فضلُ الإمامةِ
يُسْتَمَدُّ فضلُ الإمامةِ من فضلِ صلاةِ الجماعةِ، ومن أهميةِ دورِ المسجدِ في المجتمعِ.
وصلاةُ الجماعةِ والأذانُ لها من شعائرِ الإسلامِ العظيمةِ، وتُؤَدَّى في خيرِ البقاعِ: في بيوتِ اللهِ.
قال تعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ [النور: 36].
ويكفي المساجدَ شرفاً أن أُضِيفَتْ إلى اللهِ سبحانَهُ وتعالى، فبيوتُ اللهِ هي المساجدُ، وهي محلُّ إقامةِ الصلاةِ جماعةً، وهي محلُّ صلواتِهِ، فالصلاةُ أعظمُ أركانِ الإسلامِ العمليةِ، والإمامةُ فيها تعني أنَّ الإمامَ فيها موضعُ القدوةِ لقومِهِ فمن اُقْتُدِيَ بهِ في أعظمِ أركانِ الإسلامِ العمليةِ فحريٌّ أن يُقْتَدَى بهِ في سائرِ أمورِ الدينِ والدنيا.
وهي وظيفةُ النبيِّ محمدٍ ﷺ، فكان يصلي بأصحابِهِ حضراً وسفراً حتى توفاهُ اللهُ، وهي وظيفةُ خلفائِهِ في حياتِهِ ومن بعدِهِ.
فكان إذا أنابَ أميراً على مدينةٍ كان إمامَهم في الصلاةِ، فأنابَ أبا هريرةَ على المدينةِ، وعتابَ بنَ أسيدٍ على مكةَ، وعثمانَ بنَ أبي العاصِ على الطائفِ، وأنابَ أبا موسى ومعاذاً وعليّاً -رضيَ اللهُ عنهم- على اليمنِ، وأنابَ عمروَ بنَ حزمٍ على نجرانَ.
وكذلك كان خلفاؤُهُ من بعدِهِ، فكان أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ يصلونَ بالمسلمينَ؛ لأنَّ المُقَدَّمَ في الصلاةِ كان مُقَدَّماً في الإمامةِ العظمى، ولهذا حرصَ النبيُّ ﷺ أن يقدِّمَ أبا بكرٍ في إمامةِ المسلمينَ في مرضِهِ الذي مات فيهِ، فكان في هذا إشارةٌ إلى أحقيتِهِ بالخلافةِ.
فمن كان إمامَ قومِهِ فهو دالٌّ على فضلِهِ عليهم، ولهذا كان من شروطِها العدالةُ، والعلمُ.
قال النبيُّ ﷺ: «يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهم لكتابِ اللهِ، فإن كانوا في القراءةِ سواءً فأعلمُهم بالسنةِ … الحديث».
فكان توفرُ شروطِ الإمامةِ في الرجلِ دالّاً على خيريتِهِ وفضلِهِ وعلوِّ مرتبتِهِ.
قال السرخسيُّ:
«والأصلُ فيهِ أنَّ مكانَ الإمامةِ ميراثٌ من النبيِّ ﷺ، فإنهُ أولُ من تقدمَ للإمامةِ فـيُخْتَارُ لهُ من يكونُ أشبهَ بهِ خَلْقاً وخُلُقاً، ثم هو مكانٌ اُسْتُنْبِطَ منهُ الخلافةُ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لما أمرَ أبا بكرٍ أن يصليَ بالناسِ، قالتِ الصحابةُ بعدَ موتِهِ إنهُ اختارَ أبا بكرٍ لأمرِ دينِكم فهو المختارُ لأمرِ دنياكم، فإنما يُخْتَارُ لهذا المكانِ من هو أعظمُ في الناسِ»[1].
وقال الإمامُ أحمدُ:
«ومن الحقِّ الواجبِ على المسلمينَ: أن يُقَدِّمُوا خيارَهم وأهلَ الدينِ، والأفضلَ منهم، أهلَ العلمِ باللهِ الذين يخافونَ اللهَ ويراقبونهُ».
وقال الإمامُ الماورديُّ:
«ينبغي أن يَتَقَدَّمَ إلى الإمامةِ مَنْ جَمَعَ أوصافَها، وهي خمسةٌ: القراءةُ، والفقهُ، والنسبُ، والسنُّ، والهجرةُ، بعدَ صحةِ الدينِ وحسنِ الاعتقادِ، فمَنْ جمعَها وكملتْ فيهِ، فهو أحقُّ بـالإمامةِ مِمَّن أخلَّ ببعضِها، لأنَّ الإمامةَ منزلةُ اتباعٍ واقتداءٍ، فاقتضى أن يكونَ متحمِّلُها كاملَ الأوصافِ المعتبرةِ فيها، فإن لم تجتمعْ في واحدٍ، فأحقُّهم بـالإمامةِ من اختصَّ بـأفضلِها»[2].
وهذه الإمامةُ الصغرى تعوِّدُ الناسَ على السمعِ والطاعةِ والانضباطِ، فكلُّ مجتمعٍ بحاجةٍ إلى إمامٍ يرجعونَ إليهِ، ويصدرونَ عنهُ، فيهِ تُتَوَحَّدُ الكلمةُ، ويجتمعُ عليهِ الناسُ، والمسلمونَ قد اعتادوا هذا الانضباطَ فلا يَرَوْنَ عظمتَهُ، فلا يراهم كافرٌ لأولِ مرةٍ إلا عجبَ من هذا الانضباطِ، يَصُفُّونَ كما تَصُفُّ الملائكةُ عند ربِّهم، كأنهم بنيانٌ مرصوصٌ، فمن نظرَ إلى الحرمِ المكيِّ والألوفُ خلفَ إمامِهم يركعُ فيركعونَ في وقتٍ واحدٍ، لا يتخلفُ أحدٌ منهم، ويرفعُ رأسَهُ فيرفعونَ رؤوسَهم، فيسجدُ فيتبعُهُ الناسُ سجوداً، هذا المشهدُ من لا يرى عظمتَهُ لو نَظَّمَ هذا الأمرَ أحدٌ من الناسِ لن يصلَ إلى هذه الدقةِ في الاتباعِ والانضباطِ إلا طاعةً للهِ سبحانَهُ وتعالى، ولهذا حرصَ النبيُّ ﷺ إذا بعثَ بعثاً ولو كانوا من ثلاثةِ رجالٍ أَمَّرَ عليهم أميراً حتى لا تتفرقَ كلمتُهم، ويفشلَ أمرُهم.
لا يصلحُ الناسُ فوضى لا سَرَاةَ لهم *** ولا سَرَاةَ إذا جُهَّالُهم سادوا.

