📌 المدخلُ إلى المسألةِ:
اختلفَ الفقهاءُ في الرجلِ:
إن دخلَ في الصفِّ المتأخرِ أدركَ الركعةَ، وإن طلبَ الصفَّ الأولَ فاتتْهُ الركعةُ، فأيُّهما يُقَدَّمُ؟
فقِيلَ: يُقَدَّمُ إدراكُ الصفِّ الأولِ، ولو فاتتْهُ الركعةُ، إلا أن تكونَ الركعةُ الأخيرةُ فإدراكُها أفضلُ من الصفِّ الأولِ.
وهو مذهبُ المالكيةِ، والشافعيةِ، وظاهرُ إطلاقِ الحنابلةِ[1].
قال الزرقانيُّ:
«إدراكُ الصفِّ الأولِ أفضلُ من الركعةِ»[2].
وقال في «الإقناعِ»:
«وظاهرُ كلامِهم يُحافِظُ على الصفِّ الأولِ وإن فاتتْهُ الركعةُ، إلا إن خافَ فوتَ الجماعةِ»[3].
واستدلوا لقولِهم:
بما رواهُ البخاريُّ من طريقِ همامٍ، عن الأعلمِ وهو زيادٌ، عن الحسنِ، عن أبي بكرةَ: أنهُ انتهى إلى النبيِّ ﷺ وهو راكعٌ، فركعَ قبلَ أن يصلَ إلى الصفِّ، فذكرَ ذلك للنبيِّ ﷺ، فقال: «زادكَ اللهُ حرصاً ولا تَعُدْ»[4].
واسْتُدِلَّ على هذا بقولِهِ ﷺ لأبي بكرةَ: «زادكَ اللهُ حرصاً ولا تَعُدْ».
أنَّ النبيَّ ﷺ قدَّمَ إدراكَ الصفِّ على إدراكِ الركعةِ فَذّاً، ونهاهُ عن العودِ إلى الركوعِ دونَ الصفِّ حرصاً على إدراكِ الركعةِ[5].
بأنَّ القياسَ على هذه المسألةِ قياسٌ مع الفارقِ، فالمسألةُ مفروضةٌ في رجلٍ ركعَ فَذّاً، قبلَ الدخولِ في الصفِّ، وفي إدراكِ الركعةِ إذا رفعَ الإمامُ رأسَهُ قبلَ الدخولِ في الصفِّ خلافٌ بينَ العلماءِ، والبحثُ إنما هو في رجلٍ أدركَ الصفَّ المتأخرَ، فتركَهُ، وهو يعلمُ أنَّ الركعةَ سوف تفوتُهُ حرصاً على إدراكِ الصفِّ الأولِ، فلا يصدقُ عليهِ هذا الدليلُ، واللهُ أعلمُ.
وقِيلَ: إدراكُ الركعةِ أفضلُ من إدراكِ الصفِّ الأولِ.
وهو مذهبُ الحنفيةِ.
قال ابنُ نجيمٍ:
«إذا أدركَ الإمامَ راكعاً فشروعُهُ لتحصيلِ الركعةِ في الصفِّ الأخيرِ أفضلُ من وصلِ الصفِّ الأولِ مع فواتِها»[6].
لأنَّ إدراكَ الركعةِ فضيلةٌ تتعلقُ في ذاتِ العبادةِ، وإدراكَ الصفِّ الأولِ فضيلةٌ تتعلقُ بمكانِها، وإدراكَ ما يتعلقُ بذاتِها أَوْلَى؛ لأنَّ المكانَ ليس جزءاً من الماهيةِ، فهو مجردُ ظرفٍ.
قولُهُ ﷺ: «لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ».
فَقَدَّمَ الطعامَ على فضيلتينِ: الجماعةِ وأولِ الوقتِ، من أجلِ تفريغِ القلبِ عن كلِّ ما يشغلُهُ، أو يذهبُ بكمالِ خشوعِهِ؛ لأنَّ الخشوعَ يتعلقُ بذاتِ العبادةِ بخلافِ الوقتِ والجماعةِ.
بأننا لو قلنا بتفضيلِ ما اتصلَ بالعبادةِ على ما اتصلَ بمكانِها لساغَ للرجلِ إذا لم يتمكنْ من التَّوَرُّكِ في الصفِّ الأولِ أن يتأخرَ عن الصفِّ الأولِ لفضيلةِ التَّوَرُّكِ! لكونِ التَّوَرُّكِ فضيلةً متصلةً بالعبادةِ ذاتِها، والصفِّ الأولِ فضيلةٌ متصلةٌ بالمكانِ، ولم يقلْ أحدٌ: إنهُ يُشْرَعُ التأخرُ إلى الصفِّ الثاني من أجلِ التَّوَرُّكِ.
ولكان القريبُ من الإمامِ في الصفِّ الثاني ممن يسمعُ تلاوتَهُ، ويرى أفعالَهُ أفضلَ من الرجلِ الذي في طرفِ الصفِّ الأولِ ممن لا يسمعُ قراءةَ الإمامِ، ولا يرى أفعالَهُ.
والصلاةُ جماعةً تفضلُ صلاةَ الفردِ بخمسٍ وعشرينَ ضعفاً، فإذا صلى في الحرمِ كان التضعيفُ بمائةِ ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ، فكان صلاتُهُ فَذّاً في الحرمِ أكثرَ مضاعفةً من صلاتِهِ جماعةً في غيرِهِ، والجماعةُ فضيلةٌ تتعلقُ بذاتِ العبادةِ، والحرمُ فضيلةٌ تتعلقُ بمكانِها.
إذا كان الصفُّ الأولُ يتعذرُ معهُ التَّوَرُّكُ فالصفُّ الثاني مثلُهُ، فكونُ هذا أولَ، وهذا ثانٍ، هذا بالنسبةِ للإمامِ، ولا فرقَ بينهما من جهةِ التمكنِ من التَّوَرُّكِ.
والسببُ في تفضيلِ البعيدِ عن الإمامِ ممن لا يسمعُ قراءتَهُ من أصحابِ الصفِّ الأولِ على القريبِ من الإمامِ في الصفِّ الثاني ممن يسمعُ قراءتَهُ، ويرى أفعالَهُ:
وقوعُ الخلافِ بين العلماءِ في حكمِ إتمامِ الصفِّ الأولِ.
فهناك من العلماءِ من يرى كراهةَ الوقوفِ في صفٍّ قبلَ إكمالِ الذي يليهِ،
حتى قال الشافعيةُ:
من وقفَ قبلَ إتمامِ ما قبلَهُ فاتَهُ فضلُ الجماعةِ،
وهناك من العلماءِ من يرى وجوبَ إتمامِ الصفِّ لقولِهِ في حديثِ أنسٍ في «مسلمٍ»: «أتمُّوا الصفوفَ»، فاختلافُ الحكمِ يمنعُ من القولِ بالتزاحمِ.
قال أبو عوانةَ في «مستخرجِهِ»:
بيانُ إيجابِ قيامةِ الصفوفِ … وإيجابِ إتمامِ الصفِّ الأولِ، ثم الذي يليهِ[7].
فـيُقَدَّمُ ما اخْتُلِفَ في وجوبِهِ على ما اتُّفِقَ على سنيتِهِ.
وأما تفضيلُ الصلاةِ فَذّاً في الحرمِ على الصلاةِ جماعةً في غيرِهِ:
فهي مسألةٌ خلافيةٌ ترجعُ إلى الخلافِ في حكمِ الجماعةِ، فمن يرى وجوبَ الجماعةِ سوف يقولُ بفضيلةِ الجماعةِ على الصلاةِ فَذّاً بالحرمِ؛ لأنَّ المقارنةَ لا تُعْقَدُ بين واجبٍ ومستحبٍّ، والجماعةُ ليست جزءاً من ذاتِ العبادةِ، وإنما هي واجبةٌ لها، وليست واجبةً فيها. فخرجتْ من الاعتراضِ.
ولو سلَّمنا الاعتراضَ في كلِّ الصورِ الثلاثةِ المتقدمةِ، فالفضائلُ المتعلقةُ بذاتِ العبادةِ تتفاوتُ، وكذلك الفضائلُ المتعلقةُ بالمكانِ، فـالتَّوَرُّكُ لم يُنَصَّ على مقدارِ ثوابِهِ، ولم يُوَجِّهْ الشارعُ أمراً خاصاً يُطْلَبُ من المكلفِ فعلُهُ، والثابتُ فيهِ مجردُ الفعلِ الدالِّ على المشروعيةِ، على خلافٍ بين الفقهاءِ في مشروعيتِهِ، بينما الصفُّ الأولُ مُجْمَعٌ على فضيلتِهِ، وقد وردَ الأمرُ من الشارعِ بالمبادرةِ إليهِ، والتزاحمِ على تحصيلِهِ، ولو بطريقِ القرعةِ.
والقواعدُ أغلبيةٌ، وهي ليست بمنزلةِ النصوصِ، ولا يسقطُها عن الاحتجاجِ كونُها غيرَ مطردةٍ في جميعِ فروعِها، وكثيرٌ من القواعدِ لها فروعٌ مستثناةٌ، ولم يمنعْ ذلك من احتجاجِ الفقهاءِ بها، واللهُ أعلمُ.
أنَّ إدراكَ الركعةِ في الصفِّ المتأخرِ أفضلُ من فواتِها لإدراكِ الصفِّ الأولِ.
وجاء في «شرح مسائل التعليم» (ص363): «ويسن المبادرة إلى الصف الأول وإن فاتته بقصده الركعة غير الأخيرة، أمَّا هي فإدراكها أولى من إدراك الصف الأول».
وقال ابن مفلح في «النكت على المحرر» (1/115):
«ويدخل في إطلاق كلامهم، لو علم أنه لو مشى إلى الصف الأول فاتته ركعة، وإن صلى في الصف المؤخر لم تفته … ولا يبعد القول بالمحافظة على الركعة الأخيرة، وإن كان غيرها مشى إلى الصف الأول، وقد يقال يحافظ على الركعة الأولى والأخيرة».
وانظر: «التوضيح لخليل» (1/478)، «شرح الزرقاني على خليل» (2/51)، «شرح الخرشي» (2/33)، «مغني المحتاج» (1/249)، «نهاية المحتاج» (1/271)، «معونة أولي النهى» (2/95)، «كشاف القناع»، ط: العدل (2/281)، «دقائق أولي النهى» (1/183).
