موقع الشيخ دبيان الدبيان

الموقع الرسمي للشيخ دبيان الدبيان يعنى بالبحوث الفقهية المؤصلة، والنوازل المستجدة، وتحريرها وفق الأصول الشرعية المنضبطة، تحريرًا فقهيًا حديثيًا أصوليًا مقاصديًا.

حكم غسل اليد قبل إدخالها الإناء

📌 مدخل في ذكر الضوابط الفقهية

الأصل في الأمر الوجوب، وفي النهي التحريم إلا لقرينة، ومن القرائن:
كل غسل لا يوجبه حدث ولا نجس لا يكون واجبًا كسائر الأغسال.
الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، خاصة إذا كان الأصل مستصحبًا، وهو طهارة اليد.
النوم إن كان حدثًا فهو بمنزلة البول، أو كان مظنة للحدث فهو بمنزلة لمس الفرج، وهما لا يوجبان غسل اليد قبل إدخالها الإناء، فكذلك القيام من النوم.
إيجاب الغسل بعلة مبيت الشيطان على يده لا يصح؛ لأنه لا ذكر للشيطان في الحديث، ولا يتأتى القياس على الخيشوم لكون مثل هذا يحتاج إلى توقيف، وعلى التسليم بصحة القياس فإن الاستنثار ثلاثًا بعد القيام من الليل ليس بواجب، فكذلك هنا.

اختلف الفقهاء في: حكم غسل يد الرجل إذا قام من نومه قبل إدخالها الإناء:

فقيل: سنة.

وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد[1].

وقيل: غسلها ثلاثًا واجب.

وإليه ذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه[2]، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن حزم [3]، والحسن البصري[4].

دليل الجمهور على كون الغسل سنة:
الدليل الأول

قوله تعالى: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ [المائدة: 6].

الدليل الثاني

ما رواه مسلم، من طريق شعبة، عن جامع بن شداد، عن حمران بن أبان، أن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ:
«من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى، فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن»[5].

وجه الاستدلال من الآية والحديث

أن آية المائدة وحديث عثمان: «من أتم الوضوء كما أمره الله» لم يقدم فيهما على الوجه فرضًا، فلو كان غسل اليد فرضًا لقدم ذكره، والله أعلم.

وأجيب:

لا خلاف في أن غسل اليدين للوضوء من سنن الوضوء، ولكن غسلها لمن قام من الليل لا يتعلق بالوضوء فقط، وإنما هو لمن أراد غمسها في الإناء سواء كان لوضوء أم لغيره.

ورد هذا الجواب:

إذا كان غسل اليدين في الطهارة الصغرى والكبرى ليست واجبة، فغسلها للنظافة أبعد عن الوجوب؛ لأن غسل اليد لا يخرج عن ثلاثة أمور، إما عن حدث، كما في غسل اليد بعد غسل الوجه، وهذا من فروض الوضوء، وإما عن نجاسة، فهذا يجب غسلها مرة واحدة تذهب بعين النجاسة، وإما للنظافة، فلا يتعلق بها وجوب، والأصل في تنظيف اليد الإباحة إلا أن يغلب عليها جانب التعبد كالعدد في النظافة فهذا يلحقها بـ المستحبات.

الدليل الثاني

طهارة اليد متيقنة، ونجاسة اليد مشكوك فيها لقوله ﷺ: «فإنه لا يدرى أين باتت يده»، فالوجوب يتعلق بالعلم وليس بالشك، وقد كانت اليد طاهرة قبل النوم فيستصحب ذلك، لأن الشك بمجرده لا يقضي على اليقين، فدل ذلك على أن النهي عن غمسها ليس للتحريم، وأن غسلها مستحب وليس بواجب.

قال ابن دقيق العيد:
«الأمر -وإن كان ظاهره الوجوب– إلا أنه يصرف عن الظاهر لقرينة ودليل، وقد دل الدليل، وقامت القرينة ههنا؛ فإنه ﷺ علل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجودًا. والأصل: الطهارة في اليد، فلتستصحب»[6].

ويجاب:

أن هذا توجيه يصح لو كانت العلة في النهي عن غمس اليد هي نجاسة اليد.
أما من يرى أن العلة تعبدية، أو أن العلة كما ذكر ابن تيمية وابن القيم: هي مبيت الشيطان على يده أو مبيتها عليه فلا يصح هذا الاستدلال.

ولو كانت العلة في الغسل النجاسة، لأرشد الرسول ﷺ إلى غسلها مرة واحدة، ألا ترى إلى دم الحيض يصيب الثوب، أرشد الرسول ﷺ إلى غسله مرة واحدة غسله تذهب بعين النجاسة مع أن نجاسته متيقنة، فكيف بالنجاسة المتوهمة.

وسوف نناقش العلة من غسل اليد قبل إدخالها في الإناء في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى، والقول بأن غسلها من أجل مبيت الشيطان عليها قياسًا على مبيته على الخيشوم قول ضعيف؛ حيث لم يذكر الشيطان مطلقًا في غسل اليد، ومثل ذلك لا يقال بالرأي، ولا بالقياس، والله أعلم.

الدليل الثالث

لما أرشد الرسول ﷺ إلى غسل اليد ثلاث مرات قبل غمسها في الإناء علم أنه ليس بواجب إذ لو كان واجبًا لكفى فيها غسلة واحدة. قياسًا على دم الحيض.

وأجيب:

بأن الذين قالوا بـ الوجوب لم يعللوا غسلها بالنجاسة، على أن العدد قد ورد حتى في إزالة النجاسة كالاستجمار والتسبيع في ولوغ الكلب.

ويجاب:

بأن العدد لم يقتضيه القياس، وإنما النص، فهو لم يرد إلا في غسل نجاسة الكلب، ونجاسة الكلب مستثناة من بين سائر النجاسات، في وجوب التسبيع والتتريب ولو أنقت الغسلة الأولى، ولهذا لم يجب العدد في غسل نجاسة دم الحيض.

وأما التثليث في الاستجمار فلأن الحجر ليس كالماء في قوة التطهير لكونه لا ينقي غالبًا فكان اشترط العدد للعفو عن يسير النجاسة المتبقية على المحل، وليس ذلك واجبًا في الاستنجاء بالماء.

الدليل الرابع

ما رواه مسلم من طريق عبدالعزيز -يعني: الدراوردي- عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
«إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثر ثلاث مرات؛ فإن الشيطان يبيت على خياشيمه»، ورواه البخاري[7].

وجه الاستدلال

إذا كان الاستنثار سنة بالإجماع بعد القيام من النوم، فكذلك غسل اليدين بعد القيام من النوم، وقبل غمسهما في الإناء ليس بواجب.

دليل الحنابلة على الوجوب:

ما رواه مسلم من طريق خالد، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال:
«إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده». وهو في البخاري دون قوله: ثلاثًا [8].

وجه الاستدلال

أن الحديث نهى عن غمس اليد بعد الاستيقاظ إلا بعد غسلها ثلاثًا، والأصل في النهي التحريم إلا لصارف، ولا صارف هنا.

ونوقش هذا:

بأن هناك صارفًا عن الوجوب، بل أكثر من صارف، وهما:

الأول: أن الأمر معلل بكونه لا يدري، الوجوب إنما يتعلق بالعلم وليس بالشك، وقد تقدم التنبيه على هذا.

الثاني: أن اليد طاهرة، وغسلها لم يشرع من أجل حدث أو خبث، والتثليث في غسل اليد مشعر بغلبة التعبد؛ إذ لو كان عن نجاسة لكفى فيها غسلة واحدة، وغسل الطاهر في غير الحدث لا يلحق بـ الواجبات وإنما بـ المستحبات.

الراجح:

أن غسل اليد سنة، وليس بواجب، والله أعلم.


الفرع الثاني: في التماس العلة في غسل اليد قبل إدخالها الإناء

📌 مدخل في ذكر الضوابط الفقهية

غسل اليد قبل إدخالها الإناء، هل هو تعبدي للتفريق بين نوم الليل ونوم النهار، وهو غير معقول المعنى، ولغسلها ثلاثًا، والنجاسات يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها؟ أو أن الحكم معقول المعنى لظاهر التعليل بقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده»؟
التعليل بأن الغسل لمبيت الشيطان على يده لا يصح؛ لأنه لا ذكر للشيطان في الحديث، ولا يتأتى القياس على الخيشوم لكون مثل هذا يحتاج إلى توقيف، والخيشوم طريق إلى قلب الآدمي وجوفه بخلاف اليد، فإنها عضو خارجي كسائر الأعضاء.
إذا تيقن المسلم طهارة اليد فهل يؤمر بغسلها؟

وللجواب على ذلك نقول: هذا يرجع إلى الخلاف في علة الأمر بغسلها، فإن كان غسلها لتوهم النجاسة لم يؤمر بغسلها إذا تيقن طهارتها، وإن كانت العلة غير النجاسة كان مأمورًا بغسلها، لهذا اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:

فقيل: لا يسن غسلها، بل يغمسها بدون غسل.

اختاره بعض الحنفية[9].

وقيل: يسن مطلقًا، وتقييده بالمستيقظ بالحديث لا ينافي غيره.

وهذا مذهب الحنفية، والمالكية[10].

وقيل: هو بالخيار، إن شاء غسل يده قبل غمسها، وإن شاء غمس يده، ولو لم يغسلها.

وهذا مذهب الشافعية[11].

وقيل: يجب غسلها حتى ولو كانت يده في جراب، أو كانت مكتوفة.

وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة[12].

وسبب اختلافهم في هذه المسألة اختلافهم في علة الأمر بغسل اليد:
فقيل: إن العلة هي الشك في نجاسة اليد، حتى قيد بعض الحنفية حديث النهي عن غمس اليد في الإناء حتى يغسلها بما إذا نام مستنجيًا بالأحجار، أو متنجس البدن، لا إذا نام متيقنًا طهارتها، أو مستنجيًا بالماء[13].

وذكر الشافعية أن أهل الحجاز كانوا يستعملون الأحجار في الاستجمار، وكانت البلاد حارة، فيعرقون، وربما طافت أيديهم في موضع النجاسة فتنجست[14].

والصحيح:

أن الحديث مطلق، وهو عام لمن استنجى بالماء أو بالأحجار، عليه سراويل أم لا، ولا يقيد النص إلا نص مثله، أو إجماع، أو قياس صحيح.

وقيل: إن العلة تعبدية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فيجب الامتثال دون النظر إلى سبب الوجوب.
وقيل: إن العلة مبيت الشيطان على يده، وهذا اختيار الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.

قالا:
«هذه العلة نظير تعليل الشارع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم في قوله ﷺ: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء، فإن الشيطان يبيت على خيشومه» متفق عليه، وسبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه. فأمر بالغسل معللًا بمبيت الشيطان على خيشومه، فعلم أن ذلك سبب الغسل، والحديث معروف.

وقوله: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» يمكن أن يراد به ذلك، فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار، وأما ملابسته ليده خاصة؛ فلأنها أعم الجوارح كسبًا وتصرفًا ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية، فصاحبها كثير التصرف والعمل بها، ولهذا سميت جارحة؛ لأنه يجترح بها: أي يكسب، والله أعلم»[15].

ونوقش هذا:

بأن التعليل من أجل مبيت الشيطان على يده لا يصح؛ لأنه لا ذكر للشيطان في الحديث، وقوله: «باتت يده» الفعل أسند إلى اليد، ولم يسند إلى الشيطان، ولا يتأتى القياس على الخيشوم لكون مثل هذا يحتاج إلى توقيف، والخيشوم طريق إلى قلب الآدمي وجوفه بخلاف اليد، فإنها عضو خارجي كسائر الأعضاء، وعلى التنزل فإن الاستنشاق للقيام من النوم ليس بواجب، فإذا كان الأصل ليس واجبًا فإن الفرع أضعف من الأصل، والله أعلم.


الفرع الثالث: في اختصاص الحكم في القيام من نوم الليل

📌 مدخل في ذكر الضوابط الفقهية

غسل اليد قبل إدخالها الإناء، هل هو تعبدي للتفريق بين نوم الليل ونوم النهار عند بعضهم، وهو غير معقول المعنى، ولغسلها ثلاثًا، والنجاسات يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها؟
أو أن الحكم معقول المعنى لظاهر التعليل بقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده»؟
وقيل: التفريق بين نوم الليل والنهار خلاف الأصول [١٦].
البيات والليل هل خصا بالذكر بالحديث للغلبة، باعتبار أن الحكم يناط بالنوم لا في وقته، أو هما وصفان مقصودان في الحكم؟
اختلف العلماء هل غسل اليد قبل إدخالها الإناء مختص بنوم الليل، أو يشمل كل نوم؟  على ثلاثة أقوال:
فقيل: لا فرق بين نوم الليل، ونوم النهار، وهو مذهب الحنفية، والمالكية[17].
وقيل: الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها، سواء قام من نوم الليل أو النهار، أو شك في نجاستها من غير نوم.

وأما إذا تيقن طهارتها فوجهان: الأصح منهما، وهو والذي ذهب إليه الجماهير من أصحاب الشافعية أنه لا كراهة في غمس اليد، بل هو مخير إن شاء غمس، وإن شاء غسل قبل الغمس؛ لأن النبي ﷺ ذكر النوم، ونبه على العلة، وهى الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة، وهذا مذهب الشافعية [18].

وقيل: الحكم يتعلق بنوم الليل خاصة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة[19].

وسبب الخلاف في هذه المسألة راجع إلى مسألة أخرى، وهي:
هل غسل اليد من القيام من النوم معلل أو تعبدي، وإذا كان معللًا كما هو ظاهر النص، فهل هو معلل بعلة خفية غيبية، أو علة ظاهرة، وقد سبق مناقشة العلة في المبحث السابق.

دليل الجمهور على عدم التفريق بين نوم الليل والنهار:
الدليل الأول

ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». ورواه مسلم[20].

وجه الاستدلال

قوله: «إذا استيقظ أحدكم من نومه» فكلمة (نومه) نكرة مضافة، فتعم، كقوله سبحانه: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18] فيشمل نوم الليل ونوم النهار.

الدليل الثاني

على فرض أن يكون الحديث في نوم الليل فيدخل فيه نوم النهار من باب القياس الجلي؛ إذ لا فرق، فإذا كان النائم يجب عليه أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء لما ورد من ذلك في الحديث، فنوم النهار مثل نوم الليل في القياس، فجميع الأحكام المناطة بالنوم لم يفرق فيها بين نوم الليل وبين نوم النهار، كالحدث، ووضوء الجنب.

الدليل الثالث

قوله في الحديث: «فإنه لا يدري» وهذه العلة موجودة في نوم النهار، فالنائم إذا نام لا يدري سواء كان نومه في الليل أم في النهار؛ لأن النوم يحجب العقل.

قال ابن حجر:
«لكن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة».

قال الرافعي في «شرح المسند»:
«يمكن أن يقال الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشد منها لمن نام نهارًا؛ لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة»[21].

بل ذهب الباجي في «المنتقى» إلى دخول المغمى عليه والمجنون في الحكم، فقال:
«تعليق هذا الحكم بنوم الليل لا يدل على اختصاصه به؛ لأن النائم إن كان لا يدري أين باتت يده فكذلك المجنون والمغمى عليه، وكذلك من قام إلى وضوء من بائل أو متغوط أو محدث فإنه يستحب له غسل يده قبل أن يدخلها في إنائه خلافًا لـ الشافعي؛ لأن المستيقظ لا يمكنه التحرز من مس رفغه ونتف إبطه وفتل ما يخرج من أنفه وقتل برغوث وعصر بثر وحك موضع عرق، وإذا كان هذا المعنى الذي شرع له غسل اليد موجودًا في المستيقظ لزمه ذلك الحكم، ولا يسقط عنه أن يكون علق في الشرع على النائم، ألا ترى أن الشرع علقه على نوم المبيت ولم يمنع ذلك من أن يتعدى إلى نوم النهار لما تساويا في علة الحكم» [22].

وأجيب:

بأن الحكم خص في المبيت، فلم يقل في الحديث: «فإنه لا يدري» وسكت، بل قال: لا يدري أين باتت يده، ولو كانت العلة احتمال نجاسة اليد لكان له وجه في إلحاق المغمى عليه، وسبق لي أن ذكرت الاختلاف في العلة، ولم يظهر لي أن العلة احتمال النجاسة، وإلا لكانت غسلة واحدة كافية إن شاء الله في حصول المقصود، بل إن الغسل ثلاثًا مشروع حتى للمستيقظ عند إرادة الوضوء، فذكر التثليث يلحقه بالتعبد المحض، وإذا كانت العلة تعبدية لم يكن للقياس معنى، لعدم تعدي العلة، والله أعلم.

ويرد على هذا:

بأن المبيت قيد أغلبي لا يدل على التخصيص، فأغلب نوم الناس إنما هو بالليل، كما ذكر الله في كتابه بأنه جعل الليل ليسكنوا فيه، وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار، وجعل الله النهار معاشًا، والله أعلم.

دليل الحنابلة على اختصاصه بنوم الليل:
الدليل الأول

قوله ﷺ: «فإنه لا يدري أين باتت يده» والبيتوتة لا تكون إلا بالليل، كقوله تعالى: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ [97] أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ [الأعراف: 97، 98]، فخص البيات بالليل ثم ذكر النهار.

وأجيب:

بقول ابن حزم: ادعى قوم أن هذا في نوم الليل خاصة لقوله ﷺ: «أين باتت يده»، وادعوا أن المبيت لا يكون إلا بالليل.

قال أبو محمد:
«وهذا خطأ، بل يقال: بات القوم يدبرون أمر كذا وإن كان نهارًا»[23].

ورد هذا ابن عبد البر، فقال:
«أما المبيت فيشبه أن يكون ما قاله أحمد بن حنبل صحيحًا فيه؛ لأن الخليل قال في كتاب «العين»: البيتوتة دخولك في الليل، وكونك فيه بنوم وبغير نوم، قال ومن قال: بت بمعنى نمت، وفسره على النوم فقد أخطأ، قال: ألا ترى أنك تقول بت أراعي النجم، معناه: بت أنظر إلى النجم. قال: فلو كان نومًا كيف كان ينام وينظر، إنما هو ظللت أراعي النجم. قال: وتقول: أباتهم الله إباتة حسنة، وباتوا بيتوتة صالحة، وأباتهم الأمر بياتًا، كل ذلك دخول الليل، وليس من النوم في شيء»[24].

الدليل الثاني

قوله ﷺ: «إذا استيقظ أحدكم من نومه» فإن النوم عند الإطلاق لا يراد به إلا نوم الليل[25].

الدليل الثالث

ولأن نوم الليل أطول من نوم النهار عادة، وعلقت به أحكام كثيرة منها الأذكار الخاصة بالنوم على الصحيح، ومنها ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة:
«يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذ هو نام ثلاث عقد يضرب على مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» [26].

فقوله: «وإلا أصبح» دليل على أن هذا في نوم الليل، والله أعلم.

الدليل الثالث

ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
«إذا قام أحدكم من الليل، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده»[27].

[الحديث صحيح، وذكر القيام من الليل ليس محفوظًا، فأكثر الرواة عن أبي هريرة على عدم ذكر الليل، وهي رواية الصحيحين][28].

دليل من قال: الحكم يتعلق بالشك:

استدل الشافعية بأن الحكم يتعلق بالشك، لقوله ﷺ في الحديث: «فإنه لا يدري أين باتت يده» أما من تيقن طهارة يده فلا شيء عليه، فالرسول ﷺ ذكر النوم، ونبه على العلة، وهي الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة[29].

الراجح من أقوال أهل العلم:

بعد استعراض الخلاف الذي أميل له أن ذكر الليل غير محفوظ في الحديث، فمن حيث الإسناد أجد أن أكثرة الرواة لا يذكر قيد الليل في النوم، وفيهم من هو من أخص أصحاب أبي هريرة كابن سيرين وأبي هريرة، ومن ذكر القيام من نوم الليل قد اختلف عليه في ذكرها، وقد أعرض الصحيحان عن ذكر قيد الليل.

ولأن التفريق بين نوم الليل ونوم النهار غير معقول المعنى.

وعلى فرض أن يكون الليل محفوظًا فهو وصف طردي، وقيد أغلبي لا يقصد منه إخراج نوم النهار، وإنما الليل هو ظرف النوم، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ﴾.

ولأن دخول نوم الليل متيقن، ودخول غيره مشكوك فيه، والأصل براءة الذمة وعدم التكليف؛ والله أعلم.

الحواشي والمراجع
[1] انظر في مذهب الحنفية: «بدائع الصنائع» (1/20)، «أحكام القرآن» للجصاص (2/497)، «العناية شرح الهداية» (1/20، 21)، «الجوهرة النيرة» (1/5)، «البحر الرائق» (1/17)، «شرح فتح القدير» (1/21)، «حاشية ابن عابدين» (1/111، 112).

وانظر في مذهب المالكية: «المنتقى» (1/48)، «الخرشي» (1/132)، «الفواكه الدواني» (1/134).

وانظر في مذهب الشافعية: «الأم» (1/39)، «المجموع» (1/214)، «إحكام الأحكام» (1/68، 69)، «حاشية البجيرمي على الخطيب» (1/160).

وانظر رواية أحمد في «الفتاوى الكبرى» لـ ابن تيمية (1/217).

[2] «المغني» (1/70، 71)، «الفروع» (1/144)، «الإنصاف» (1/40)، «مطالب أولي النهى» (1/92).
[3] «المحلى» (1/155).
[4] «المغني» (1/70).
[5] «صحيح مسلم» (232).
[6] «إحكام الأحكام» (1/69).
[7] «صحيح البخاري» (3295)، و«مسلم» (238).
[8] «صحيح مسلم» (278)، وانظر «صحيح البخاري» (162).
[9] «شرح فتح القدير» (1/21).
[10] «تبيين الحقائق» (1/4)، «حاشية ابن عابدين» (1/111)، «المنتقى» لـ الباجي (1/48)، «شرح الزرقاني على الموطأ» (1/128)، «البيان والتحصيل» (1/68).
[11] «المجموع» (1/389)، «شرح النووي لصحيح مسلم» (1/232).
[12] «الإنصاف» (1/41).
[13] «شرح فتح القدير» (1/21).
[14] «الحاوي» (1/102).
[15] «تهذيب السنن» (1/69، 70)، و«مجموع الفتاوى» (21/44).
[16] جميع الأحكام المناطة بالنوم لا يفرق فيها بين نوم الليل وبين نوم النهار، فالنوم باعتباره مظنة للحدث معتبر فيه نوم النهار كنوم الليل، وإذا أصاب الرجل جنابة بالنهار، فأراد أن يقيل توضأ وضوءه للصلاة كنوم الليل، وإن كانت السنة إنما جاءت في نوم الليل، انظر «البيان والتحصيل» (1/66).
[17] انظر في مذهب الحنفية: «الهداية» (1/12)، «حاشية ابن عابدين» (1/108، 109).

وفي مذهب المالكية، انظر: «التمهيد» (18/256)، «المنتقى» لـ الباجي (1/48).

[18] «شرح صحيح مسلم» لـ النووي (1/232)، «المجموع» (1/389).
[19] «الإنصاف» (1/41)، «المغني» (1/71)، «كشاف القناع» (1/33).
[20] «صحيح البخاري» (162)، و«مسلم» (278).
[21] «فتح الباري» (1/263)، قلت: قول الباجي لا يعتبر قولًا مستقلًا؛ لأن الكراهة عنده ثابتة في نوم الليل ونوم النهار، إلا أن نوم الليل أشد على اعتبار أن ما نص عليه آكد مما ألحق به قياسًا، على تقدير أن المبيت نص في نوم الليل. والله أعلم.
[22] «المنتقى» (1/48).
[23] «المحلى» (1/201، 202).
[24] «التمهيد» (18/255).
[25] «بدائع الفوائد» (4/89).
[26] رواه البخاري (1142)، ومسلم (776) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وتابع سعيد بن المسيب الأعرج عند البخاري (3269).
[27] «المصنف» (1/94) رقم 1047.
[28] هذا الحديث يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه- من طرق كثيرة عنه، وذكر الليل في الحديث قد اختلف في ذكره:

فرواه الأعرج، وابن سيرين، وهما من أخص أصحاب أبي هريرة، وكذلك همام وعبد الله بن شقيق، وموسى بن يسار، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو مريم، وعمار بن أبي عمار، كلهم لا يذكرون أن القيام من نوم الليل.

ورواه غيرهم عن أبي هريرة على اختلاف عليهم في ذكر الليل.

فرواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، واختلف على الزهري:

فرواه معمر عن الزهري، عن سعيد ولم يذكر الليل في القيام من النوم.

ووراه الأوزاعي عن الزهري بالوجهين.

ورواه الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، واختلف على الزهري:

فرواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، ولم يذكر الليل في القيام من النوم.

وتابعه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة.

ورواه الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة بذكر الليل.

ورواه معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بالوجهين.

ورواه الأعمش، عن أبي صالح، وأبي رزين، عن أبي هريرة.

واختلف على الأعمش:

فرواه أبو معاوية، عن الأعمش بذكر الليل في القيام من النوم، لم يختلف فيه على أبي معاوية.

وتابعه زائدة عن الأعمش.

ورواه وكيع، وشعبة، وشجاع بن الوليد، وأبو الأشهب، رووه عن الأعمش بدون ذكر الليل.

هذا ملخص الخلاف على أبي هريرة بذكر الليل، وإليك تفصيل ما أجمل.

الوجه الأول: الطرق التي جاء فيها ذكر الليل بالقيام من النوم

رواه جماعة عن أبي هريرة على اختلاف عليهم في ذلك:

• الطريق الأول: الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة، تارة يجمع الأعمش شيوخه أبا صالح وأبا رزين، وتارة يفرقهما.

رواه الأعمش واختلف عليه:

فرواه أبو معاوية، عن الأعمش بذكر الليل ولم يختلف على أبي معاوية في ذكر ذلك، وأبو معاوية مختص بـ الأعمش.

رواه أحمد في «مسنده» (2/253).

والبزار (9170) عن يحيى بن داود، وأبو عوانة (730) عن علي بن حرب، ثلاثتهم (أحمد ويحيى وعلي بن حرب) عن أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح وحده، عن أبي هريرة، بذكر الليل.

ورواه أبو داود (103) ومن طريقه البيهقي (1/45) عن مسدد، والبزار (6983) حدثنا عمرو بن علي، والبيهقي (1/45) من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي، ثلاثتهم عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة، بذكر الليل.

وتابع زائدة بن قدامة أبا معاوية بذكر الليل.

فأخرجه أحمد (2/253)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/22) من طريق زائدة بن قدامة، عن الأعمش به بذكر أبي صالح وحده، إلا أنهما لم يذكرا متنه، وأحالا على رواية سابقة، وفيها ذكر الليل. فهذه متابعة لـ أبي معاوية إلا أنها ليست صريحة، لأن الإحالة تحتمل ألا تكون على كل كلمة وردت في الرواية السابقة، والدليل على ذلك أن الطحاوي خرج هذا الحديث في «مشكل الآثار» (5096) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، بدون ذكر الليل، ثم رواه (5097) من طريق زائدة بن قدامة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، مثله، فأحال على رواية الأعرج، عن أبي هريرة، وليس فيها ذكر الليل.

وخالف أبا معاوية وزائدة كل من:

الأول: شعبة، كما في «مسند أبي داود الطيالسي» ط هجر (2540)، وذكر في عدد الغسل صبة أو صبتين.

الثاني: وكيع، كما في «مسند أحمد» (2/471)، و«مسلم» (278)، و«أبو عوانة» (1/264)، و«سنن البيهقي» (1/45)، إلا أن مسلمًا وأبا عوانة لم يسوقا متنه، وأحالا على متن سابق.

الثالث: شجاع بن الوليد، كما في «سنن البيهقي» (1/47).

الرابع: أبو الأشهب، جعفر بن الحارث النخعي كما في «الأوسط» لـ الطبراني (4/94) رقم: 3694. أربعتهم، رووه عن الأعمش به، ولم يذكروا كلمة الليل.

وأبو معاوية وإن كان من أثبت أصحاب الأعمش، إلا أن وكيعًا وشعبة ومن وافقهما قد وافقت روايتهم رواية الأكثر ممن رواه عن أبي هريرة بعدم ذكر الليل كما سيأتي بيان ذلك في التخريج إن شاء الله تعالى.

وقد رواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، بدون ذكر الليل في القيام من النوم، رواه ابن المقرئ في «معجمه» (594).

• الطريق الثاني: ممن رواه بذكر الليل: الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

رواه سفيان بن عيينة عن الزهري، ولم يختلف عليه، ولم يذكر لفظ (الليل)، وتابعه على ذلك محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، ورواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة متكلم فيها.

ورواه الأوزاعي، عن الزهري، بذكر الليل.

ورواه معمر عن الزهري، مرة بذكر الليل، ومرة بدون ذكر الليل.

وإليك تفصيل ما سبق.

رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري بدون ذكر الليل، كما في «مسند الشافعي» (ص: 10)، و«مسند الحميدي» (981)، و«أحمد» (2/241)، و«أبي يعلى» (5961)، و«المنتقى» لـ ابن الجارود (9)، و«الدارمي» (766)، و«مسلم» (278) و«النسائي في الكبرى» (1)، وفي «الصغرى» (1)، و«المستخرج على صحيح مسلم» لـ أبي نعيم (639)، «مسند أبي عوانة» (1/220، 221، 263)، و«ابن خزيمة» (99)، و«ابن حبان» (1062)، و«البيهقي» (1/45).

ورواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، بدون ذكر الليل، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (1/94)، و«مسند أحمد» (2/382)، و«الطهور» لـ القاسم بن سلام (279)، و«مسند أبي يعلى» (5973)، و«الطحاوي» (1/22).

ورواه الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة به، بذكر الليل، رواه الترمذي (24)، والنسائي (441)، وابن ماجه (393)، و«سنن البيهقي» (1/244).

ورواه معمر، عن الزهري، و اختلف على معمر:

فرواه أحمد (2/259) عن عبد الأعلى، عن معمر به بذكر الليل.

ورواه النسائي في «الكبرى» (153) وفي «المجتبى» (161) من طريق يزيد بن زريع، عن معمر به، بدون ذكر الليل.

• الطريق الثالث: سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.

رواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، واختلف على الزهري.

فرواه معمر، عن الزهري بدون ذكر الليل. أخرجه أحمد (2/265، 284) ومسلم (278)، وأبو عوانة (731) والبيهقي (2/244) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.

ورواه الأوزاعي، عن ابن شهاب واختلف على الأوزاعي:

فرواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/22) وفي «مشكل الآثار» (5094)، من طريق الفريابي وبشر بن بكر كلاهما عن الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وحده، عن أبي هريرة بذكر الليل، وذكر الغسل مرتين أو ثلاثًا.

ورواه النسائي في «الصغرى» (441) من طريق إسماعيل بن عبد الله عن الأوزاعي به بذكر الليل.

وأخشى أن يكون الأوزاعي حمل لفظ الزهري عن سعيد بن المسيب، على لفظ الزهري، عن أبي سلمة، فقد كان الزهري تارة يجمع شيخيه، فيروي الحديث عن سعيد وأبي سلمة مقرونين، وتارة يفرقهما، فيذكر سعيدًا وحده وأبا سلمة وحده. ولفظ سعيد وحده أو لفظه مقرونًا من غير طريق الأوزاعي لا يذكر فيه القيام من الليل، فالراجح عندي أن طريق سعيد من الطرق التي لم تذكر القيام من الليل.

وأما طريق سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مقرونين.

فأخرجه الترمذي (24) وابن ماجه (393) من طريق الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، حدثني ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة به. بذكر القيام من الليل.

وأخرجه الطحاوي (1/22) من طريق أبي صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، حدثني ابن شهاب به. ولم يذكر متنًا.

فالحديث محفوظ عن الزهري من الطريقين، طريق سعيد بن المسيب وأبي سلمة.

قال الدارقطني في «العلل» (8/78): «المحفوظ عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة».اهـ

وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (18/234): «قد حدث به معمر عن الزهري، مرة عن سعيد، عن أبي هريرة، ومرة عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فدل على أن الحديث صحيح لهما عن أبي هريرة». اهـ

• الطريق الرابع: العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.

رواه العلاء واختلف عليه فيه:

فرواه أبو عوانة في «مسنده» (1/222) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة به بالشك، إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح، أو لعله قال: من نومه، أو كلمة نحوها، فليفرغ على يديه ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده، فهنا شك هل قال: (حين يصبح) فيكون فيه إشارة إلى القيام من نوم الليل، أو لعله قال: من نومه.

ورواه مسلم في «صحيحه» (278) والبيهقي في «السنن الكبرى» (1/118) من طريق محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن العلاء به، بلفظ: إذا قام أحدكم من النوم إلى الوضوء فليفرغ على يديه من الماء فإنه لا يدري أين باتت يده. هذا لفظ البيهقي، وأما مسلم فلم يذكر متنًا، وأحال على رواية سابقة، فهنا جزم بأن القيام من النوم، وهو شامل لنوم الليل والنهار.

هذه الطرق التي نص فيها على أن القيام إنما هو من نوم الليل، وأنت ترى أنه لا يخلو طريق من الاختلاف عليه فيه.

الوجه الثاني: بدون ذكر الليل

فرواه الأعرج، وابن سيرين، وهما من أخص أصحاب أبي هريرة، وكذلك همام وعبد الله بن شقيق، وموسى بن يسار، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو مريم، وعمار بن أبي عمار، كلهم لا يذكرون أن القيام من نوم الليل.

وإليك تخريج مروياتهم.

• الطريق الأول: الأعرج، عن أبي هريرة.

رواه مالك في «الموطأ» (1/21) ومن طريقه الشافعي (1/14)، وأحمد (2/465)، والحميدي في «مسنده» (952، 982)، والبخاري (162)، ومسلم (278)، وابن حبان (1063) والبيهقي (1/45، 118) وفي «المعرفة» (1/267) والبغوي في «شرح السنة» (207).

• الطريق الثاني: ابن سيرين، عن أبي هريرة.

أخرجه أحمد (2/295، 507)، و«ابن أبي شيبة» (1/94)، ومسلم (278) والطبراني في «الأوسط» (1/290) رقم 945.

• الطريق الثالث: همام بن منبه، عن أبي هريرة.

أخرجه أحمد (2/316) ومسلم (278)، وأبو عوانة في «مسنده» (733)، والبيهقي في «السنن الصغرى» (19)، وفي «الكبرى» (1/234).

• الطريق الرابع: ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن أبي هريرة، كما في «صحيح مسلم» (278) و«مسند أبي عوانة» (1/222)، و«سنن البيهقي» (1/256).

• الطريق الخامس: موسى بن يسار، عن أبي هريرة أخرجه أحمد (2/497) من طريق محمد بن إسحاق عنه به.

• الطريق السادس: عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة.

كما في «مسند أحمد» (2/455) ومسلم (278)، و«ابن خزيمة» (100، 145)، و«ابن حبان» (1064، 1065)، و«أبي عوانة» (1/263)، و«الدارقطني» (1/94)، «سنن البيهقي» (1/46).

• الطريق السابع: أبو الزبير، عن جابر، عن أبي هريرة، رواه مسلم (287) من طريق معقل، ومن طريق معقل رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (1/47)، عن أبي الزبير به.

قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (ص: 417): «استنكر الإمام أحمد روايات معقل عن أبي الزبير، وقال: هي تشبه أحاديث ابن لهيعة، وقد تتبع ذلك فوجد كما قال أحمد».

قلت: قد رواه أحمد (2/403)، وأبو يعلى (5863، 6440)، وأبو عوانة (1/263)، والبيهقي «الكبرى» (1/47) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير به.

• الطريق الثامن: أبو مريم (عبد الرحمن بن ماعز)، عن أبي هريرة كما في «سنن أبي داود» (105)، و«صحيح ابن حبان» (1061)، و«الدارقطني» (1/50)، و«سنن البيهقي» (1/46) من طريق معاوية بن صالح عنه.

• الطريق التاسع: عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (5099).

فهؤلاء تسعة من الرواة رووه عن أبي هريرة بدون ذكر الليل في القيام من نوم الليل، والله أعلم.

[29] انظر «شرح صحيح مسلم» لـ النووي (1/232)، «المجموع» (1/389).

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *