» لـاللخمي (2/734)، «التفريع في الجلاب» (1/73)، «المعونة» (ص: 295)، «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (2/101)، «لوامع الدرر» (2/113)، «التوضيح لخليل» (2/3)، «شرح الخرشي» (1/278)، «التلقين» (1/15).

[9] «الهداية شرح البداية» (1/36).

[10] «المدونة» (1/202).

[11] «مواهب الجليل» (1/532)، «أسهل المدارك» (1/228)، «لوامع الدرر في هتك أستار المختصر» (2/311).

[12] «المسالك في شرح موطأ مالك» (3/311).

وقال خليل في «التوضيح» (2/6):
«ومنشأ الخلاف: هل شرعت السترة حذرًا من مرور مار يشتغل به، أو حريمًا للصلاة حتى يقف عندها نظره». وانظر: «الإعلام بفوائد الأحكام» (3/304)، «لوامع الدرر» (2/411).

[13] «الذخيرة» لـالقرافي (2/251).

[14] «صحيح ابن خزيمة» (308).

[15] اختلف على سفيان بن عيينة في لفظه:

فرواه عبد الجبار بن العلاء، كما في «صحيح ابن خزيمة» (308)،

وابن أبي عمر، كما في «مستدرك الحاكم» (922)، كلاهما روياه عن سفيان، عن صفوان، عن نافع بن جبير، عن سهل بلفظ: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة».

فكان الأمر متوجهًا إلى السترة.

ورواه عبد الرزاق، عن سفيان واختلف عليه في لفظه:

فرواه الدبري عن عبد الرزاق كما في «المصنف» (2305)، عن ابن عيينة، عن صفوان قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة». وهذا مرسل.

ورواه الطبراني في «المعجم الكبير» (6/98) ح 5624، من طريق الدبري نفسه عن عبد الرزاق مقرونًا برواية الحميدي، كلاهما عن سفيان به، بلفظ: «إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته».

فكان الأمر متوجهًا إلى الدنو منها، وليس إلى السترة، وأخشى أن يكون هذا اللفظ هو لفظ الحميدي، وأن الإرسال الواقع في «مصنف عبد الرزاق» هو من قبيل السقط، وليس اختلافًا، فإن «مصنف عبد الرزاق» ورواية الطبراني كلاهما من طريق إسحاق بن إبراهيم الدَّبَرِي.

فيصح القول أن لفظ: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة» هو لفظ: عبد الجبار بن العلاء، وابن أبي عمر، وعبد الرزاق، وأن هؤلاء الثلاثة قد رووه بلفظ الأمر بـالسترة، والأصل في الأمر الوجوب.

لكن خالف هؤلاء كبار أصحاب سفيان من الطبقة الأولى رووه عنه بلفظ: «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها» فكان الأمر متوجهًا إلى الدنو من السترة، وفي مقدمتهم:
• الأول: الإمام الحميدي، كما في «مسنده» (405)، ومن طريقه والطبراني في «المعجم الكبير» (6/89) ح 5624، و«معرفة الصحابة» لـأبي نعيم (3291)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (1/962).
• الثاني: الإمام أحمد كما في «المسند» (4/2).
• الثالث: الإمام الشافعي، كما في «السنن المأثورة» (481).
• الرابع: أبو بكر بن أبي شيبة كما في «المصنف» (2874)، وعنه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (2702).
• الخامس: الطيالسي كما في «مسنده» (9341).
• السادس إلى التاسع: عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح، وحامد بن يحيى، وابن السرح: أحمد بن عمرو بن عبد الله كما في «سنن أبي داود» (695)، وعنه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/683).
• العاشر: زهير بن حرب، كما في «التاريخ الكبير» لـابن أبي خيثمة (929).
• الحادي عشر والثاني عشر: علي بن حجر وإسحاق بن منصور كما في «المجتبى من سنن النسائي» (748)، وفي «الكبرى» (628).
• الثالث عشر: مسدد كما في «الأوسط» لـابن المنذر (8242).
• الرابع عشر إلى السادس عشر: محمد بن منصور وعمرو بن عبد الحميد الإملي، وابن وكيع كما في «تهذيب الطبري» الجزء المفقود (615، 616، 617).
• السابع عشر: يونس بن عبد الأعلى كما في «شرح معاني الآثار» (1/458)، وفي «مشكل الآثار» (3162).
• الثامن عشر: يعقوب بن حميد، كما في «الآحاد والمثاني» لـابن أبي عاصم (2702).
• التاسع عشر: إبراهيم بن بشار كما في «صحيح ابن حبان» (3732).
• العشرون: إبراهيم بن منذر الحازمي كما في «مستدرك الحاكم» (229).
• الحادي والعشرون: إسحاق بن بهلول كما في «أمالي المحاملي» (4)، كلهم رووه عن سفيان بن عيينة، عن صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة، وفي رواية:
عن سهل يبلغ به النبي ﷺ، والمعنى واحد، رووه مرفوعًا بلفظ: «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها».

فتبين بهذا [شذوذ] لفظ: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة»، ولو خالف عبد الرزاق وعبد الجبار وابن أبي عمر الإمام أحمد والحميدي لقدما عليهم، فكيف وقد خالفوا أكثر من عشرين راويًا.

وقد تابع سفيان بن عيينة جماعة:

رووه عن صفوان، بالأمر بالدنو من السترة: منهم واقد بن محمد، وعبيد الله بن أبي جعفر، وعيسى بن موسى بن محمد بن إياس الليثي.

كما تابع صفوان في روايته عن نافع بالأمر بالدنو من السترة داود بن قيس الفراء، إلا أنه رواه عن نافع مرسلًا.

وسوف يأتي تخريج هذه الطرق في مبطلات الصلاة، في المجلد الثاني عشر، فلا يشك الباحث في [شذوذ] هذا الحرف، وأما الحديث في نفسه فـ[صحيح] من رواية سفيان بن عيينة، من رواية الجماعة عنه.

قال البيهقي في «السنن الكبرى» (2/386):
قد أقام إسناده سفيان بن عيينة، وهو حافظ حجة.

وقال في «معرفة السنن» (3/187):
«ورواه داود بن قيس عن نافع بن جبير مرسلاً، والذي أقام إسناده: حافظ ثقة».

وقال الميموني نقلًا من «فتح الباري» لـابن رجب (4/27):
قلت لـأبي عبد الله -يعني: أحمد– : كيف إسناد حديث النبي ﷺ: «إذا صلى أحدكم فليدن من سترته»؟ قال: صالح، ليس بإسناده بأس.

وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما»، وهذا ذهاب منهما لتصحيحه.

وقال الحاكم:
هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (4/195):
«وهو حديث مختلف في إسناده، ولكنه حديث [حسن] ذكره النسائي وأبو داود وغيرهما».

وقال النووي في «المجموع» (3/245):
«حديث سهل بن أبي حثمة [صحيح]، رواه أبو داود والنسائي بإسناد [صحيح]».

وقال في «الخلاصة» (1732):
رواه أبو داود والنسائي بإسناد [صحيح].

وقال العقيلي نقلًا من «فتح الباري» لـابن رجب (4/27):
حديث سهل هذا ثابت.

وقال العقيلي في «الضعفاء»، طبعة دار التأصيل (4/7):
«رواه سهل بن أبي حثمة، أن النبي ﷺ قال: «من صلى إلى سترة فليدن منها»، وهذا ثابت».

[16] «المصنف» (5782).

[17] رواه أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، واختلف على أبي خالد:

فرواه أبو كريب محمد بن العلاء كما في «سنن أبي داود» (698)، و«سنن ابن ماجه» (459)، و«السنن الكبرى» في البيهقي (2/873)،

وابن أبي شيبة كما في «المصنف» (2875)، كلاهما عن أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم به، بلفظ: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها». بالأمر بـالسترة.

ورواه محمد بن عبد الله بن نمير كما في «صحيح ابن حبان» (2372، 2375)، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان به، بلفظ: «إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، فإن الشيطان يمر بينه وبينها، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه».
بالأمر بالدنو من السترة، وليس بالأمر بـالسترة.

تابعه على هذا اللفظ يحيى بن عبد الحميد الحماني ([حافظ متهم بسرقة الحديث]) عند ابن المنذر في «الأوسط» (5/87)، فرواه عن أبي خالد الأحمر، عن زيد بن أسلم به، بإسقاط ابن عجلان، ولفظه: «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها». بالأمر بالدنو من السترة.

وهذا الاختلاف الحمل على أبي خالد الأحمر، وليس أحد من هذين اللفظين محفوظًا.

فقد خالف أبا خالد الأحمر المفضل بن فضالة، كما في «مسند أبي العباس السراج» (293)، وفي حديثه أيضًا (378)، فرواه عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه؛ «أنه مرَّ بين يديه غلام من آل مروان، فأخَّره أبو سعيد، فلم يتأخر الغلام، فدفعه فوقع، فأعلم الغلام مروان، فأرسل إلى أبي سعيد، فأدنى مجلسه، ثم قال: إن ابن أخيك يذكر أنك قاتلته؟» قال أبو سعيد: سمعت رسول الله ﷺ قال: «إذا مرَّ بين يدي أحدكمِ أحدٌ وأنتم تصلون فامنعوه، فإن أبى إلا أن تقاتلوه فقاتلوه؛ فإنما تقاتلون شيطانًا».

فخرج ابن عجلان من العهدة، وصار الحمل فيه على أبي خالد الأحمر، وقد تكلم بعض العلماء في حفظ أبي خالد الأحمر، وفي غلطه.

قال ابن عدي:
«… أتي من سوء حفظه، فيغلط ويخطئ، وهو في الأصل كما قال ابن معين: [صدوق، وليس بحجة]». «الكامل» (4/282).

وقال أبو بكر البزار فيما نقله عنه الحافظ في «مقدمة الفتح» (1/407):
«اتفق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه روى عن الأعمش وغيره أحاديث لم يتابع عليها».

قال الحافظ:
«له عند البخاري ثلاثة أحاديث … كلها مما توبع عليها، وروى له الباقون». وقد ترجمت له في كتابي «موسوعة أحكام الطهارة»، ط الثالثة (7/483).

بخلاف المفضل بن فضالة فإن روايته عن ابن عجلان أرجح، لكونه أحفظ من أبي خالد، ولم يختلف عليه كما اختلف على أبي خالد، وقد وافق رواية جماعة رووه عن زيد بن أسلم، في مقدمتهم الإمام مالك بن أنس، فهذه ثلاثة مرجحات لرواية المفضل.

وانطوت رواية أبي خالد الأحمر على ثلاث علل:

• العلة الأولى: اضطرابه في لفظه، فتارة يرويه بالأمر بـالسترة، وتارة يرويه بالدنو منها إذا صلى إلى سترة، كما أن رواية أبي خالد فيها الأمر بالمقاتلة ابتداء، وحديث أبي سعيد الخدري في «الصحيحين» فيه الأمر بمنعه فإن أبى فليقاتله.

• العلة الثانية: مخالفته لمن هو أحفظ منه في لفظه، فقد خالف أبو خالد الأحمر المفضل بن فضالة.

• العلة الثالثة: تفرد أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان بأمرين، بالأمر بـالسترة، وبالدنو منها، ولا يعرف هذا اللفظ من حديث زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، كما أن حديث أبي سعيد الخدري، في «الصحيحين» من طريق أبي صالح السمان، وليس فيه الأمر بـالسترة، ولا الأمر بالدنو منها، فلا أشك في [شذوذ] هذا اللفظ، وإليك تخريج حديث زيد بن أسلم:

فقد رواه جماعة غير ابن عجلان عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، منهم:

• الأول: مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، رواه عن مالك كبار أصحابه، منهم:

يحيى بن يحيى الليثي، كما في «موطأ مالك» من روايته، ت عبد الباقي (1/451)، وأبو مصعب الزهري كما في «موطأ مالك» من روايته (804)، ومحمد بن الحسن الشيباني كما في «موطأ مالك» من روايته (372).

والإمام الشافعي كما في «معرفة السنن» (3/581).

وعبد الله بن مسلمة القعنبي كما في «سنن أبي داود» (697)، و«مستخرج أبي عوانة» (8831)، وفي «الأوسط» لـابن المنذر (5/93)، والجوهري في «مسند الموطأ» (253).

ويحيى بن يحيى النيسابوري كما في «صحيح مسلم» (258-505)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/873).

وعبد الرحمن بن مهدي كما في «مسند أحمد» (3/43) ومطرف كما في «المنتقى» لـابن الجارود (761)،

وعبد الله بن وهب في إحدى روايتيه، كما في «مستخرج أبي عوانة» (1388)، و«فوائد أبي علي المديني» (46)، و«شرح معاني الآثار» (1/460)، وفي «مشكل الآثار» (0162).

وإسحاق بن عيسى الطباع كما في «مسند أحمد» (3/34)،

وقتيبة بن سعيد كما في «المجتبى من سنن النسائي» (757)، وفي «الكبرى» (538)، و«مستخرج أبي نعيم» (8111).

وعبيد الله بن عبد المجيد كما في «سنن الدارمي» (1541)، وعبد الله بن نافع، كما في «المنتقى» لـابن الجارود (761)، وأحمد بن أبي بكر، كما في «صحيح ابن حبان» (7632، 8632)،

ومصعب بن عبد الله الزبيري في حديثه لـأبي القاسم البغوي (143)، كلهم رووه عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، بلفظ: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان».

فخالف الإمام مالك ابن عجلان من رواية أبي خالد الأحمر عنه، فليس فيه الأمر بـالسترة، ولا بالدنو منها، ومالك لا يعدله أحد في الضبط والإتقان، كيف وقد توبع مالك على هذا اللفظ، ولم يتابع ابن عجلان من رواية أبي خالد الأحمر عنه.

ورواه عبد الله بن وهب في إحدى روايتيه عن الإمام مالك، فخالف أصحاب مالك في إسناده، ووافقهم في لفظه، كما في «موطئه» (399)، وفي «جامعه» (401-387)، وفي «المخلصيات» لـأبي طاهر المخلص (1831)، وفي «نسخة عبد الله بن صالح كاتب الليث» (1661)، فرواه عن الإمام مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري به، بلفظ: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه».

فشذ في إسناده، ووافق الجماعة في لفظه، فليس فيه الأمر بـالسترة، ولا الأمر بالدنو منها.

وذكر الإمام الدارقطني في «العلل» الاختلاف على ابن وهب (11/255) وصوب أنه من حديث زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن سعيد الخدري، عن أبيه.

وسأل ابن أبي حاتم أباه في «العلل» (348) عن حديث ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار … وذكر الحديث.

قال أبو حاتم:
الصحيح ما في «الموطأ»: مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن النبي ﷺ، وحديث زيد بن أسلم، عن عطاء خطأ.

وصوب ابن عبد البر في «التمهيد» (4/186) الطريقين عن ابن وهب، إلا أنه جعل حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري أشهر، وحديث عطاء بن يسار معروف أيضًا، اهـ والصواب ما قاله أبو حاتم الرازي والإمام الدارقطني.

• الثاني: داود بن قيس الفراء، عن زيد بن أسلم.

أخرجه عبد الرزاق (2328) عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، قال:
«بينا أبو سعيد الخدري يصلي إذ جاءه شاب يريد أن يمر قريبًا من سترته، وأمير المدينة يومئذ مروان، قال: فدفعه أبو سعيد حتى صرعه، قال: فذهب الفتى حتى دخل على مروان، فقال: هاهنا شيخ مجنون، دفعني حتى صرعني، قال: هل تعرفه؟ قال: نعم، قال: وكانت الأنصار تدخل عليه يوم الجمعة، قال: فدخل عليه أبو سعيد، فقال مروان للفتى: هل تعرفه؟ قال: نعم، هو هذا الشيخ، قال مروان للفتى: أتعرف من هذا؟ قال: لا، قال: هذا صاحب رسول الله ﷺ، قال: فرحب به مروان، وأدناه حتى قعد قريبًا من مجلسه، فقال له: إن هذا الفتى يذكر أنك دفعته حتى صرعته، قال: ما فعلت، فردها عليه، وهو يقول: إنما دفعت شيطانًا»، قال: ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد أحد أن يمر بين يديك وبين سترتك فرُدَّه، فإن أبى فادفعه، فإن أبى فقاتله، فإنما هو شيطان».

ورواه أحمد (3/75) عن عبد الرزاق به مقتصرًا على المرفوع، ولفظه: «إذا أراد أن يمر بينك وبين سترتك أحد فاردُدْه، فإن أبى فادفعه، فإن أبى فقاتله، فإنما هو شيطان».

وهذا إسناد [صحيح]، رجاله كلهم ثقات.

• الثالث: زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم.

رواه أحمد (3/49) حدثنا عبد الرحمن (يعني ابن مهدي).

وأبو عامر (عبد الملك بن عمرو العقدي) كما في «مسند أبي يعلى» (1248)، كلاهما عن زهير، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ:
«إذا قام أحدكم يصلي، فلا يترك أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان».

وهذا إسناد [حسن]، وزهير إنما تكلم فيه بسبب رواية الشاميين عنه، فإن فيها مناكير، أما ما رواه أهل العراق فحديثه مستقيم، وهذا من رواية العراقيين عنه.

قال البخاري في «التاريخ الصغير» نقلًا من «الهداية والإرشاد» (1/273):
ما روى عن زهير أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه [صحيح] الحديث. اهـ

وقال أبو حاتم:
محله الصدق، وفي حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه … فما حدث من كتبه فهو صالح، وما حديث من حفظه ففيه أغاليط. «الجرح والتعديل» (3/095).

• الثالث: معمر بن راشد، عن زيد بن أسلم. (هكذا في الأصل)

رواه أحمد (3/93)، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن ابن أبي سعيد، عن أبي سعيد الخدري قال:
«أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نترك أحدًا يمر بين أيدينا، فإن أبى إلا أن ندفعه أو نحو هذا».

وهو في «مصنف عبد الرزاق» (2329) بذكر القصة، وقد سقط من «المصنف» اسم عبد الرحمن ابن أبي سعيد، وليس في لفظه الأمر بـالسترة، ولا الأمر بالدنو منها.

وكل من معمر، وزيد بن أسلم من رجال الشيخين، إلا أن البخاري لم يخرج لـمعمر من روايته عن زيد بن أسلم، وأخرج مسلم وحده حديثًا واحدًا في المتابعات (85) من رواية معمر، عن زيد بن أسلم، والله أعلم.

• الرابع: همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم.

رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (790) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث.

ورواه أبو العباس السراج في «مسنده» (386)، وفي حديثه برواية الشحامي (372) من طريق حجاج بن المنهال، وموسى بن إسماعيل، ثلاثتهم عن همام بن يحيى به بنحو رواية عبد الرزاق، وسنده [صحيح].

• الخامس: الدراوردي، عن زيد بن أسلم، واختلف فيه على الدراوردي:

فقيل: عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه.

رواه قتيبة بن سعيد، كما في «مسند أبي العباس السراج» (385)، وفي حديثه (173)، وأحمد بن عبدة الضبي، كما في «صحيح ابن خزيمة» (618)، وعبد الله بن مسلمة القعنبي كما في «مستخرج أبي عوانة» (9831)،

وإسحاق بن أبي إسرائيل كما في «فوائد ابن أخي ميمي الدقاق» (295)، خمستهم رووه عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه بنحو حديث الجماعة.

وقيل: عن الدراوردي، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري.

رواه محمد بن المبارك كما في «المجتبى من سنن النسائي» (4862)، وفي «الكبرى» له (8307)، ومن طريقه ابن حزم في «المحلى» (11/451).

ويعقوب بن حميد كما في «شرح معاني الآثار» (1/164)،

وإبراهيم بن حمزة الزبيري كما في «المعجم الأوسط» (495)، و«الصغير» له (54)، ثلاثتهم رووه عن الدراوردي، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري.

تفرد به الدراوردي، عن صفوان بن سليم، وهو خفيف الضبط، وإن كان قد سبق لنا ما تفرد به ابن وهب عن الإمام مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، إلا أنه شذ عن أصحاب كبار أصحاب الإمام مالك، والشاذ لا يعتبر به.

وقيل: عن الدراوردي، عن صفوان بن سليم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه.

رواه سعيد بن منصور، كما في «مسند أبي العباس السراج» (387)، وفي حديثه (373)، وفي «فوائد تمام» (1282)، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال: سمعت صفوان بن سليم، وزيد بن أسلم يحدثنا عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان». هكذا رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي مقرونًا برواية زيد بن أسلم، وهذا وجه ثالث، فواضح أن الدراوردي، لم يضبط حديث صفوان بن سليم، فمرة يرويه عن صفوان، عن عطاء ابن يسار، ومرة يرويه عن صفوان، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه.

والمحفوظ من حديث الدراوردي ما رواه قتيبة بن سعيد، وأحمد بن عبدة الضبي، والقعنبي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، عنه عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه.

وهي الموافقة لرواية مالك بن أنس وداود بن قيس، ومعمر.

كما أن المحفوظ من حديث صفوان أنه يرويه عن نافع بن جبير بن مطعم، عن سهل بن أبي حثمة، وسبق تخريجه.

وأما رواية الدراوردي عن صفوان، عن عطاء بن يسار، أو عن صفوان عن عبد الرحمن، فلا أراها محفوظة، والله أعلم.

قال أبو زرعة كما في «العلل» لـابن أبي حاتم (353):
«حديث زيد بن أسلم: [صحيح]، ورواه مالك، وحديث صفوان: لا أدري أي شيء هو!».

وهناك طرق أخرى تركتها اقتصارًا إما لضعفها، وإما لاقتصارها على القصة دون ذكر الحديث المرفوع، وما ذكر فيه غنية يكشف عن [شذوذ] الأمر بـالسترة والدنو منها من حديث زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد، وهو المقصود بالتخريج.

وقد أخرج الشيخان الحديث من طريق أبي صالح السمان، عن أبي سعيد الخدري بما يوافق رواية مالك ومن تابعه، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، والله أعلم.

[18] «صحيح البخاري» (494)، «صحيح مسلم» (245-105).
[19] «فتح الباري» (4/12).
[20] «صحيح البخاري» (631)، و«صحيح مسلم» (292-476).
[21] «المسند» (3/404).

[22] الحديث مداره على عبد الملك بن الربيع، عن أبيه، عن جده، رواه عن عبد الملك كل من:

زيد بن الحباب كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (2862)، و«مسند أحمد» (3/404)، وفي «الآحاد والمثاني» لـابن أبي عاصم (2570)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (7/114) ح 6542.

وحرملة بن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد، كما في «التاريخ الكبير» (4/781)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (7/114) ح 6540، و«مستدرك الحاكم» (925)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/383)، و«معجم الصحابة» لـالبغوي (1185)، و«معجم الصحابة» لـابن قانع (3/69)، وإبراهيم بن سعد، كما في «المعجم الكبير» (7/114) ح 6539، و«صحيح ابن خزيمة» (810)، والحاكم في «المستدرك» (926)، و«مسند الحارث بن أبي أسامة» كما في «بغية الباحث» (166)، و«معرفة الصحابة» لـأبي نعيم (7853).

ويعقوب بن إبراهيم، كما في «مسند أحمد» (3/404)، أبي يعلى (149).

وسبرة بن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني كما في «الآحاد والمثاني» لـابن أبي عاصم (2571)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (7/114) ح 1456.

ومحمد بن عمر الواقدي ([أخباري متروك])، كما في «مسند الحارث بن أبي أسامة» كما في «بغية الباحث» (167)، ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (3586)، كلهم رووه عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده.

والحديث تفرد فيه بالأمر بـالسترة عبد الملك بن الربيع، عن أبيه، عن جده، ولم يتابع بالأمر بـالسترة من وجه [صحيح]، فحديث سهل بن أبي حثمة «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة» [شاذ] بهذا اللفظ، والمحفوظ: «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها». وسبق تخريجه، و[الشاذ] لا يعتبر به.

وكذلك يقال في حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، فقد تفرد بالأمر بـالسترة وبالدنو منها أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، وقد خولف الأحمر في ابن عجلان، كما أن روايته مخالفة لرواية جماعة من الحفاظ رووه عن زيد بن أسلم، فلم يذكروا الأمر بـالسترة ولا بالدنو منها، على رأسهم الإمام مالك، لهذا أرى أن حديث سبرة بن معبد، علته تفرد عبد الملك بن الربيع حتى ولو ذهبت إلى أنه صدوق فلا يكفي لقبول تفرده بهذا الأصل، فالتفرد علة عند أهل الحديث، وإن اعتبرنا عبد الملك ضعيفًا فيكون تفرده [منكرًا]، وهذا أقرب القولين.

وقد اختلف العلماء في حال عبد الملك بن الربيع:

فقال فيه ابن معين:
أحاديث عبد الملك، عن أبيه، عن جده [ضعاف]. «الجرح والتعديل» (5/350)، «التاريخ الكبير» لـابن أبي خيثمة، السفر الثاني (6982).

وقال ابن حبان:
[منكر] الحديث جدًّا، يروي عن أبيه ما لم يتابع عليه. «المجروحين» (2/231).

وقال أبو الحسن بن القطان:
لم تثبت عدالته، وإن كان مسلم أخرج له فغير محتج به.

يقصد أن مسلمًا لم يحتج به، وإنما أخرج له حديثًا واحدًا في المتعة متابعة، فليس على شرط مسلم، ولهذا لم يصب الحاكم عندما قال: على شرط مسلم.

ووثقه العجلي.

وقال ابن حجر في «التقريب»:
وثقه العجلي. ويظهر أنه لم يتبين له حاله، لهذا نسب التوثيق إلى العجلي، ولو ظهر له أنه ثقة أو ضعيف لحكم عليه بنفسه كعادته في «التقريب».

وقول الذهبي: ضعفه يحيى بن معين فقط، فيقال له: حسبك بـأبي زكريا معرفة بالرجال، وقد تجنب البخاري ومسلم الاحتجاج به، فإذا أتبع هذا بكلام ابن حبان وابن القطان الفاسي علم أن كلام يحيى بن معين كان في موضعه، أضف إلى ذلك أن هذا الحديث قد تجنب أصحاب الكتب الستة إخراجه بالرغم من كونه على شرط الترمذي وأبي داود، فقد أخرجا في سننهما بهذه السلسلة، حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه»، فتجنبهما تخريج هذا الحديث له دلالته.

أما تخريج ابن خزيمة في «صحيحه» فإن شرط ابن خزيمة في الصحيح معلوم وكم من حديث أخرجه في صحيحه وهو [ضعيف]، وقد خالفه تلميذه ابن حبان، فجرحه.

وما عدا العجلي وابن خزيمة فكل من قوَّى حاله هم من المتأخرين، ممن يعتمد في جرحه وتعديله على كلام الأئمة السابقين، ولم ينقلوا في توثيقهم ما يعتمد عليه من كلام الأئمة، فمعارضة كلام ابن معين باجتهاد الذهبي والنووي دون أن يسوقا حجة حملتهما على مخالفة جرح الإمام ابن معين لا يمكن قبوله فيما أرى.

وأما الإمام الترمذي فقال في حديث الأمر بالصبي لسبع سنين بأنه حديث [حسن] إشارة إلى تضعيفه كما في النسخة التي حققها بشار وأحمد شاكر، وقال في نسخة أخرى [حسن صحيح]، وقال الطوسي في «مستخرجه» (2/354)، قال: [حسن صحيح] وعليه العمل عند بعض أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق، فهو ينقل كلام الإمام الترمذي، وليس قبول تصحيح الترمذي بـأولى من قبول تضعيفه، فيتقابلان.

وهب أننا قدمنا كلام الذهبي والنووي على كلام ابن معين وابن حبان وابن القطان، وذهبنا إلى أن عبد الملك بن الربيع حسن الحديث، فإن هذا مشروط بعدم التفرد في أصلٍ، فعلة التفرد ليس في كون حديثه عن السترة، بل بالأمر بها، حيث لم يتابع عبد الملك على الأمر بـالسترة من وجه [صحيح] كما ذكرت في صدر كلامي، وبعض أهل الفضل نظر إلى أن حديثه في السترة في الصلاة، وهي مشروعة بـالإجماع فلم ير في روايته ما ينكر عليه، فذهب إلى تحسين الحديث فيقال له: كون السترة مشروعة هذا باب، وأما الأمر بها فإنه يجعل السترة واجبة وهذا باب آخر، وهو فرق مؤثر جدًّا، ولم يتابع عليه من وجه [صحيح]، وقيدت الكلام بقولي: من وجه [صحيح] احترازًا عما ورد من حديث سهل بن أبي حثمة، وأبي سعيد، فإن الأمر بـالسترة في حديثهما من قبيل [الشاذ]، و[الشاذ] لا يعتبر به، والله أعلم.

[23] «صحيح ابن خزيمة» (008).

[24] الحديث مداره على الضحاك بن عثمان، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر، واختلف فيه على الضحاك بن عثمان،

فرواه محمد بن إسماعيل بن أبي فديك كما في «صحيح مسلم» (506)، و«مسند أحمد» (2/86)، و«تهذيب الآثار» لـالطبري، الجزء المفقود (493)، و«مسند أبي العباس السراج» (388)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (374)، و«مستخرج أبي عوانة» (1387)، و«شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/461)، و«صحيح ابن حبان» (2370)، و«المعجم الكبير» لـالطبراني (12/428) ح 13573، و«مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم» (1120)، عن الضحاك بن عثمان، عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين».

وهذا هو المحفوظ من لفظه، وليس فيه الأمر بـالسترة، وهو بمعنى المرفوع من حديث أبي سعيد الخدري في «الصحيحين» دون القصة التي جرت لـأبي سعيد.

خالفه أبو بكر الحنفي، فرواه عن الضحاك بن عثمان، بالأمر بـالسترة:

رواه محمد بن بشار كما في «صحيح ابن خزيمة» (800، 820)، وعنه ابن حبان (2632، 9632)، ومحمد بن إسحاق الصَّغَاني كما في «مستدرك الحاكم» (921)، وعنه البيهقي (2/973)، وهارون بن سليمان الخزاز كما في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (532)، ومحمد بن معمر كما في «مسند البزار» (6147) أربعتهم رووه عن أبي بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان به،

ولفظ محمد بن بشار والصَّغَاني روياه بلفظ: «لا تصلِّ إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك، فإن أبى فلتقاتله فإن معه القرين».

ولفظ الخزاز: «إذا صلى أحدكم فليصلِّ إلى شيء يستره من الناس، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله».

ونحوه لفظ محمد بن معمر، رواه بلفظ: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين»، يعني الشيطان.

ولفظ مسلم هو الأقرب، وليس فيه الأمر بـالسترة، وهو أرجح من لفظ أبي بكر الحنفي، لكون لفظه قريبًا من لفظ حديث أبي سعيد المرفوع وهو في «الصحيحين» دون القصة التي جرت لـأبي سعيد، ولأن إسماعيل بن أبي فديك مدني، والضحاك بن عثمان مدني، فهو أخص من أبي بكر الحنفي العراقي، وقد يكون الحمل فيه على الضحاك بن عثمان المدني، فقد تفرد به عن صدقة بن يسار، وليس له عن صدقة بن يسار إلا هذا الحديث، ولم يضبط لفظه، وقد تكلم في حفظه بعض العلماء، ولم يخرج له البخاري شيئًا في «صحيحه»، واحتج به مسلم،

قال فيه أبو زرعة:
ليس بقوي.

وقال أبو حاتم:
يكتب حديثه، ولا يحتج به، وفي نسخة الحافظ ابن حجر زيادة: وهو صدوق، وليس في المطبوع من «الجرح والتعديل».

روى عنه يحيى القطان ولينه.

وقال يعقوب بن شيبة:
صدوق، وفي حديثه ضعف.

وقال ابن عبد البر:
كان كثير الخطأ وليس بحجة.

وقد وثقه جماعة من العلماء كـابن معين والإمام أحمد وابن المديني وأبي داود، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر: «تاريخ ابن معين» رواية الدارمي (442)، «الجرح والتعديل» (4/064)، «الثقات» لـابن حبان (8684)، «تهذيب التهذيب» (4/447)، «ميزان الاعتدال» (2/423).

[25] «صحيح مسلم» (265-015).
[26] «مسند أبي يعلى» (926).

[27] الحديث مداره على سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، واختلف على سماك في لفظه على النحو التالي:

• الأول: الثوري، عن سماك.

رواه أحمد (1/162)، عن وكيع، عن الثوري، عن سماك به، بلفظ، قال: سئل رسول الله ﷺ ما يستر المصلي؟ قال: «مثل مؤخرة الرحل».

ففي رواية الثوري وهو أثبت من روى عن سماك ثلاث فوائد:

الفائدة الأولى: ليس فيه الأمر بـالسترة.

الفائدة الثانية: أن حديث طلحة كان جوابًا عن صفة السترة، لقوله: ما يستر المصلي؟ فقال: «مثل مؤخرة الرحل»، وليس أمرًا بـالسترة.

الفائدة الثالثة: لو فرضنا أن الأمر (ليجعل أحدكم) محفوظ فهو كان جوابًا عن سؤال وقع من الصحابة، وكلام جمهور الأصوليين بأن الأصل في الأمر الوجوب إنما هو في الأمر المجرد، أما إذا كان الأمر جوابًا عن سؤال فلا تدل صيغة الأمر على الوجوب، والله أعلم.

ولم ينفرد الثوري بأن حديث طلحة كان جوابًا على سؤال، وإن كان لا يضره لو انفرد؛ لإمامته ولكونه من قدماء أصحاب سماك، فقد تابعه عمر بن عبيد الطنافسي، وروايته في مسلم وغيره كما تابعه -على أنه جواب عن سؤال- تابعه أبو الأحوص ويزيد بن عطاء من رواية أبي داود الطيالسي عنهما، عن أبي الأحوص، عن سماك.

كما تابعهم إسرائيل من رواية هناد بن السري وعبد الله بن عمر الجعفي، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك.

كما تابعهم -على أنه جواب على سؤال- تابعهم أسباط بن نصر، عن سماك، كما في «تهذيب الآثار»، ويأتي تخريج طرقهم إن شاء الله تعالى.

والأصل في الأمر الوجوب إنما ذلك في الأمر المجرد، أما إذا كان الأمر جوابًا عن سؤال لم تدل صيغته على الوجوب، فإذا سألت رجلًا، كيف أصلي صلاة الاستخارة، فقال لك: صلِّ ركعتين، فقوله لك: (صلِّ) ليس أمرًا منه لك بالصلاة، وإنما جاء الأمر جوابًا عن سؤالك، ولم يَأْتِ الأمر منه ابتداء بالفعل من غير أن يتسبب فيه المأمور، فلا يكون صريحًا في الوجوب ومنطوق حديث طلحة نفي الضرر من المرور من وراء السترة، وليس هذا محلًا للنزاع.

واختلف على الثوري فيه:

فرواه وكيع كما في «مسند أحمد» (1/162)، و«علل الدارقطني» (4/207)، عن الثوري، عن سماك به موصولًا.

تابعه عبد الرزاق من رواية أبي محمد زهير بن محمد البغدادي (ثقة)، عنه، كما في «مسند السراج» (362)، و«معجم ابن المقرئ» (797)، و«مختصر الأحكام» لـالطوسي (181-313)، و«علل الدارقطني» (4/207)، عن سفيان الثوري به موصولًا، ولفظه: «إذا كان بين يديك مثل مؤخرة الرحل لم يقطع صلاتك من مر بين يديك».

خالفهما كل من:

عبد الرزاق من رواية الدبري عنه كما في «المصنف» (2922)،

وإسحاق الأزرق كما في «الرابع من حديث أبي جعفر البختري» (299-55) (مجموع فيه مصنفات أبي جعفر البختري).

وعبد الرحمن بن مهدي كما في «تهذيب الآثار» لـالطبري (446)، ثلاثتهم رووه عن الثوري، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة مرسلًا، قال: سئل النبي ﷺ ما يستر المصلي من الدواب، قال: «مثل مؤخرة الرحل». فأرسلاه، وهذا لفظ عبد الرزاق، ولفظ الطبري يستر الرجل قدر مؤخرة الرحل.

• الثاني: عمر بن عبيد الطنافسي، عن سماك بن حرب.

كما في «صحيح مسلم» (242-499)، و«مسند أحمد» (1/161)، و«سنن ابن ماجه» (940)، و«مسند البزار» (939)، و«مسند أبي يعلى» (630)، و«تهذيب الآثار» لـالطبري (444)، و«مسند الشاشي» (5)، و«صحيح ابن خزيمة» (805، 824)، وابن حبان (2380)، و«مسند السراج» (361)، و«مستخرج أبي نعيم» (1103)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/381)، عن سماك بن حرب به، بلفظ: «كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ» [ولفظ الطبري: فسألنا رسول الله ﷺ] فقال: «مثل مؤخرة الرحل تكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضره ما مر بين يديه».

فقوله: (فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ) أي سألناه عن أثر ذلك على صلاتنا، وهو لفظ الطبري.

• الثالث: أبو الأحوص، عن سماك.

رواه أبو داود الطيالسي (228)، قال: حدثنا سلام (يعني: أبا الأحوص) ويزيد بن عطاء (هو اليشكري فيه لين)، كلاهما عن سماك به، وفيه: «ذكرنا لرسول الله ﷺ ما يمر بين أيدينا من الدواب ونحن نصلي»، فقال: «ليضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، ولا يضره ما مر بين يديه».

وهذا اللفظ فيه الاستفهام كرواية الطنافسي في مسلم، ورواية الثوري عند الإمام أحمد.

ورواه يحيى بن يحيى النيسابوري كما في «صحيح مسلم» (241-994)، وابن أبي شيبة كما في «المصنف» (2844)، وعنه مسلم (241-499)، وأبو يعلى (466)، ومن طريقه أبو نعيم في «المستخرج» (2011).

وقتيبة بن سعيد، كما في «صحيح مسلم» (241-499)، و«سنن الترمذي» (335)، و«صحيح ابن حبان» (2379)، و«مستخرج أبي نعيم» (1102)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/183)، وهناد بن السري كما في «سنن الترمذي» (533)، ومسدد كما في «الأوسط» لـابن المنذر (5/78)، وعبد الله بن عمر الجعفي (صدوق فيه تشيع) كما في «مسند السراج» (753).

ويحيى بن عبد الحميد، وسهل بن عثمان، وعبد الحميد بن صالح الْبُرْجُمِيُّ كما في «مستخرج أبي نعيم» (2011)، وعبد الله بن صالح العجلي كما في «معجم الصحابة» لـابن قانع (2/39)، كلهم رووه عن أبي الأحوص، عن سماك به، بلفظ: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك»، هذا لفظ مسلم، والبقية بنحوه.

منطوق الحديث: جواز المرور من وراء السترة إذا وضع مثل مؤخرة الرحل.

ومفهومه: أنه إذا لم يضع مثل ذلك، ومَرَّ أحد بين يديه وكان يمكنه أن يمنعه فلم يمنعه ضرَّ ذلك صلاته. فليس الحديث أمرًا بـالسترة.

• الرابع: إسرائيل، عن سماك.

رواه أحمد كما في «المسند» (1/261)، وهناد بن السَّرِي، وعبد الله بن عمر (الجعفي) كما في «مسند السراج» (359)، ثلاثتهم عن وكيع، عن إسرائيل، عن سماك به، ولفظه، قال: سئل رسول الله ﷺ ما يستر المصلي؟ قال: «مثل مؤخرة الرحل».

وهذا اللفظ موافق للفظ: الثوري، عن سماك بكون الحديث وقع جوابًا من النبي ﷺ لسؤال بعض أصحابه.

ورواه محمد بن كثير العبدي كما في «سنن أبي داود» (586)، وعبيد الله بن موسى كما في «مسند الشاشي» (4)، وابن أبي زائدة كما في «مسند أبي العباس السراج» (360)، ثلاثتهم عن إسرائيل بلفظ: «إذا جعلت بين يدك مثل مؤخرة الرحل فلا يضرك من مر بين يديك».

ولفظ ابن أبي زائدة: «إذا كان بينك وبين من يمر بين يديك مثل مؤخرة الرحل، فلا يضر من مر بين يديك».

• الخامس: زائدة بن قدامة، عن سماك.

رواه أبو يعلى في «مسنده» (629)، وعبد بن حميد في «مسنده» كما في «المنتخب» (001)، ابن الجارود في «المنتقى» (166)، وأبو العباس السراج في «مسنده» (358،)، وأبو عوانة في «مستخرجه» (1396)، والشاشي في «مسنده» (6)، وأبو نعيم في «مستخرجه» (3011).

• السادس: أسباط بن نصر، عن سماك.

رواه الطبري في «تهذيب الآثار» (445) من طريق عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن سماك به، ولفظه: كنا نصلي فيمر بين أيدينا الدواب، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «إذا كان بين يدي أحدكم مثل مؤخرة الرحل فلا يضره من مر بين يديه».

وما يخشى من خطأ أسباط بن نصر فقد تابعه على روايته عن سماك جماعة على رأسهم الثوري، وتابعه على هذا اللفظ عمر بن عبيد الطنافسي في مسلم.

وأسباط وثقه ابن معين، وتوقف فيه الإمام أحمد، وضعفه أبو نعيم، وَقَال النسََّائي: ليس بالقوي. «ميزان الاعتدال» (1/175)، ولم ينفرد فيه أسباط، وسنده صالح خاصة في المتابعات.

وقال الطبري:
وهذا خبر عندنا [صحيح] سنده. يقصد: سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه.

• السابع: شريك، عن سماك، واختلف على شريك فيه:

رواه عبد بن حميد في «مسنده» كما في «المنتخب» (103) حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شريك، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «يجزئ أحدكم أن يكون بين يديه مثل مؤخرة الرحل، لا يضر ما مر بين يديه».

خالف أبا نعيم: الفضل بن دكين، إسحاق بن يوسف الأزرق، كما في «العلل» لـابن أبي حاتم (2/489) ح 538، فرواه عن شريك، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، قال: «يستر المصلي مثل مؤخرة الرحل».

قال أبو زرعة:
حديث سماك أشبه من حديث عثمان، إلا أن يكون روى عنهما جميعًا.

وإنما كان أشبه لأن رواية شريك، عن سماك متابع عليها، بخلاف رواية شريك عن عثمان بن موهب، فلم يتابع عليها شريك، وشريك سيئ الحفظ، والله أعلم.

[28] «المصنف» (2057).

[29] في إسناده أيوب أبو العلاء القصاب، مختلف فيه:

قال فيه أحمد:
لا بأس به، وقال مرة: رجل صالح ثقة.

ووثقه النسائي وأحمد بن صالح المصري.

وقال أبو داود:
كان يتفقه، ولم يكن يجيد الحفظ للإسناد.

وذكره البيهقي في «السنن الكبرى»، وقال: [ضعيف].

وقال الدارقطني:
يعتبر به.

وقال أبو أحمد الحاكم:
في حديثه بعض الاضطراب.

وقال ابن عدي:
في حديثه بعض الاضطراب، ولم أجد في سائر أحاديثه شيئًا منكرًا، وهو ممن يكتب حديثه.

وليس لـأيوب أبي العلاء رواية عن معاوية بن قرة إلا هذا الأثر الموقوف، فهو غير معروف بالرواية عنه.

ورواه البخاري معلقًا في «صحيحه» بصيغة الجزم (1/106): قال أبو عبد الله: «ورأى عمر رجلًا يصلي بين أسطوانتين، فأدناه إلى سارية، فقال: صلِّ إليها». وهذا يشعر بقوته عنده.

وترجم له ابن أبي شيبة: باب من كان يكره الصلاة بين السواري، فلم يفهم منها الصلاة إلى السترة، ولا يظهر لي، لأنه كان يصلي منفردًا، وكراهة الصلاة بين السواري على القول بـكراهتها إنما ذلك في الجماعة لقطعها للصف.

وروى عبد الرزاق في «المصنف» (2304)، عن هشام بن حسان، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال: «رأى عمر بن الخطاب رجلًا يصلي ليس بين يديه سترة، فجلس بين يديه، قال: لا تعجل عن صلاتك، فلما فرغ، قال له عمر: إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، لا يحول الشيطان بينه وبين صلاته».

وهذا منقطع، ابن سيرين لم يدرك عمر -رضي الله عنه-.

قال ابن عبد البر:
مراسيل سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، عندهم [صحاح]. اهـ. انظر: «التمهيد» (1/ 30)؛ «جامع التحصيل» (ص 87).

وهذا اللفظ من عمر خلاف المرفوع، فإن لفظ المرفوع: «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته». فلم يأمره حتمًا بـالسترة مع تعليله بأن ابتعاده عن السترة قد يقطع به الشيطان عليه صلاته.

[30] «مواهب الجليل» (1/235).
[31] رواه البخاري (509)، ومسلم (259-505).
[32] «صحيح البخاري» (493)، و«صحيح مسلم» (254-405).
[33] «اختلاف الحديث» (8/326).
[34] «فتح الباري» (1/171).
[35] «فتح الباري» (1/175).
[36] «طرح التثريب» (2/193).
[37] «الإحكام» (1/482).
[38] «شرح القسطلاني» (1/464).
[39] «فتح الباري» لـابن رجب (4/7).

[40] الحديث رواه الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس به.

واختلف على الزهري في قوله: (إلى غير جدار).

فرواه سفيان بن عيينة كما في «صحيح مسلم» (256-504)، و«السنن المأثورة» لـالشافعي (128)، و«مسند أحمد» (1/219)، و«مسند الحميدي» (481)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (2865، 2887)، و«مسند أبي يعلى» (2382)، و«سنن الدارمي» (1455)، و«تهذيب الطبري» الجزء المفقود (495، 549)، و«سنن أبي داود» (715)، و«سنن ابن ماجه» (947)، و«المنتقى» لـابن الجارود (168)، و«مسند السراج» (376)، و«شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/951)، و«صحيح ابن خزيمة» (833)، و«مستخرج أبي عوانة» (1430)، و«مستخرج أبي نعيم» (6111)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/293).

ويونس بن يزيد، كما في «صحيح البخاري» (1857، 4412)، و«صحيح مسلم» (255-405)، و«مستخرج أبي عوانة» (1433)، و«مستخرج أبي نعيم» (1115)، وفي «حديث أبي الفضل الزهري» (61)، و«موطأ عبد الله بن وهب» (401)، وفي «الجامع» (403)، ومن طريقه الطبري في «تهذيب الآثار» الجزء المفقود (552)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/459)، وابن المنذر في «الأوسط» (5/501).

ومعمر بن راشد، كما في «مصنف عبد الرزاق» (2359)، و«صحيح مسلم» (257-504)، و«مسند أحمد» (1/365)، وفي «العلل ومعرفة الرجال» رواية عبد الله (1721)، و«سنن الترمذي» (733)، و«مستخرج أبي عوانة» (1432)، و«مسند أبي العباس السراج» (377)، و«صحيح ابن خزيمة» (438).

وابن أخي ابن شهاب كما في «صحيح البخاري» (1857)، و«مسند أحمد» (1/264)، و«حديث أبي العباس السراج» (365)، وفي «مسنده» (973).

وعبد الرحمن بن إسحاق كما في «تهذيب الآثار» لـالطبري الجزء المفقود (551)، و«حديث أبي الفضل الزهري» (36).

وقرة بن عبد الرحمن بن حيويل، كما في «معجم الأوسط» لـالطبراني (551) من طريق سويد بن عبد العزيز (ضعيف) عنه، وقرة صدوق له مناكير.

وابن سمعان (عبد الله بن زياد المخزومي) كما في «موطأ عبد الله بن وهب» (401)، وفي «الجامع» له (403)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (5/105)، وابن سمعان (متروك).

سبعتهم (ابن عيينة، ويونس، ومعمر، وابن أخي ابن شهاب، وعبد الرحمن بن إسحاق، وقرة، وابن سمعان) رووه عن الزهري به، وليس في روايتهم قوله: (يصلي إلى غير جدار).

وقد انفرد ابن عيينة ومعمر بذكر الفضل مع ابن عباس على الأتان، وشذَّ ابن عيينة بقوله: (يصلي بالناس بعرفة)، والمحفوظ أن ذلك كان في منى. وشك معمر أن ذلك في الفتح أو في حجة الوداع، والمحفوظ أن ذلك في حجة الوداع، ولم أتوجه لبحث هاتين المخالفتين؛ لأنها ليست نقطة البحث.

ورواه مالك بن أنس إمام دار الهجرة، واختلف عليه أصحابه في ذكر قوله: (يصلي إلى غير جدار).

فرواه عبد الله بن يوسف كما في «صحيح البخاري» (394)،

ومطرف بن عبد الله كما في «مسند أبي العباس السراج» (378)، وفي حديثه (463)، وإسماعيل بن أبي أويس كما في «صحيح البخاري» (67).

ويحيى بن بكير كما في «التاريخ الأوسط» لـالبخاري (496)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/387)، وفي «معرفة السنن» (3/193)، كلهم رووه عن مالك، عن ابن شهاب به، بذكر (الصلاة إلى غير جدار).

وخالفهم كل من:

يحيى بن يحيى الليثي كما في روايته لـ«الموطأ» (1/551).

وأبي مصعب الزهري، كما في روايته لـ«الموطأ» (413، 1357).

ويحيى بن يحيى النيسابوري كما في «صحيح مسلم» (254-504)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/293)، وعبد الرحمن بن مهدي كما في «مسند الإمام أحمد» (1/342)، وفي «العلل ومعرفة الرجال» (1718، 1719)، و«صحيح ابن خزيمة» (438).

ويحيى بن قزعة كما في «صحيح البخاري» (2144)، وعبد الله بن وهب كما في «موطئه» (401)، وفي «الجامع» (403)، و«مستخرج أبي عوانة» (1431)، و«شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/954).

وعبد الرحمن بن القاسم المصري، كما في «السنن الكبرى» لـالنسائي (3385)، ومعن بن عيسى، كما في «حديث أبي الفضل» لـالزهري (26)،

والإمام الشافعي كما في «السنن المأثورة» (129)، و«مسند الشافعي» (ص: 170)، وفي «اختلاف الحديث» (ص: 326).

وأحمد بن أبي بكر كما في «صحيح ابن حبان» (2151، 2393)، ثمانيتهم رووه عن مالك به، ولم يذكر أحد منهم في روايته قوله (يصلي إلى غير جدار).

ورواه عبد الله بن مسلمة القعنبي، فرواه مرة بزيادتها كما في «صحيح البخاري» (168)، و«مستخرج أبي نعيم» (4111).

ورواه بدونها كما في «سنن أبي داود» (715)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/293).

فلا شك أن أكثر الرواة عن مالك رووه بدون هذه الزيادة، لكن البخاري أخرج هذه الزيادة في «صحيحه» من ثلاثة طرق، فرواها عن عبد الله بن يوسف، وعن القعنبي في إحدى روايتيه، وهذان من كبار أصحاب مالك وكما رواها البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، ومالك خاله، وهو زوج ابنته، وله غرائب لا يتابع عليها،

لكن جاء في «مقدمة الفتح» (1/391):
«وروينا في مناقب البخاري بسند [صحيح] أن إسماعيل أخرج لـالبخاري أصوله وأذن له أن ينتقي منها، وأن يعلم له على ما يحدث به ليحدث به، ويعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه من صحيح حديثه؛ لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا إن شاركه فيه غيره، فيعتبر فيه».

ولم يذكرها مالك في «موطئه» من رواية يحيى بن يحيى الليثي، ولا من رواية أبي مصعب الزهري، ولا من رواية عبد الله بن وهب.

وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (2/387):
«وهذه اللفظة ذكرها مالك بن أنس رحمه الله في هذا الحديث في كتاب المناسك، ورواه في كتاب الصلاة دون هذه اللفظة، ورواه الشافعي رحمه الله عنه في القديم، كما رواه في المناسك، وفي الجديد كما رواه في الصلاة».

وقال ابن رجب في «شرح البخاري» (4/7):
«لا نعلم أحدًا ذكر في حديث ابن عباس: (إلى غير جدار) غير مالك، وقد خرجه في «الموطأ» في موضعين، ذكر في أحدهما هذه الكلمة، وأسقطها في الأخرى».

فلعل هذا في نسخة من «الموطأ»، ولم أقف على ذكر هذا الحرف في المطبوع من نسخ «الموطأ»، ورواه مالك في «المدونة» (1/203)، ولم يذكر هذا الحرف، فالله أعلم.

[41] «البزار» (1594).

[42] الحديث أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (2357)، ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (11/100) ح 11172.

ورواه البزار في «المسند» (4951) وابن خزيمة في «صحيحه» (839) من طريق أبو عاصم، كلاهما (عبد الرزاق، وأبي عاصم) عن ابن جريج به.

وأعله ابن خزيمة بعلتين:

• الأولى: تفرد عبد الكريم به.

• العلة الثانية: مخالفته لرواية الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، فإن عبد الكريم ذكر المرور بين يدي النبي ﷺ، وعبيد الله بن عبد الله ذكر المرور بين يدي الصف. وسيأتي إن شاء الله تعالى نقل كلامه.

وفي إسناده عبد الكريم لم ينسب، أهو الجزري [الثقة] فتكون روايته [شاذة] لمخالفته رواية عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس في «الصحيحين»، أم هو ابن أبي المخارق [المجمع على ضعفه]، فتكون روايته [منكرة].

وابن جريج قد روى عنهما كلاهما، وكلاهما قد روى عن مجاهد، فيصعب التمييز.

فنسبه الحافظ ابن رجب في «فتح الباري» (4/10) إلى الجزري.

وقال ابن الملقن في «شرح البخاري» (3/389): رجاله رجال الصحيح. وهذا يعني أنه اعتبره الجزري، وسكت عليه الحافظ ابن حجر في «الفتح»، وهذا يعني تحسين حديثه.

وأما ابن خزيمة فقال عن عبد الكريم في «صحيحه» (840):
«أهل المعرفة قد تكلموا في الاحتجاج بخبره ..». اهـ وإنما تكلم أهل العلم في ابن أبي المخارق.

وقال ابن خزيمة أيضًا (839):
«وغير جائز أن يحتج بـعبد الكريم عن مجاهد، على الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، وهذه اللفظة قد رُويت عن ابن عباس خلاف هذا المعنى». يريد أن المرور كان بين يدي الصف، لا بين يدي رسول الله ﷺ.

وهذه هي العلة الثانية عند ابن خزيمة، وهي مخالفته لرواية «الصحيحين» من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس.

وهذه رواية إمام، عن إمام، عن حبر، وأجدني أكثر ميلًا مع حكم ابن خزيمة، والله أعلم.

[43] «المسند» (1/342).

[44] رواه يزيد بن أبي حكيم كما في «مسند أحمد» (1/342).

وحفص بن عمر العدني كما في «تهذيب الآثار» لـالطبري، الجزء المفقود (471)، و«صحيح ابن خزيمة» (840)، و«المعجم الأوسط» لـالطبراني (4439).

وإبراهيم بن الحكم بن أبان كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (11/243) ح 02611، و«صحيح ابن خزيمة» (840)، ثلاثتهم عن الحكم بن أبان به.

وإسناد الإمام أحمد قوي، فإن يزيد بن أبي حكيم [صدوق]، وكذلك شيخه الحكم بن أبان، وقد تابع حفص بن عمر العدني يزيد بن أبي حكيم، وهو وإن كان [ضعيفًا] لكنه يقوي طريق يزيد بن أبي حكيم، وأما إبراهيم بن الحكم بن أبان فلا اعتبار به [لشدة ضعفه].

[45] «صحيح ابن خزيمة» (2/62).
[46] «صحيح البخاري» (501)، و«صحيح مسلم» (252-305).
[47] «صحيح مسلم» (250-305).
[48] «صحيح البخاري» (494)، و«صحيح مسلم» (245-105).
[49] «الفتح» (1/175).
[50] «المسند» (1/112).

[51] الحديث له أكثر من علة:

• العلة الأولى: أعله بعضهم بتفرد محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، باعتبار أنه لم يوثقه من المتقدمين إلا ابن حبان، ومن المتأخرين الذهبي، وقال ابن حجر: [صدوق].

وقال الذهبي:
ما علمت به بأسًا، ولا رأيت لهم فيه كلامًا، وقد روى له أصحاب السنن الأربعة فما استنكر له حديث …. اهـ

وفي «الطبقات الكبرى» لـابن سعد بتحقيق زياد بن محمد بن منصور (136): كان قليل الحديث.

وقال ابن القطان:
حاله [مجهولة]، لكن زعم أنه محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو وهم، وإنما هو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، ابن عم الحسين بن علي بن أبي طالب.

قلت: قد وثقه الدارقطني من المتقدمين إلا أنه ذكره مع جماعة من الرواة.

قال البَرْقانيِّ:
قلت لـالدارقطني: الحسين بن زيد بن علي بن الحسين، عن عبد اللهِ بن محمد ابن عمر بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي، فقال: كلهم [ثقات].

• العلة الثانية: في إسناده عباس بن عبيد الله بن عباس، وهو قليل الرواية، ما وصل إلينا من حديثه ثلاثة أحاديث تقريبًا.

وقد ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/211)، وقال: روى عنه محمد بن عمر بن علي، سمعت أبي يقول ذلك، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.

وأما البخاري في «التاريخ الكبير» (7/3)، فذكر الاختلاف في اسم أبيه، أهو عباس بن عبيد الله بن عباس قاله يحيى بن أيوب، وابن جريج، ومحمد بن عمر بن علي أم هو عباس ابن عبد الله؟ قال البخاري: والأول أكثر، ولم يتعرض لشيء آخر.

يقصد الإمام البخاري يحيى بن أيوب وابن جريج، عن محمد بن عمر.

وقد وثقه الذهبي في «الكاشف».

وذكره ابن حبان في «الثقات» (4732)، فقال:
«عباس بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم يروي عن الفضل بن عباس روى عنه أيوب وقد روى ابن جريج عن محمد بن عمر بن علي عنه».

فانفرد ابن حبان بذكر أيوب ضمن الرواة عن عباس بن عبيد الله، ونقل ذلك المزي وابن حجر في «التهذيب»، ولم أجد أحدًا تابع ابن حبان على ذكر أيوب، إلا المزي وابن حجر وهما ينقلان عنه، ولم أقف حسب البحث في الحاسوب على سند، ولو ضعيفًا يروي فيه أيوب السختياني عن عباس بن عبيد الله، وحديثه هذا ثالث ثلاثة، فأخشى أن يكون ذكر أيوب وهمًا، فإن صح فإن أيوب كما قيل: لا يروي إلا عن [ثقة].

وقال الشيخ ياسر آل عيد في «فضل الرحيم الودود» (8/89):
«وأظن قولَ ابن حبان: (روى عنه أيوب) خطأً نشأ عن سقط وقع له في نسخة «التاريخ الكبير»، والذي كان ينقل منه».

وقال ابن حجر: [مقبول]، أي في المتابعات إشارة إلى تليين ما ينفرد به.

• العلة الثالثة: الانقطاع بين عباس وبين عمه الفضل بن عباس، قال ابن حزم: هذا [باطل]، والعباس بن عبيد الله لم يدرك عمه الفضل، ونقل ذلك ابن حجر في «التهذيب» (5/321)، وقال: وهو كما قال. وانظر: «تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل» (ص: 961).

• العلة الرابعة: الاختلاف في إسناده ولفظه، فقد رواه ابن جريج، ويحيى بن أيوب:

أما رواية ابن جريج، فقد اختلف عليه في إسناده:

• فرواه حجاج بن محمد كما في «مسند أحمد» (1/211)، و«مسند أبي يعلى» (6726)، و«المجتبى من سنن النسائي» (753)، و«السنن الكبرى» له (831)، و«تهذيب الآثار» لـالطبري الجزء المفقود (496)، و«الأوسط» لـابن المنذر (5/106)، و«السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/394)، والمزي في «تهذيب الكمال» (14/231)، فرواه عن ابن جريج، عن محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس.

• وتابع حجاجًا أبو عاصم الضحاك بن مخلد كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (18/294) ح 754، و«شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/459)، و«سنن الدارقطني» (6831).

وقد روى الشيخان جملة من الأحاديث من رواية أبي عاصم عن ابن جريج.

• وخالفهما كل من:

عبد الرزاق كما في «مصنفه» (2358)، وعنه أحمد (1/212)، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في «الكبير» (18/294) ح 755، فرواه عن ابن جريج، عن محمد بن عمرو بن علي، عن الفضل بن عباس بإسقاط عباس بن عبيد الله بن عباس.

وتابع عبد الله عبد الرزاق كما في «مسند مسدد» نقلًا من «إتحاف الخيرة المهرة» (7461)، فرواه عن ابن جريج، عن عمر بن محمد بن علي (هكذا في المطبوع والصواب: محمد بن عمرو بن علي)، عن الفضل بن عباس به بنحوه.

وسواء أكان عبد الله هو ابن المبارك أم ابن داود الخريبي فالمدار على [ثقة].

هذا هو الاختلاف على ابن جريج، والسؤال: أيجعل طريق ابن جريج مضطربًا لكون الذين اختلفوا على ابن جريج ثقات أثبات، أم يمكن الترجيح؟

احتمال الحكم باضطراب ابن جريج فيه قوي، وإن كنت أميل إلى ترجيح ما رواه حجاج بن محمد؛ لأنه أثبت أصحاب ابن جريج، وإن كان عبد الرزاق ثبت في ابن جريج إلا أنه لا يقدم على المصيصي أحد في ابن جريج.

جاء في «شرح علل الترمذي» (2/682):
«قال يحيى بن معين: قال لي المعلى الرازي: قد رأيت أصحاب ابن جريج بالبصرة، ما رأيت فيهم أثبت من حجاج بن محمد. قال يحيى: وكنت أتعجب منه، فلما تبينت ذلك إذا هو كما قال: كان أثبتهم في ابن جريج».

وقد تابع حجاجًا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج، في ذكر عباس بن عبيد الله، كما تابع ابن جريج على ذكر عباس يحيى بن أيوب المصري، وهو وإن كان لم يضبط لفظه لكونه [صدوقًا سيئ الحفظ]، لكنه لم يختلف عليه في إسناده، هذا ما يخص طريق ابن جريج.

وأما رواية يحيى بن أيوب المصري:

فرواها عنه ثلاثة، الليث بن سعد، وسعيد بن أبي مريم، ومعاذ بن فضالة.

أما رواية الليث:

فرواها أبو داود في «السنن» (718)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/394)، والبغوي في «شرح السنة» (2/460)، عن يحيى بن أيوب، عن محمد بن عمر ابن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال:
«أتانا رسول الله ﷺ، ونحن في باديةٍ لنا، ومعه عباس، فصلى في صحراءَ ليس بين يديه سترة، وحمارةٌ لنا وكلبةٌ يعبثان بين يديه، فما بالى ذلك».

وقد انفرد يحيى بن أيوب من رواية الليث عنه بنفي السترة.

ولم يذكر ذلك يحيى بن أيوب في رواية سعيد بن أبي مريم ومعاذ بن فضالة عنه، كما لم يذكر ذلك ابن جريج، عن محمد بن عمر، فهي زيادة [شاذة].

وأما رواية سعيد بن أبي مريم:

فرواها الطبراني في «الكبير» (18/295) ح 756، عن يحيى ابن أيوب به، بلفظ: «أتى رسول الله ﷺ عباسًا في بادية لنا، فصلى العصر، وبين يديه كلبة لنا أو حمارة لنا، فلم ينهها ولا نؤخرها».

قوله: (كلبة لنا أو حمارة لنا) هكذا شك يحيى بن أيوب من رواية سعيد بن أبي مريم عنه، وقد جمعهما بلا شك من رواية الليث، ومعاذ بن فضالة عنه.

وأما رواية معاذ بن فضالة:

فرواه الدارقطني في «السنن» (1388) بلفظ: «كان أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية لنا فصلى بنا العصر وبين يديه كليبة وحمار لنا فما نَهْنَهَهُمَا، وما ردهما».

وقد انفرد يحيى بن أيوب بذكر صلاة العصر، من رواية سعيد بن أبي مريم ومعاذ بن فضالة عنه، ولم يذكر ذلك يحيى بن أيوب من رواية الليث، كما لم يذكر ذلك ابن جريج.

وهذا الاختلاف في لفظه جاء من قبل سوء حفظ يحيى بن أيوب، وإن كان لم يختلف عليه في إسناده كما اختلف على ابن جريج.

وتبقى علة الانقطاع في هذا الحديث علة لا ينازع فيها أحد في إسناد هذا الحديث، وتفرد يحيى بن أيوب في نفي السترة، زادها الليث عن يحيى بن أيوب، ولم يذكرها يحيى بن أيوب من رواية سعيد بن أبي مريم، ومعاذ بن فضالة، والله أعلم.

وقد ذكر ابن حزم الحديث في «المحلى» (2/326)، وقال: هذا [باطل]، والعباس بن عبيد الله لم يدرك عمه الفضل. اهـ ونقل ذلك ابن حجر في «التهذيب» (5/123)، وقال: وهو كما قال.

كما ضعف الحديث عبد الحق في «أحكامه الكبرى» (2/162)، وقال: لا تقوم به حجة.

وقال ابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (3/354):
«وهو كما ذكر [ضعيف]، فإنه من رواية ابن جريج، عن محمد بن عمر بن علي، عن عباس بن عبيد الله بن عباس، عن الفضل ابن عباس، وعباس هذا لا تعرف حاله، ولا ذكر بأكثر من رواية محمد بن عمر هذا عنه، وروايته هو عن الفضل».

واختلف قول أحمد كما في «فتح الباري» لـابن رجب (4/133)، فمرة قال: حديث أبي ذر يخالفه، ولم يعتد به، نقله عنه علي بن سعيد.

ومرة عارض به حديث أبي ذر، وقدمه عليه، نقله عنه الحسن بن ثواب. اهـ

والمشهور عن أحمد أنه عارض حديث أبي ذر باعتراض عائشة في قبلة النبي ﷺ، وهو يصلي من الليل، ولو فرض أنه ذكر مثل هذا الحديث فهو ذكره على سبيل التبع، فمثل هذا الإسناد لا يمكن لمثل مقام الإمام أحمد أن يعارض به حديث أبي ذر، وقد نقل عنه تصحيحه، ورواه مسلم في «صحيحه».

وقال النووي:
رواه أبو داود بإسناد [حسن]. «خلاصة الأحكام» (3/521)، «المجموع» (3/152).

[52] «المسند» (6/993).

[53] هذا الإسناد له أكثر من علة:

• الأولى: أن كثير بن كثير لم يسمعه من أبيه، كما صرح في ذلك كثير نفسه عندما سأله سفيان ابن عيينة، وسيأتي بيان ذلك حين تخريج رواية سفيان.

• الثانية: أن كثير بن المطلب والد كثير، ذكره ابن حبان في «الثقات»، ولم يوثقه غيره،

قال المعلمي في «رسالة مقام إبراهيم» (ص: 178):
«[مجهول الحال]، ولا يخرجه عن ذلك ذكر ابن حبان له في «الثقات» على قاعدته التي لم يوافقه عليها الجمهور». وانظر: «آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي» (1/125).

وفي «التقريب»: [مقبول]، يعني حيث يتابع، وإلا [فلين].

• العلة الثالثة: أنه قد اختلف فيه على كثير بن كثير:

فقيل: عن كثير، عن أبيه، عن جده.

رواه ابن جريج، واختلف عليه:

• فرواه يحيى بن سعيد القطان كما في «مسند أحمد» (6/399)، و«المجتبى من سنن النسائي» (2959)، وفي «الكبرى» له (3939)، و«صحيح ابن حبان» (2363)، و«صحيح ابن خزيمة» (815)، و«مستدرك الحاكم» (339)،

وعيسى بن يونس، كما في «المجتبى من سنن النسائي» (758)، وفي «الكبرى» له (638)، و«تهذيب الآثار» الجزء المفقود (555).

ويحيى بن سعيد الأموي، كما في «تهذيب الآثار» الجزء المفقود (558)، و«معجم الصحابة» لـابن قانع (3/101)، وذكره الدارقطني في «العلل» (14/24)،

وسفيان بن عيينة، كما في «مسند أحمد» (6/399)، و«المجتبى من سنن النسائي» (758)، وفي «الكبرى» (3953)، وفي «شرح معاني الآثار» (1/461)، وفي «مشكل الآثار» (2608)، أربعتهم رووه عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده المطلب بن أبي وداعة.

• ورواه أبو عاصم الضحاك كما في «التاريخ الكبير» لـالبخاري (1941)، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي، عن أبيه وذكر أعمامه، عن المطلب بن أبي وداعة.

• ورواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن ابن جريج، واختلف عليه:

فرواه ابن أبي شيبة كما في «المصنف» (15040)، وعنه ابن ماجه في «السنن» (2958)، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده كرواية الجماعة عن ابن جريج.

ورواه ابن نمير: محمد بن نمير، عن أبي أسامة، واختلف عليه:

فرواه أبو يعلى في «مسنده» (6875) حدثنا ابن نمير، حدثنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن أبيه المطلب. كرواية الجماعة، عن ابن جريج.

ورواه ابن الأثير في «أسد الغابة» (1534)، حدثنا أبو الفضل بن الحسن الطبري بإسناده، إلى أبو يعلى، حدثنا ابن نمير، حدثنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، وغير واحد من أعيان بني المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة.

والموجود في مسند أبي يعلى ليس فيه ذكر لأعيان بني المطلب كرواية الجماعة عن ابن جريج فتأمل.

• كما رواه الليث بن سعد، عن ابن جريج، واختلف عليه:

فرواه عبد الله بن عبد الحكم المصري كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (20/289) ح 386، أخبرنا الليث بن سعد، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وداعة، كرواية الجماعة.

ورواه عبد الله بن صالح كاتب الليث، واختلف عليه:

فرواه المطلب بن شعيب الأزدي كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (20/289) ح 386، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن ابن جريج به، كرواية الجماعة.

ورواه علان بن المغيرة كما في «الأوسط» لـابن المنذر (5/92)، حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن غير واحد من أعيان بني المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة به بنحوه. وعلان [ثقة]، والحمل فيه على عبد الله بن صالح كاتب الليث، فإنه [كثير الغلط].

• ورواه حماد بن زيد، عن ابن جريج، واختلف فيه على حماد:

فرواه محمد بن أبي بكر المقدمي، عن حماد، واختلف على المقدمي:

فرواه أحمد بن داود المكي كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (20/290) ح 486،

ويوسف بن يعقوب القاضي، ذكر ذلك الدارقطني في «العلل» (14/43)، كلاهما عن المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، عن ابن جريج، حدثني كثير بن كثير بن المطلب، عن أبيه، حدثني أعيان المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة به بنحوه.

وخالفهما معاذ بن المثنى ذكر ذلك الدارقطني في «العلل» (14/43)، فرواه عن المقدمي، عن حماد بن زيد، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، قال: حدثني أعيان بني المطلب، عن المطلب. فأسقط والد كثير بن كثير. ورواية الجماعة عن ابن جريج مقدمة على رواية حماد.

• وقيل: عن حماد بن زيد، حدثنا عمرو بن دينار، عن عباد بن المطلب، عن المطلب بن أبي وداعة أنّ النبي ﷺ كان يصلي حيال الركن عند السقاية، والرجال والنساء يمرون بين يديه.

أخرجه الطبراني في «الكبير» (20/290) ح 686، حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني،

وابن قانع في «معجم الصحابة» (3/100) حدثنا محمد بن بشر أخو خطاب، كلاهما عن أحمد ابن حاتم بن عيسى (وفي معجم الصحابة: أحمد بن حاتم بن مَخْشِيٍّ)، حدثنا حماد بن زيد به. وفي معجم الصحابة قال: (عثمان بن المطلب) بدل من (عباد بن المطلب)، وما في الطبراني أصح، وهو موافق لما في علل الدارقطني.

قال الدارقطني في «العلل» (14/43):
«وهو [غريب] من حديث عمرو بن دينار، لا أعلم من جاء به عنهم غير أحمد بن حاتم، عن حماد بن زيد».

وأحمد بن حاتم ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/48)، وقال: روى عنه أبو زرعة، وقد قال الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» (2/416) متعقبًا ابن القطان الفاسي حين حكم على أحد الرواة بالجهالة، فقال: بل هو [ثقة]، فمن عادة أبي زرعة أن لا يحدث إلا عن ثقة. اهـ

وتعقب بأنه قد وجد في شيوخ أبي زرعة ضعفاء كـغسان بن مالك، قال فيه أبو حاتم: أتيته فلم يُقْضَ لي السماع منه، و[ليس بقوي]، بين في حديثه الإنكار، وقال العقيلي [مجهول بالنقل]، ولا يعرف إلا به، ولا يتابع عليه.

ومثل هذه الإطلاقات تقبل في الجملة، كما قالوا: من روى عنه مالك فهو [ثقة]، ثم قيدوا ذلك بأهل بلده، ولا يمنع أن يشذ عن هذا قليل أو نادر.

وعباد بن المطلب [فيه جهالة].

هذا هو الاختلاف على ابن جريج، والأصح من هذا الخلاف، ما رواه يحيى بن سعيد القطان وابن عيينة، وعيسى بن يونس، عنه، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده.

وتابع ابن جريج من هذا الوجه، كل من:

• الأول: زهير بن محمد، عن كثير بن كثير.

رواه ابن عاصم في «الآحاد المثاني» (814)، وابن حبان (2364)، والطبراني في «الكبير» (20/290) ح 687، من طريق الوليد بن مسلم.

والطبري في «تهذيب الآثار» (557) من طريق عمرو بن أبي سلمة، كلاهما عن زهير بن محمد، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وداعة -رضي الله عنه- قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي حذو الركن الأسود والرجال والنساء يطوفون بين يديه ما بينهم وبينه سترة..».

ورواية أهل الشام عن زهير متكلم فيها، والوليد بن مسلم وعمرو بن أبي سلمة التنيسي شاميان. قال أحمد: روى -يعني: عن عمرو بن أبي سلمة– عن زهير أحاديث [بواطل]، كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله، فغلط فقلبها عن زهير.

وقد حدث زهير في الشام من حفظه، فغلط، وخلط.

• الثاني: سالم بن عبد الله الخياط، عن كثير بن كثير.

رواه الطبراني في «الكبير» مقرونًا برواية زهير (20/290) ح 687، حدثنا كثير بن كثير، عن أبيه، حدثني المطلب بن أبي وداعة … وذكر الحديث.

وسالم [سيئ الحفظ].

• الثالث: عبد الملك ابن عم المطلب بن أبي وداعة، كما في «التاريخ الكبير» (8/7)، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده بنحوه. وعبد الملك [فيه جهالة].

• الرابع: عمر بن قيس (سندل)، عن كثير بن كثير.

رواه عبد الرزاق في «المصنف» (2387)، ومن طريقه الطبراني في «الكبير» (20/288)، عنه، عن كثير بن كثير، عن أبيه به.

وسندل رجل [متروك].

• الخامس: محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، كما في «المعجم الكبير» لـالطبراني (20/982) ح 682، عن كثير بن كثير، عن أبيه به. ومحمد بن عبد الله بن عبيد [متروك].

فلم يتابع ابن جريج في روايته عن كثير عن أبيه إلا رجل متكلم فيه أو رجل متروك، ولو رواه ثقة متابعًا لـابن جريج لكان الحمل فيه على كثير بن كثير، وقد خرج كثير بن كثير من عهدته حين صرح أنه لم يسمعه من أبيه.

وقيل: عن كثير بن كثير، عن بعض أهله، عن جده.

رواه سفيان بن عيينة، واختلف على سفيان:

• فرواه عبد الرزاق كما في «المصنف» (2388، 2389)، ومن طريق عبد الرزاق الطبراني في «الكبير» (20/289) ح 681، عن ابن عيينة، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده. كرواية ابن جريج من رواية الجماعة عنه.

ويظهر أنه دخل عبد الرزاق روايته عن ابن جريج بروايته عن سفيان بن عيينة، فقد خالف عبد الرزاق كل من:

• الأول: الإمام أحمد كما في «المسند» (6/399)، و«العلل» (5941)، و«سنن أبي داود» (6102)، وفي «سؤالاته للإمام أحمد» (1856).

• الثاني: الحميدي كما في «مسنده» (588)، وعنه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (2/207)، و«معجم الصحابة» لـابن قانع (3/101).

• الثالث: علي بن المديني، كما في «السنن الكبرى» لـالبيهقي (2/783).

• الرابع: الإمام الشافعي، كما في «اختلاف الحديث» (8/623)، و«معرفة السنن والآثار» (3/491).

• الخامس: هارون الحمال كما في «مسند أبي يعلى» (3717).

• السادس: أبي بكر بن أبي شيبة في «المصنف» (93051).

• السابع: إبراهيم بن بشار كما في «شرح معاني الآثار» لـالطحاوي (1/461)، وفي «المشكل» (8062).

• الثامن: يونس بن عبد الأعلى كما في «شرح معاني الآثار» (1/461)، وفي «مشكل الآثار» (7062).

• التاسع: محمد بن أبي عمر كما في «أخبار مكة» لـالفاكهي (1321).

• العاشر: سعدان بن نصر كما في «سنن البيهقي الكبرى» (2/783).

• الحادي عشر: أبي الوليد: أحمد بن محمد الأزرقي كما في «أخبار مكة» لـالأزرقي (2/76)، كلهم رووه عن سفيان، عن كثير بن كثير، عن بعض أهله، عن جده.

وفي رواية أحمد بن حنبل، والحميدي، وعلي بن المديني، وإبراهيم بن بشار: قال سفيان (يعني ابن عيينة): وكان ابن جريج حدثنا أولًا عن كثير، عن أبيه، عن المطلب، فلما سألته عنه قال: ليس هو عن أبي إنما أخبرني بعض أهلي أنه سمعه من المطلب.

فكشف سفيان علة الحديث، وأن إسناده [ضعيف]؛ لأن كثير بن كثير يرويه عن بعض أهله، وهم غير معروفين، والله أعلم.

قال الدارقطني في «العلل» (14/43): وقول ابن عيينة أصحها.

وقال البيهقي في «السنن» (2/387): ورواية ابن عيينة أحفظ.

وقال علي بن المديني كما في «سنن البيهقي» (2/387): قول كثير لم أسمعه من أبي شديد على ابن جريج، قال أبو سعيد: عثمان بن سعيد: يعني ابن جريج لم يضبطه.

وقال ابن رجب في «فتح الباري» (4/642):
«وقد تبين برواية ابن عيينة هذه أنها أصح من رواية ابن جريج، ولكن يصير في إسنادها من لا يعرف».

والحديث [ضعيف]، سواء رجحنا رواية ابن جريج، أم رجحنا رواية ابن عيينة،

فعلة رواية ابن جريج: أن كثير بن كثير لم يسمعه من أبيه، وأبوه لم يوثقه إلا ابن حبان، وفي «التقريب»: [مقبول]، أي حيث يتابع، ولم يتابع.

وقول الحافظ ابن حجر في «الفتح» (1/576) عن طريق ابن جريج: «رجاله [موثقون؛ إلا أنه معلول]» يخالف حكمه على كثير بن المطلب بن أبي وداعة في «التقريب»، بأنه [مقبول]، وهي عبارة دالة على تليين الراوي، فكيف يقال عنه: [ثقة].

وعلة رواية ابن عيينة: أن كثيرًا يرويه عن بعض أهله، وهم لا يعرفون، والله أعلم.

هذان أشهر طرق هذا الحديث.

[54] انظر: «فتح الباري» لـابن رجب (4/54).
[55] «نيل الأوطار» (3/21).
[56] «صحيح البخاري» (7299)، و«صحيح مسلم» (57-3011).
[57] «صحيح البخاري» (5063)، و«صحيح مسلم» (5-1041).
[58] انظر: «المسودة في أصول الفقه» (ص: 86).
[59] «تهذيب الآثار» (805).

[60] ومن طريق شعبة أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/345).

ورواه عبد الله بن الإمام أحمد في «زوائده على المسند» (1/72) من طريق سويد بن سعيد، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن أبيه به. وسويد بن سعيد وإن كان [فيه كلام]، لكن تابعه شعبة، وباقي رجاله [ثقات].

ورواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/464) من طريق عبد الله بن صالح، حدثني بكر ابن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير: أن بشر بن سعيد، وسليمان بن يسار، حدثاه أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثهما أنه كان في صلاة، فمر به سليط بن أبي سليط، فجذبه إبراهيم فخر فشج. فذهب إلى عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فأرسل إلي، فقال لي: ما هذا؟ فقلت: مر بين يدي، فرددته؛ لئلا يقطع صلاتي. قال: ويقطع صلاتك؟! قلت: أنت أعلم، قال: إنه لا يقطع صلاتك.

وعبد الله بن صالح كاتب الليث [صدوق كثير الغلط]، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة، وفي إسناده بشر بن سعيد الكندي، ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (2/75)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/358)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (4/70)، فهذا سند صالح في المتابعات.

ولم يتفرد بقوله: (إن الصلاة لا يقطعها شيء) فهذا ثابت عن عثمان بن عفان بسند آخر، سآتي على ذكره في آخر البحث.

وروى عبد الرزاق (2362)، عن ابن جريج قال: أراد رجل أن يجيز أمام حميد بن عبد الرحمن ابن عوف، فانطلق به إلى عثمان، فقال للرجل: ما يضرك لو ارتددت حين ردك؟ ثم أقبل على حميد، فقال له: ما ضرك لو أجاز أمامك؟ إن الصلاة لا يقطعها شيء إلا الكلام والأحداث.

قال عبد الرزاق: ذكره ابن جريج، عن محمد بن يوسف، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، إلا أن محمد بن يوسف أخطأ في صاحب القصة، حيث ذكر أنها وقعت لـحميد، وقد روى سعد بن إبراهيم أنها وقعت لأبيه إبراهيم بن عبد الرحمن، وأهل بيت الرجل أعلم من غيره، وقد تابعه على ذلك بشر بن سعيد، وسليمان بن يسار، والخطب يسير، فالخطأ في صاحب القصة لا يعود بالضعف على القصة نفسها.

[61] «المصنف» (2884)، انظر تخريجه في مبطلات الصلاة، المجلد الثاني عشر: (ث-075).
[62] «مصنف ابن أبي شيبة» (7578).
[63] «تهذيب الآثار» لـالطبري الجزء المفقود (715).
[64] «تهذيب الآثار» لـالطبري (615).
اختلف فيه على ابن جريج:

• فرواه يحيى بن سعيد الأموي كما في «تهذيب الآثار» لـالطبري الجزء المفقود (615)، وأبو معاوية كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (15038)، وابن المنذر في «الأوسط» (5/104) عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار.

• وخالفهما عبد الرزاق في «المصنف» (2386) فرواه عن ابن جريج، قال: أخبرني أبي، عن ابن أبي عمار (في المطبوع: عن أبي عامر) قال: «رأيت ابن الزبير يصلي في المسجد، فتريد المرأة أن تجيز أمامه، وهو يريد السجود، حتى إذا هي أجازت سجد موضع قدميها».

وعبد الرزاق مقدم في ابن جريج على غيره، وقد أثبت واسطة بين ابن جريج وابن أبي عمار، والله أعلم.

وعبد العزيز بن جريج [فيه لين]، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه.

لكنه قد صح عن ابن الزبير من غير طريق ابن جريج.

[66] «موطأ مالك» برواية يحيى بن يحيى الليثي (1/157)، وبرواية أبي مصعب الزهري (914).
[67] ورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (2871) حدثنا عبد الله بن إدريس، عن هشام به.
[68] «المصنف» (2782).
[69] «المصنف» (9682).
[70] «المصنف» (7682).
[71] سبق تخريجه في أدلة القول الأول، انظر: (ح-4412).
[72] رواه البخاري (509)، ومسلم (259-505).
[73] «الإفصاح» (2/091).
[74] «الصحاح» (5/4412).
[75] «صحيح مسلم» (242-994).

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *